أعمدة ومقالات

 الحل المدني الديمقراطي

 نورالدين مدني
كلما تدلهم الأحداث في السودان أتذكر سؤال الصحافي الهرم من “الاهرام” المصرية محمد حسنين هيكل عليه رحمة الله، الذي طرحه عقب نجاح ثورة الحادي والعشرين من اكتوبر1964م”ثم ماذا بعد؟” لأنه سؤال معبر عن حيرة المتابع لمجريات الأحداث في السودان حتى الان.
أكتب هذا وسط أجواء الغموض  الذي يسود الساحة السودانية عقب إنتصار الإرادة الشعبية في أبريل من هذا العام بعد الملاحم الثورية التي تصاعدت طوال فترة حكومات الإنقاذ المتعاقبة إلى أن توجت في ملحمة ديسمبر/ابريل  في مشاهد ومواقف مجتمعية في مقر الإعتصام  أبهرت العالم بتفردها السلمي والإنساني و أعادت لأهل السودان سماحتهم الأصيلة.
لن أرجع بكم إلى تفاصيل ما حدث لأن ذلك معروف ومسجل في ذاكرة العالم الذي تابع تداعيات الأحداث منذ أن أزاح المجلس العسكري الرئيس السابق عمر البشير وإستولىعلى السلطة وحتى الان.
لن أتحدث عن المشاعر المتضاربة التي لم يسلم منها أي مواطن سوداني في الداخل والخارج ولا المتابعين للشأن السوداني في العالم، مابين التشاؤم والتفاؤل وسط موجات الشد والجذب والتشاكس والإتفاق بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير.. إنما سأحاول قراءة المتوقع رغم أجواء الغموض السائدة.
الملاحظ أنه منذ إزاحة الرئيس السابق عن السلطة وطوال مراحل التفاوض بين المجلس وقوى الحرية والتغيير ظهرت تحركات مريبة تستهدف عرقلة تحقيق الإتفاق المنشود الذي يخرج السودان إلى بر الامان بقيام الحكومة المدنية الديمقراطية التي تحقق تطلعات الشعب السوداني في السلام والديمقراطية والعدالة الإقتصادية والإجتماعية والحياة الحرة الكريمة للمواطنين بعيداً عن كل أنماط التسلط والقهر والوصاية.
وسط تلك التحركات المريبة ظل المجلس العسكري يعلن بين فينة وأخرى عن محاولة إنقلابية لم يتضح حتى الان  طبيعتها  ولا الذين قاموا بها، إلا أنها – إذا صحت –   تشير إلى وجود حالة من عدم الرضا وسط القوات السلحة والقوات النظامية الأخرى نتيجة إستمرار الفشل في الوصول إلى إتفاق وإستمرارالأوضاع السياسية والإقتصادية والإنتاجية والخدمية والأمنية السابقة بكل أزماتها بل  وتفاقمهاأكثر.
ظلت جماهير الشعب الثائرة منذ إندلاع المظاهرات في ديسمبر من العام الماضي وحتى الان تؤكد تمسكها بالحل المدني الديمقراطي ورفضها للحكم العسكري، دون أن يعني ذلك إقصاء القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى اللازمة لحماية أمن وسلام الوطن والمواطنين كل في مجال تخصصها المهني كما هو حادث في كل الأنظمة الديمقراطية في العالم.
مرة أخرى لابد من التأكيد بأنه لامفر من الإتفاق على  دفع مستحقات المرحلة الإنتقالية لأن الاوضاع المتأزمة والمتفاقمة لاتحتمل الفراغ  الدستوري والتفيذي، ولابد إستعجال تسليم السلطة للحكومة المدنية على هدي ماتم الإتفاق عليه بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير  للإنتقال عملياً إلى نظام الحكم  السياسي المدني الديمقراطي  الذي يهئ السودان لإسترداد عافيته الديمقراطية والإنسانية في وطن يسع الجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى