أعمدة ومقالاتاخبار مستمرة

رشا عوض تكتب: كيفية العودة إلى منصة التأسيس الثوري

رشا عوض

السودان في هذه اللحظة التاريخية يرزح تحت وطأة “مركز ثقل التركة الإسلاموية الخبيثة” في الحكم الذي امتد لثلاثين عاما، ومركز الثقل هذا تمثله حالة “فقدان المناعة الوطنية” المفروضة على البلاد الآن والتي تتناقض مع طبيعة الشعب السوداني الثائر، وأعني بها تحديدا حجم الاختراق الإقليمي للدولة السودانية عبر الأجهزة الأمنية والمليشيات التي صنعت على أعين ذلك النظام اللعين(انقلاب الإنقاذ).

ولأن التنظيم الإسلاموي بطبيعته لا يقيم وزنا للانتماء الوطني، ولأنه حكم باستبداد غليظ وسلطات مطلقة تضخمت فيها الأجهزة الأمنية حتى أصبحت دولة داخل الدولة، وقد نشأت هذه الأجهزة  في مناخ السلطة المطلقة و انعدام الشفافية والمساءلة أمام الشعب، وبعيدا عن قواعد الضبط والربط المتعارف عليها حتى في الأنظمة القمعية ففسدت و اشتعل فيها صراع السلطة والثروة والمصالح العاري تماما، ليس فقط من الغطاء الآيدولوجي التقليدي،بل حتى من الأعراف  الأخلاقية لرجال العصابات، وهي أعراف ضرورية لتماسك العصابة نفسها وتحصينها من الأعداء، هذا العري الأخلاقي جعل نفرا من قادة هذه الأجهزة يتحولون  إلى سماسرة سياسيين عابرين للحدود! وإلى عملاء  يعرضون بضاعتهم لمن يدفع أكثر(البضاعة هي نحن! هي وطننا بموارده وقراره وسيادته ومصالحه)! وهذا ما يفسر اعتماد  “المجلس العسكري” على ذات الأجهزة الأمنية والعسكرية والاعلامية والنقابية الكيزانية(الإسلاموية) في مشروعه الانقلابي الذي رأينا له مشاهد كثيفة طيلة الشهرين الماضيين وكلها كانت صناعة إنقاذية خالصة!

فهذا المجلس الذي يسيطر عليه محمد حمدان دقلو(حميدتي) والمرتبط عضويا بالأمارات والسعودية ومصر لم يجد حاضنة سياسية واجتماعية إلا في فلول النظام الإسلاموي ومن العناصر الأكثر فسادا وانتهازية وفجورا في النفاق والعداء للشعب السوداني، والمراقب من الخارج يندهش من ان يكون “إسلامويون” هم أدوات تنفيذ انقلاب موال للمحور الإقليمي المعادي “للإسلام السياسي” ممثلا في جماعة الأخوان المسلمين! ولكن إذا عرف السبب بطل العجب!   والسبب باختصار هو أن تلك الأجهزة الأمنية الإسلاموية  التي كانت عبر أبواقها الإعلامية توزع صكوك الوطنية بيد واتهامات العمالة والارتزاق باليد الأخرى على المعارضين  هي الآن مقسمة ومبعثرة في مزادات المحاور الإقليمية، وهي أكبر “مخلب قط” لأكبر وأخطر تدخل خارجي في الشأن الوطني عرفه الشعب السوداني في تاريخه!

ما العمل؟ إجابتي هي : العودة إلى منصة التأسيس الثوري، ولكن هل من مقتضيات هذه العودة اختزال الأزمة السودانية في صراع المحاور(الامارات، السعودية، مصر)  في مقابل (قطر، تركيا، إيران)؟

بالتأكيد لا! هذا لم يكن المقصد من المقدمة أعلاه، ولكن  كان لا بد منها لمعرفة حقيقة السياق الموضوعي للصراع السياسي السوداني في هذه اللحظة التاريخية الحرجة، والتي يشكل البعد الإقليمي والدولي فيها  أحد العناصر ذات التأثير المباشر والقوي جدا، فحتى الاتفاق السياسي الأخير بين”المجلس العسكري” و”قوى الحرية والتغيير”   يعزز هذه الفرضية، لأن الاتفاق نفسه  ما كان ممكنا لولا الضغط الأمريكي المباشر على السعودية والإمارات،  وإقناعهما بدعم الحل التفاوضي بدلا من دعم المجلس العسكري في مخططه المعلن لتشكيل حكومة تصريف أعمال ثم إقامة انتخابات عجولة  خلال عام تحسم لصالحه طبعا بواسطة “المال الفاسد المُفسد” و”الخبرة الكيزانية التراكمية في التزوير”، وبالفعل كشفت صحف محلية واجنبية عن   ان عودة “المجلس العسكري” و”قوى الحرية والتغيير” الى التفاوض تمت بعد اجتماع سري بين الطرفين في منزل رجل أعمال سوداني  في الخرطوم قبل ايام قليلة من اتفاق 5 يوليو، اجتماع دعا له سفراء الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية والإمارات.

ما زال هذا الاتفاق مهددا بالانهيار من عدة جهات: الثورة المضادة ممثلة في الإسلامويين أصحاب المشاريع الانقلابية في الجيش، هؤلاء يريدون استمرار حالة الفراغ السياسي والدستوري وزيادة الاحتقان والغضب الشعبي التي تمهد الطريق لقبول الانقلاب(الذي سينتحل أيضا صفة الانحياز للثورة رغم جوهره الإسلاموي)، ولتحقيق ذلك سوف تشتغل أذرع الإسلامويين داخل “المجلس العسكري” نفسه لنسف اي إمكانية للاتفاق عبر تفريغ الوثيقة الدستورية من محتواها بما يجعل التوقيع عليها من “الحرية والتغيير” مستحيلا، والجهة الأخرى التي تهدد الاتفاق هي أطماع ومخاوف حميدتي التي تدفعه للسير في الاتجاه الذي سيقوده إلى حتفه في النهاية! أي اتجاه تفصيل الاتفاق على احتكار المجلس السيادي لأهم وأخطر السلطات التشريعية والتنفيذية ووضع مجلس الوزراء تحت وصاية المجلس السيادي، وقد ظهر هذا جليا من إرجاء تشكيل المجلس التشريعي لثلاثة أشهر، والآن تقول التسريبات بأنه المجلس العسكري طرح في المفاوضات إرجاؤه الى أجل غير مسمى! وكذلك رشح ان المجلس العسكري طرح ان يكون للمجلس السيادي فيتو على تعيين الوزراء واختيار رئيس القضاء والنائب العام كما طالب بحصانة مطلقة لأعضاء المجلس السيادي طيلة الفترة الانتقالية! وطبعا مثل هذه المطالب يستحيل ان يقبلها الشارع الثائر! ومعناها استحالة التوقيع على الاتفاق ودخول المرحلة الانتقالية!

زيرو إرادة سياسية!

أكبر مهدد للاتفاق هو انعدام الإرادة السياسية للمجلس العسكري في شراكة حقيقية في السلطة، وقبوله بهذا الاتفاق تحت الضغط الأمريكي، ولا شك أن المليونية الظافرة التي خرجت في 30 يونيو 2019 وما أثبتته من صلابة الشعب السوداني كانت قوة الضغط الداخلية التي دفعت في اتجاه فرض تلك  التنازلات المحدودة على المجلس العسكري في ذلك الاتفاق على علاته ، وهذه النقطة تعزز فرضية أن  أوراق اللعبة بيد الشعب السوداني في المقام الأول! وانطلاقا من ذلك فإن العودة إلى منصة التأسيس الثوري تبدأ بالرهان على  الشعب، ولكن القوة والتضحيات الشعبية العظيمة لا بد أن  تجد ما يقابلها من تنظيمات سياسية مصادمة ومقتدرة تنوب عنها في ميدان انتزاع الحقوق والحريات وتأطيرها دستوريا وقانونيا ومؤسسيا، وإدارة المعركة مع خصوم التحول الديمقراطي، ليس بالهتاف، بل بامتلاك المعرفة والخبرات النوعية في مجال  “الانتقال الديمقراطي” الذي أصبح مبحثا من مباحث العلوم السياسية له نظرياته ونماذجه التطبيقية.

أسئلة وأجندة عمل على منصة التأسيس الثوري:

السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح الآن هو لماذا   لم يحصد الشعب السوداني ثمرة تضحياته وبسالاته المذهلة في ثورة ديسمبر 2019 اتفاقا قويا يضمن تأسيس فترة انتقالية مؤهلة للاستجابة لمطالب الثورة والتي لخصها بشكل جيد “إعلان الحرية والتغيير”؟ لماذا لم يكن متاحا للشعب السوداني سوى هذه الاتفاق المتواضع؟

الإجابة باختصار هي أن هناك عيوبا بنيوية في أبرز الكتل السياسية المكونة لتحالف”  الحرية والتغيير”، وهذه العيوب هي في الأساس امتداد للاختلالات الفكرية والسياسية والتنظيمية للأحزاب التي تشكلت منها هذه الكتل، فتحالفات  “نداء السودان” و “قوى الإجماع الوطني” و”التجمع الاتحادي المعارض” دخلت مع “تجمع المهنيين السودانيين” في تحالف “الحرية والتغيير” بنفس عيوبها التقليدية  التي أضعفت فاعليتها في معارضة الإنقاذ، ونتج عن ذلك ضعف الأداء في خوض المعركة مع المجلس العسكري بعد نجاح الثورة، فلم تستثمر قوى “الحرية والتغيير” في تعظيم رأسمالها السياسي عبر تقوية تحالفها، وأهم عناصر القوة هي الوحدة، وهيكلة التحالف في اتجاه إبراز مؤسسة قيادية ناضجة بما يكفي لاتخاذ القرارات وبلورة الموقف التفاوضي واختيار الفريق المؤهل للتفاوض ورفده بما يحتاج من خبرات ومعارف ضرورية لإنجاز مهمته بكفاءة، وبناء قنوات تواصل فعالة لهذا التحالف مع المجتمع المدني والخبراء والمثقفين في مختلف المجالات في اتجاه استخلاص عصارة التجربة والمعرفة الوطنية حول كيفية مواجهة تحديات الانتقال الديمقراطي في البلاد، ومن ضمن هذه التحديات بلورة موقف وطني مسؤول من كل المحاور الإقليمية، يبتعد عن العداء الأعمى، والأجندة الآيدولوجية الضيقة، ويستثمر بذكاء في بناء  علاقات إقليمية متوازنة بوصلتها خدمة المصالح الوطنية  السودانية، ولكن لا بد ان يتسم هذا الموقف بالصرامة ضد أي تبعية مذلة.

ولكن شيئا من كل ذلك لم يحدث على النحو الذي يرقى لمستوى التحدي، بسبب تلك العيوب البنيوية وما ترتب عليها من انعدام الاستثمارات طويلة الأجل في مصادر القوة السياسية: المال ، الإعلام، بناء قدرات الكادر السياسي.

والذي حدث بالفعل هو إهدار وقت طويل واستنزاف طاقة كبيرة في مشاحنات وحرب بيانات رخيصة  ومزايدات ثورية كلامية غير مصحوبة بأفعال ثورية حقيقية، وأهم فعل ثوري كانت تتطلبه هذه المرحلة بإلحاح هو إصلاحات هيكلية حقيقية في قوى “الحرية والتغيير” نفسها تحصنها من آثار الاختراقات الأمنية وارتباك الخطاب السياسي، وضعف القدرات التفاوضية.

مواجهة “قوى الحرية والتغيير” بأخطائها لا تعني تبني موقف عدمي منها، فهذه القوى   لا تخلو تنظيماتها المختلفة من أشخاص وطنيين وثوريين وأكفاء ونزيهين، بل من ضمن مكوناتها أحزاب وتنظيمات محترمة (إلى جانب أخرى كرتونية ومخترقة طبعا)، ولا يعني إنكار دورها في الثورة، فسوف يبقى تحالف “الحرية والتغيير”  الفاعل الرئيس في ضفة الثورة والثوار إلى حين إشعار آخر، وحتى ذلك الحين، لا بد ان تستمع القيادات الجادة في “الحرية والتغيير” إلى الأصدقاء العقلاء الذين يهدونها عيوبها، وهؤلاء الأصدقاء أنفسهم من واجبهم الوطني دعمها ومساندتها في مواجهة العسكر، ولكن هناك حدودا دنيا من الإصلاح إذا لم تنجح فيها “الحرية والتغيير” فسوف تنهار تماما وتخرج من المشهد، وهذا غير مستبعد إذا أخذنا في الاعتبار أن أصابع جهاز الأمن ولا سيما في عهد صلاح قوش فعلت الأفاعيل في اختراق وتخريب الأحزاب والتحالفات المعارضة من القمة إلى القاعدة، لأن منهجية  الإسلامويين في الحكم كانت قائمة على تدمير المنافسين عبر تقسيمهم وإضعافهم وشل قدرتهم على العمل المنظم، والشبكة التي زرعها “الأمن” في مختلف تحالفات المعارضة وأحزابها ما زالت تمارس دورها الآن  لصالح الثورة المضادة عبر عرقلة اي مشروع جاد لإعادة بناء قوى التغيير بشكل يؤهلها لخوض معارك المرحلة بكفاءة، وعبر إفساد مناخ العمل المشترك وتسميمه بخطاب التخوين والتجريم و بالمزايدات والهتافية المنطلقة من رغبات تتحسس ذاتها دون ان تتعقل الشروط الموضوعية لتحقيقها.

مشروع وطني جديد!

في عدد من المقالات التي نشرتها في الأعوام الماضية، ناقشت  عددا من الأسئلة التي ما زالت تطرحها بقوة  مآلات التجربة السياسية السودانية، ومن خلال ذلك النقاش تبلورت لدي استنتاجات وخلاصات حول  تجربة “الإسلام السياسي” البائسة في الحكم، وحول تجارب الأحزاب في فترات الحكم الديمقراطي، وكذلك حول تجربة الحركات المسلحة، وكانت الخلاصة الرئيسة هي أن السودان لكي ينهض يحتاج لمشروع وطني جديد، ديمقراطي حديث، ويتسم بموقف نقدي من مجمل التجربة السياسية لسودان ما بعد الاستقلال ولا سيما ما انطوت عليه من استبداد وعنصرية وانتهاكات لحقوق الإنسان وإهمال للتنمية خصوصا في الريف،وأن هذا المشروع وحده القادر   على بناء وقيادة  “الكتلة التاريخية” المؤهلة فعلا  لهزيمة “مشروع الإنقاذ الاستبدادي الفاسد والعنصري” (الذي ما زال موجودا رغم سقوط البشير)،  والعبور بالبلاد إلى بر السلام العادل، والديمقراطية المستدامة، وتأسيس الوحدة الوطنية على معالجة جذرية لقضية التهميش في إطار رؤية ذات أفق اقتصادي اجتماعي تنموي مرتبط عضويا بقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان،  رؤية متجاوزة لمنهج الفرز العرقي والجهوي وفي ذات الوقت لديها موقف صارم ضد العنصرية وبرامج جادة لاستئصالها.

“الكتلة التاريخية” الآن وغدا!

فكرة”الكتلة التاريخية” مستلفة من الفيلسوف والمفكر الماركسي والمناضل السياسي أنطونيو قرامشي(1891-1937) وقد طرحها في سياق كيفية مواجهة الفاشية في إيطاليا المنقسمة الى شمال متقدم وجنوب متخلف  عبر  كتلة تاريخية تشمل قوى التغيير في الشمال من ماركسيين وشيوعيين ولبراليين والقوى المهيمنة على الجنوب بما فيها الكنيسة.

وظلت فكرة غرامشي هذه مصدر إلهام  للمفكرين والسياسيين  حيثما  وجد تحدي العبور إلى مرحلة تاريخية جديدة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، في ظل انقسامات حادة وتحديات كبيرة، ومن بين هؤلاء مفكرون وسياسيون سودانيون من مختلف التوجهات، فعلى سبيل المثال لا الحصر،  يرى الدكتور حيدر إبراهيم علي في كتابه ” الديمقراطية السودانية المفهوم التاريخ الممارسة” أن  مواجهة معضلات الدين والسياسة، الجيش والسلطة، الفشل التنموي والأزمة الاقتصادية،  قضية الوحدة الوطنية والتكامل القومي تتطلب  “برنامجا قوميا تلتف حوله القوى الديمقراطية بقناعة صادقة باعتبارها “كتلة تاريخية” قادرة على تحمل مسؤولياتها الوطنية.

وفي كتابه  “أزمة الحكم في السودان أزمة هيمنة أم هيمنة أزمة؟ ” تساءل الدكتور عطا البطحاني” هل تستعيد القوى الحيوية في المجتمع السوداني المبادرة وتنتطم في كتلة تاريخية توقف تدحرج المجتمع للخلف، وتقود التغيير المنتظر وتدفع بحركة المجتمع بأكمله للأمام؟.

ويرى الدكتور أبكر آدم إسماعيل الذي يستخدم “جدلية المركز والهامش” في قراءة الصراع في السودان أن أحد الحلول للخروج من وضعية الدولة السودانية المأزومة تاريخيا هو “الكتلة التاريخية” القادرة على إجراء تسوية أو “مساومة تاريخية”.

ولكن على مستوى التطبيق العملي فشلت محاولات تكوين “كتلة تاريخية” سودانية ذات جدوى لأسباب مختلفة أهمها سوء الفهم لما تعنيه الفكرة من قبل السياسيين،  واختزالها في مجرد تكوين التحالفات السياسية ابتداء من(التجمع الوطني الديمقراطي الذي تأسس في 21 اكتوبر 1989 م بعد أشهر من انقلاب عمر البشير، مرورا بتحالف قوى الإجماع 2009،  ونداء السودان عام 2014م وصولا إلى قوى الحرية والتغيير يناير 2019)،فكل هذه التحالفات فوقية، ظرفية وتكتيكية وهشة،  ولا تخلو من انتهازية فجة أحيانا، في حين ان فكرة “الكتلة التاريخية”  تعني اصطفافا تاريخيا ” ينبني على المصلحة الموضوعية الواحدة التي تحرك، في العمق ومن العمق، جميع التيارات التي تنجح في جعل أصدائها تتردد بين صفوف الشعب” على حد توصيف محمد عابد الجابري.

السودان وفي ظل التحديات الخطيرة الآن، ممثلة في إنجاز  الانتقال الآمن والديمقراطي للسلطة مع تفادي  مزالق الحرب الأهلية، عبر هندسة فترة انتقالية تنقل البلاد فعلا لا قولا إلى  مرحلة “القابلية للتغيير في اتجاه الديمقراطية” وهي مرحلة حسب ظروف السودان يجب ان تبدأ بتنظيم وتكثيف الضغوط الشعبية على المجلس العسكري لإجباره على القبول بتسليم السلطة لحكومة مدنية ذات صلاحيات حقيقية في تحقيق السلام  وترسيخ الحريات العامة وعلى رأسها حرية التعبير والتنظيم، وفي إجراء الإصلاحات الهيكلية للمنظومة العدلية في البلاد(القضاء ، النيابة العامة، المحكمة العليا، المحكمة الدستورية)، وابتدار  مشروع مدروس لكيفية  الانعتاق من “تركة الإسلام السياسي” ممثلة في الدولة العميقة بشقيها المدني والعسكري، وصولا إلى مرحلة القابلية لإجراء انتخابات حرة ونزيهة  ذات مصداقية تتكرر بصورة دورية باعتبارها الوسيلة الدستورية الوحيدة لتداول السلطة، هذا التحدي الذي تقف أمامه عقبات ومطبات لا حصر لها،  يحتاج بإلحاح إلى “كتلة تاريخية” وفق تعريف الجابري أعلاه،  تتشكل على منصة”التأسيس الثوري” وفق مشروع وطني أعمدته: الاستنارة الفكرية التي تكرس العقلانية وتهزم التطرف الديني والعنصري،  الديمقراطية المرتبطة عضويا بالتنمية الشاملة  والعدالة الاجتماعية، الوحدة الوطنية على أساس السلام العادل، “كتلة تاريخية”  يكون قوامها من الثوريين والثوريات الذين تفرزهم معارك النضال اليومي في ميادين معركة الشعب السوداني الطويلة والمعقدة في سبيل انتزاع مصيرهم من أيدي العسكر المسيطرين حاليا، ومن تركة نظام الإنقاذ الثقيلة ، وإعادة بناء الوطن، كتلة تاريخية تنجح في تحويل  “فكرة أن التغيير السياسي النوعي في السودان وفق مشروع ديمقراطي تنموي هو ضرورة حياة للوطن” إلى قناعة شعبية،  ثم تحويل هذه القناعة  إلى ثقافة سياسية عامة في المجتمعات السودانية على مستوى قاعدي، وتجذيرها في وعي القوى التقدمية الحية في المجتمع بحيث تكون مصدرا لإلهام الفنانين والأدباء والكتاب وليس فقط السياسيين. “كتلة تاريخية” تفتح صفحة جديدة في تاريخ العمل الوطني المشترك العابر للأعراق والأديان والجهات.

“الكتلة التاريخية” بهذا التوصيف هي ما نحتاجه إذا نجحت الثورة المضادة في إفشال “الترتيبات الانتقالية” ووجد الشعب السوداني نفسه أمام تحدي إنجاز “الموجة الثانية” من الثورة ضد “انقلاب حميدتي” أو “انقلاب الاسلامويين المحتمل”!

وهي ما نحتاجه لاستنهاض الشعور القومي والاستقلال الوطني ضد مشاريع تدجين الحركة السياسية في البلاد وتحويل الوطن  إلى ضيعة تدار إقليميا عبر وكلاء محليين!

وهي ما نحتاجه في خوض معارك “الانتقال الديمقراطي” لو نجحنا في انتزاع حكومة مدنية انتقالية!

وهي ما نحتاجه في  خوض معركة الانتخابات ابتداء من قانونها ونظامها وصولا إلى إنجاح إجرائها وتحقيق مكاسب فيها!

وهي ما نحتاجه الآن لحصار المجلس العسكري داخليا وخارجيا حتى يذعن لحقيقة ان لا مجال لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء وليس أمامه إلا طريق الاستجابة الحقيقية لمطالب الثورة والضغط عليه لانتزاع أكبر قدر من المكاسب لصالح الانتقال المدني الديمقراطي!

وهي ما نحتاجه للم شتات الوطن لو حدث السناريو الأسوأ ووقعت الواقعة: الصراع المسلح على السلطة بين حميدتي والإسلامويين الانقلابيين!

ولكن للأسف هذه “الكتلة التاريخية” غير موجودة الآن رغم أنها صمام أمان سياسي مطلوب في ظل كل الخيارات والاحتمالات، وإن كانت العناصر الصالحة لبنائها مبعثرة بين التيارات السياسية والفكرية المختلفة، والروح الوطنية المطلوبة لنجاحها مبثوثة في أوساط شباب وشابات الثورة ببسالاتهم وتضحياتهم، وفي أوساط الشعب السوداني من كل الانتماءات والأعمار بعد ان غشيته رياح ثورة ديسمبر المجيدة التي هزمت اليأس ورفعت الهمم وكشفت المكنون من المآثر والفضائل، وهذا يعظم الأمل بمولدها قريبا.

معضلة الاتفاق بين”العسكري” و”الحرية والتغيير”

الحقيقة التي يجب وضعها نصب الأعين هي أن هذا الاتفاق هش، واحتمالات انهياره واردة حتى قبل أن يبدأ  بفعل الثورة المضادة،   ولكن في حالة نجاحه والشروع العملي في تنفيذه فإن الموقف الثوري الحقيقي من وجهة نظري ليس تصويب اللعنات إليه  والشروع في توزيع صكوك الوطنية والثورية أو اتهامات الخيانة وبيع دماء الشهداء تبعا للموقف منه معارضة أو تأييدا، فتنقسم قوى الثورة وتستنزف  طاقاتها في المزايدات على أساس ان الثورية تقتضي  رفض التفاوض مطلقا والمطالبة بإسقاط المجلس العسكري أسوة بالبشير، فهذا الخيار لن يتحقق بالمظاهرات أو الاعتصامات والعصيان الشامل فقط، بل يتطلب وجود قوة عسكرية قادرة على انتزاع السلطة من المجلس العسكري  تنحاز للثوار، وبعد ذلك سندخل مجددا في دوامة التفاوض مع عسكر جدد ، ولأن التيار المدني الديمقراطي لا يمتلك جيشا ثوريا، أو يسانده ضباط نافذون داخل الجيش فمن المرجح أن يكون هؤلاء العسكر الجدد إسلامويين من جناح “النظام الخالف”داخل الجيش مدعومين من محور قطر، تركيا، إيران ، (النظام الخالف هو أحد مصطلحات الدكتور حسن الترابي في وصف النظام الإسلاموي الجديد الذي كان يخطط له بعد توحيد التيارين السياسيين الرئيسين للإسلامويين  بعد انقسام التنظيم  عام 1999 إلى مؤتمر وطني بقيادة البشير ومؤتمر شعبي بقيادة الترابي)،   وأكبر مشكلة في مثل هذا الخيار هي انه سيقود إلى صدام مسلح بين الانقلابيين الجدد والدعم السريع يمكن ان يؤدي إلى انزلاق نحو حرب أهلية شاملة.

ولذلك يجب النظر إلى الاتفاق بواقعية حذرة  تدرك أنه  مساومة أو تسوية في ظل توازن قوى معين ،  يمكن التعامل معها إن نجحت  كمساحة محدودة محررة من قبضة العسكر تصلح أن تكون منطلقا لخوض معارك الفترة الانتقالية الصعبة، ولكن بشرط ان يتراجع المجلس العسكري عن “انقلابه” على روح وأهداف الاتفاق السياسي ، وان يقبل بالوثيقة الدستورية التي تصلح لتدشين مرحلة سياسية جديدة، وبشرط   ان تختار “قوى الحرية والتغيير” لكل من مجلس السيادة ومجلس الوزراء شخصيات قوية ومصادمة وعصية على الترغيب أو الترهيب، شخصيات مؤهلة فنيا واخلاقيا لخوض المعارك المفصلية في التحول الديمقراطي، ولكن المعضلة الحقيقية هي أن التوقيع على الاتفاق يبدوا عصيا، وحتى ان تم بفعل استئناف الضغوط الدولية ، فهو  لا يحث على الاسترخاء السياسي والتفاؤل، فالمشروع الانقلابي لحميدتي ما زال حيا ، صحيح الضغوط الدولية عطلته عبر هذا الاتفاق، ولكن مؤكد ان الخطة باء لحميدتي ستكون محاولة الالتفاف على الاتفاق عبر عدة وسائل، منها الثغرات الكامنة في  الاتفاق نفسه، وعبر تقسيم وإضعاف قوى “الحرية والتغيير” عبر تفعيل “الغواصات الأمنية”، وعبر استغلال الرئاسة العسكرية للمجلس السيادي في الفترة الأولى من عمر المرحلة الانتقالية في تعويق الإصلاحات الضرورية لتكريس الحريات العامة وضمان حرية ونزاهة الانتخابات في نهاية الفترة الانتقالية.

وأهم ضمانة لأن ينجح الاتفاق بمعيار مطالب الثورة هي أن تتشكل جبهات لممارسة الضغط الشعبي المنظم والمستمر ومواجهة أي انحراف عن مسار التحول الديمقراطي بشتى وسائل المقاومة السلمية، حراسة الشعب لثورته لا بد ان تكون دائمة ومتحسبة لكل الاحتمالات.

رشا عوض تكتب: بعد انقلاب حميدتي.. لا حل سوى العودة الى منصة التأسيس “الثوري”

rashahe71@hotmail.com

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى