أخبار

أطياف الميدان في كل مكان

التغيير واتساب

خدمة الـتغيير واتساب

إحصل علي اَخر التحديثات يومياً علي هاتفك

مرّت الثورة السودانية، التي ما تزال أحداثها مستمرة، بعدة مراحل، فقد تفجّرت في ديسمبر 2018 في مدينة الدمازين ثم عطبرة لتنتقل إلى الخرطوم، وظلّت تدور معاركها في الشوارع في تظاهرات ترفع شعار السلمية أمام القوة المسلحة وهي تقدم شهيدا إثر آخر.

لكن الثورة اتخذت منحى مختلفاً في 6 ابريل الماضي، عندما انتهت التظاهرة إلى ميدان قيادة القوات المسلحة في الخرطوم بدلا من القصر الجمهوري لتقديم عريضة تطالب بإزاحة الدكتاتور السابق عمر أحمد البشير الذي بقي في الحكم 30 عاما.

احتل المتظاهرون الميدان الذي يقع أمام مباني القيادة العامة للقوات المسلحة، وظلوا هناك حتى 11 ابريل حينما استولت قيادات عسكرية على السلطة وصارت تسمي نفسها المجلس العسكري (كانت تغلب على تكوينه عناصر اللجنة الأمنية للنظام السابق ظل هناك من يسميه اللجنة الأمنية).

اعتبر المجلس العسكري ساحة الاعتصام أمراً واقعاً، وبدأت قوى الحرية والتغيير، التي تم التوقيع على إعلانها في يناير الماضي التفاوض مع المجلس العسكري لتسليمها السلطة (أي للكيانات الموقعة على إعلان الحرية والتغيير) بوصفها ممثلة للشعب. وظل ميدان الاعتصام ساحة – قبلة تسيّر نحوها يوميّاً المواكب الشعبية من الأحياء المختلفة للعاصمة المثلثة (ثلاث مدن) ومن المدن الإقليمية. وتشكلت في ميدان الاعتصام أنماط حياة نضاليّة وأعمالاً جماليّة تشكّل مشروعا حضاريا (أو حلماً) ينتظر التنفيذ. وكان من مظاهر ذلك المشروع – الحلم أعمال فنيّة مدهشة نفذها مبدعوها على الجدران وعلى أرض الميدان لكن تم تدميرها خلال عمليّة الهجوم لفض الاعتصام مع غيرها من كيانات الميدان. وهنا ننقل انفعالات أفراد شاهدوا تلك الأعمال الفنية ورغم إزالتها تظل معلماً ملهما ورمزاً لا يقهر من رموز الحرية.

ردود الفعل

من بين ردود الفعل التي أدانت تدمير الأعمال الفنيّة ما كتبه الصحافي عثمان ميرغني في صحيفة “التيار” التي يرأس تحريرها تحت عنوان “بعد ان ارتكبوا المجزرة، مسحوا اللوحات الإبداعيّة الجميلة” يقول “مفهوم تماماً حالة الانكار لهذه (للمذبحة) و “الشينة منكورة” لكن الذي لا نفهمه أبداً هو قرار إزالة كل آثار الثورة والثوار من ساحة الاعتصام؛ بالله عليكم، من أمر بهذا؟ وما يؤذيه في أن تظل ذكرى هذا الحدث التاريخي منحوتة على جدران الوطن؟”.

وأضاف “تلك الجدران التي خلّد فيها شباب الثورة لوحات مبدعة ترسم المستقبل الذي من أجله قدّموا الشهداء والجرحى والمعتقلين والمشردين من الخدمة. وأصبحت ساحة الاعتصام مزاراً حتى لغير الناطقين بالثورة. وبث الإعلام العالمي لوحات الاعتصام ليدلّل على مستوى الوعي الذي أوقد نار الثورة وسار بشعلتها من شارع إلى حارة إلى سوق إلى ميدان، حتى وصلت إلى القيادة. بالله عليكم من ذا الذي يرى في كل هذه اللوحات والذكريات وخزاً لضميره فأصدر قراراً بمسح (آثار الاعتصام)؟”.

“هذا الفعل التدميري يقدّم برهاناً غير قابل للنفي، بانّ الهجوم الغادر فجراً على ساحة الاعتصام والتآمر لأكثر من مئة شهيد أعزل وفي عز رمضان، لم يكم مجرد خطأ في تنفيذ إخلاء منطقة كلومبيا كما يدافع المجلس العسكري، بل هو عمل مخطط ضد الثورة. مسح الثوار من الوجود ثم إزالة آثارهم من ذاكرة التاريخ”.

لم يصدر رد فعل الفريق عبد الفتاح البرهان ضد تدمير الأعمال الفنية خلال المذبحة وإنما جاء رد فعله مخادعا، إذ أظهر مشاعر الأسف على تدمير الميدان ومن كان فيه من بشر وأعمال فنيّة جميلة. لكن القراءة المتأملة لتصريحه يمكن فهمها كمحاولة فاشلة لتخفيف ردود الفعل التي ظهرت في مقال عثمان ميرغني وغيره.

قال البرهان “نحن تعاهدنا مع كل الشعب السوداني أن المكان دا ما نفضّه، وهذا عهد قطعناه وما بنكذب على زول. إذا نحن كنا نريد أن نفضه ما كان غلبنا فالقوة العسكرية موجودة. لكن نحن كنا نظن لهذا المكان رمزيّة في نفوس الشباب، ولهذا المكان رمزية للثورة السودانيّة. كنا نتمنى أن يظل حتى يصبح مزاراً بعد أن تنتهي الثورة، وتخرج إلى مراميها، لكن حدث ما حدث، وتحملنا المسؤوليّة. ونحن جاهزون لتحمل المسؤوليّة. ونحن رقبتنا دي خاتينها 40 سنة فداء للشعب السوداني”.

أنظر العبارات المظللة أعلاه، مثل “إذا نحن أردنا ان نفضه ما كان غلبنا، فالقوة العسكريّة موجودة” والتي تقرأ مع الاعتراف في مؤتمر صحافي باتخاذ قرار فض الاعتصام.

شهادات

وفي ما يلي سلسلة من شهادات بعض من كانوا يزورون ميدان الاعتصام، ونشاطات الميدان المتعددة، وبالذات النشطات الفنيّة، وما تركته من أثر في نفوسهم.

مامون التلب (شاعر وصحافي):

في كل يوم تسمع قصة جديدة لصديق مقرّب، خاصة وإنّ قبيلة الفنون قد نُكل بها وعانت الأهوال من تحطيم الآلات الموسيقيّة وحلاقة شعر أغلبيتهم، بل إنّ البعض من العازفين قد كسّرت أيديهم، ورسامين حُطّمت لوحاتهم واحترقت أعمال عظيمة في ذلك اليوم.

عائشة م. (طالبة):

عندما أرى الصور والفيديوهات التي تبث حاليا من شارع القيادة في الخرطوم، أكاد لا أصدق أنه نفس المكان الذي كان فيه اعتصمنا. ببساطة، لأن هذا المكان كان عبارة عن قطعة أرض محررة، عندما تدخل إليه أو تمر به، يبهرك كم ونوع الجمال المبثوث فيه، في كل زاوية منه، تعكسه الجداريات الفنية وفنون الموسيقى وايقاع الشارع ونبضه.

هذا الجمال المبين، انتجه أناس أدركوا معنى الحرية، واستطاعوا أن يحولوا ساحة الاعتصام إلى منصة ومسرح للتعبير عن ذواتهم، كل بطريقته.

على الصعيد الشخصي، كانت أقرب الجداريات الفنية والشعارات إلى نفسي، تلك التي تحمل رسائل الحرية والبناء والإبداع، والتي تعبر عن التمكين والثقة بقدرة النساء على المشاركة الأصيلة في تحقيق الحلم بسودان حر ديمقراطي، كتلك التي تحمل عبارة “صوت المرأة ثورة “والتي تكشف مدى الوعي الذي بلغناه.

المجد والخلود لشهيداتنا وشهدائنا الأبرار.

عاجل الشفاء لجرحانا الكرام.

وثوار أحرار سنكمل المشوار.

إسراء ع. (طالبة):

أصوات جدران القيادة تهمس لتُلفت انتباه كل عابرٍ يلتفت بكل شوق ولهفة ليرى إبداعاً وقصصاً لُونت بريشة ثائرٍ مارس هوايته بكل بهجةٍ تعبيراً عن حبه ودفاعه عن وطنه بسلميته التي ستوصله إلى غايته.

بسمة كل الأيام الماضية دُونت ورُسمت في جدران الطموحات لتصبح رمزاً يجوب المكان، وستبقى ذكراها خالدة ما حيينا، وسيخلد التاريخ تلك المشاهد العظيمة العميقة بمعانيها والمحفورة داخل قلوبنا المليئة بأصدق المشاعر. فكل لوحةٍ وكلمةٍ وكل شعارٍ قادنا إلى فكرة، ذكرنا بقصة، أكد لنا مبدأ، رسم ابتسامةً في عيونٍ دامعة على كل من تمعن بتفاصيلها.

ها هم من يطمحون إلى سودان أفضل، أجمل، سودان المستقبل بعيداً عن أيدي كل طائش متجبر، ها هي أحلامنا لُونت لتصبح رمزاً وذكرى لكل جيل، ها هم صانعو الثورة بألوان الحياة.

أيمن (اقتصادي):

الرسومات كانت جميلة ومعبرة تزين الجدران وأسفل الكوبري، واعتقد أن ما لفت نظري فعلا هو وجود النساء والأطفال بتعبيرات مختلفة في الرسومات وكانت كلها تضعك أمام مرحلة جديدة كنا متأكدين من بلوغها. كانت هناك، أيضا، رسومات من المناطق المهمشة تبرز بعض مشاهد المجازر للتذكير بتلك التي ارتكبها النظام في تلك المناطق.

هند ش. ب.(طالبة):

ذُهلت أمام تلك الجدران وأكاد أجزم أن ما فيها من رسومات تنادي تصرخ وتهتف حرية سلام وعدالة، استشعرت صمود هذه الألوان وأنا أهمس لنفسي بما كتب على إحداها “ولدت حراً فعش حراً”. تساءلت حينها كيف يمكن للوحة بكماء أن تواجه صراخ الرصاصة الرعناء؟

لذلك فأن الفن يبقى عدواً للجنجويد وسلاحاً للمناضل.

ولذلك ندرك أن الجداريات ربما تمحى، لكن سيظل تاريخها ماثلاً في شموخ يأبى أن يزال.

هذه الجداريات ناضلت في صف واحد مع الشعب. كانت تدعو للمساواة، آمنت بالثورة، وأقسمت ألا حياة تحت ظلال هذا الحكم المستبد. آثرت هذه الجداريات الموت في سبيل الوطن كما الشهداء.

 شيماء ع. ع. (طالبة):

اكتست جميع الجدران في الميدان بالألوان والرسومات والعبارات الثورية. أخذت رسومات الشهداء والرسائل إليهم الحصة الأكبر منها. كما رسم الكثيرون الوطن الحر الذي تمنوه. كانت مشاهدة كل تلك الرسوم تجعلني على ثقة من أن اليوم الذي نرى فيه ذلك الوطن ليس ببعيد. لم يكن الفن ماثلاً على الجدران وحدها وإنما كان حقيقةً تملأ المكان. أذكر إحدى الليالي حينما أذيعت أغنية “أقمار الضواحي” من مايكروفونات المنصة الرئيسيّة وبدأت الجموع تغني معاً بينما كانت أضواء الهواتف تملأ المكان. تلك كانت حقيقة وأننا استطعنا بشكل جماعي الوصول إلى هذه اللحظة وإلى هذا الاحساس. وكانت السعادة على وجوه الجميع وحدها كافية لجعلي أصر على مواصلة المسيرة حتى النهاية.

إيهاب (رجل أعمال):

منذ الأيام الأولى للاعتصام بدأت تظهر نشاطات الفنانين تعبيرا عن واقع الحال الجديد وتألقوا في تعبيرهم عن دواخلهم وكل مستجد فكانت جداريات الأيام الأولي في مبنى أخضر مقابل لبوابة المشاة وخلف مبنى محطة الكهرباء (استخدم لاحقا كعيادة) تعبر عن الشهداء، وهناك عدد من رسومات لضباط القوات المسلحة، أمثال حامد ومحمد صديق، من الذين وقفوا مع الثوار؛ ثم توسعت المساحات ليصير الجانب الشمالي بأكمله جداريات وامتدت اللوحات إلى الاسفلت، وكان الحجر حاضرا في لوحات وكتابات جميلة، كما لا ننسى النفق الشمالي في اتجاه جامعة الخرطوم حيث كتب على كل حجر اسم أحد مجرمي النظام السابق وكنت أقف متأملا لعدد هؤلاء الشياطين. وفي النفق الآخر كنت حاضراً أثناء كتابة عبارة (حكومة مدنيّة).

ونختتم بما قاله محمد العباس (مغترب في زيارة للسودان):

“ذهبت إلى هناك ذات مساء. كان تركيزي على بعض المنصات وما يقال عليها. ولأن الإضاءة لم تكن قويّة حاولت ان أُركز على الكلمات والخطب والشعارات، وبالذات من دارفور وجبال النوبة. دمعت عيناي لذلك القدر من التسامح والسمو فوق الجراح، والاستعداد الصادق لبناء سودان جديد.”

وأضاف “خرجت فرحا وحزيناً. فقد كان هناك شيء في أعماقي يقول لي أن العقول المتكلّسة والأنفس الشرهة والضمائر الخربة لن تسمح لهذا الحلم الجميل ان يتحوّل إلى واقع معاش إلاّ بعد تضحيات ومسيرة طويلة.”

(نقلا عن صحيفة القدس العربي)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى