تقارير وتحقيقات

السودان : هل سيكون استثناءً من الربيع العربي؟

التغيير/ DW: – بعد طول انتظار، توصل أخيرا طرفا الصراع في السودان إلى اتفاق أخرج المواطنين إلى الشارع هذه المرة للاحتفال وليس للتظاهر. فهل يكون الإعلان الدستوري فعلا بداية الحل أم أن الاحتفال سابق لأوانه؟

تقدم جديد في السودان تحقق بعدما وقع طرفا النزاع، بالأحرف الاولى، على وثيقة الإعلان الدستوري. خطوة طال انتظارها في السودان وكان يستبعد البعض حدوثها بسبب بعض الخلافات العميقة بين المجلس العسكري الحاكم وقوى الحرية والتغيير، بالإضافة إلى الأحداث الدموية التي شهدتها البلاد في الآونة الأخيرة وأبرزها مقتل متظاهرين ضمنهم طلاب في مظاهرات في مدينة الأوبيض تورط فيها عناصر من قوات الدعم السريع ذات النفوذ الكبير في البلاد. ورغم الخلافات والقتل وحالة التشكيك بنوايا العكسر حصل الاتفاق وخرج السودانيون إلى الشوارع احتفالا بهذا الاتفاق. فهل يكون فعلا بداية حل الأزمة، أم أنه مجرد حبر على ورق والاحتفال به سابق لأوانه؟

“انتصار للشعب السوداني”

يفترض أن يمهد الإعلان الدستوري، الذي تأجل البت فيه أكثر من مرة، لحكومة مدنية وبرلمان انتقالي في السودان وقد وُقع عليه بالأحرف الأولى في انتظار إقراره بشكل نهائي رسميا في 17 من الشهر الجاري بحضور زعماء أجانب. ويتطرق الإعلان إلى هياكل الحكم الثلاثة وهي: مجلس الوزراء، والمجلس السيادي الذي سيضم 5 مدنيين و5 عسكريين على أن يتم التوافق لاحقا حول الشخصية رقم 11 في المجلس، بالإضافة إلى المجلس التشريعي الذي يضم 300 عضو وخصص لقوى الحرية والتغيير 67 بالمائة من مقاعده. ويقول عثمان ميرغني الصحفي السوداني ورئيس تحرير صحيفة التيار في تصريحات لـDWعربية إن الاتفاق “انتصار للشعب السوداني، أما الخاسر فهو “الثورة المضادة” التي ربما تحاول عرقلة تنفيذ الاتفاق قبل دخوله حيز التنفيذ” ويقصد الصحافي السوداني بـ”الثورة المضادة” رموز النظام السابق.

أنيته فيبر، الخبيرة من مؤسسة العلوم والسياسة في برلين، تقول في تصريحات لـDW إن سيادة القانون وقطاع الأمن والاقتصاد هي القضايا الأكثر إلحاحا في السودان الآن. وتركز الخبيرة الألمانية على نقطة الاختلافات الموجودة بين أطراف الصراع وداخلها كشرط محدد لنجاح أي انتقال سلمي للسلطة في السودان. وتقول في هذا السياق “حتى داخل الحركة الاحتجاجية نفسها هناك مجموعات مختلفة للغاية تمتد من الحزب الشيوعي مرورا بالنقابات إلى الحركات الإسلامية”. هذه الأطياف اتحدت ضد الدكتاتور وجمعتها العلاقة المتوترة مع المجلس العسكري. الآن ستطرح هذه الاختلافات تحديات ويجب على هذه الأطراف أن تنجح في إيصال تصوراتها إلى المفاوضات، كما تقول الخبيرة الألمانية.

 

وتُعقد آمال كبيرة على هذا الاتفاق، الذي حظي بترحيب دول عربية وجهات شاركت في الوساطة بين طرفي الصراع. لكن الاتفاق وُوجه أيضا بتحفظات وانتقادات من طرف بعض الأصوات المعارضة داخل السودان.  بعد شهور من المظاهرات شهدت أحداثا دامية وتصعيدا أكثر من مرة، السودانيون يتوصلون إلى اتفاق حول الإعلان الدستوري

 

إشكالية قوات الدعم السريع

 

ولعل أبرز تحفظ يتمثل في قوات الدعم السريع. هذه القوات التي تحظى بنفوذ كبير على الأرض في السودان والمتهمة بالتورط في حوادث قتل محتجين خلال مظاهرات، آخرها مظاهرة الأوبيض التي اضطر، على ما يبدو، المجلس العسكري لاتهام عناصر من قوات الدعم السريع بالتورط فيها، وذلك تحت ضغط الشارع وتوثيق عملية القتل بفيديوهات. هذا بينما كان يكرر المجلس في كل المرة إلقاء المسؤولية على مندسين عندما يحصل عنف وقتل في المظاهرات.

قائد هذه القوات ليس سوى محمد حمدان دقلو المعروف بـ”حميدتي” وهو الذي وقع باسم المجلس العسكري الاتفاق على الإعلان الدستوري. “حميدتي” ينظر إليه أيضا على أنه الرجل الاول في المجلس العسكري وإن كان رسميا يشغل نائب رئيس المجلس. ويرى ميرغني أن هناك بالفعل تحفظات واتهامات موجهة لهذه القوات بارتكاب فظائع وجرائم قبل الثورة وبعدها، و”هذا كله موضوع في الاعتبار، لكن استلام الحكم الكامل مدنيا أمر يتطلب بعض المحاصصة. والمهم الآن هو أن هذا التقدم يسمح بإضفاء المدنية على الحكم وخطوة أمام المدنيين لاستلام الحكم. عندها يمكن العودة إلى هذه التحفظات”.

 

الإعلان الدستوري تطرق لنقطة قوات الدعم السريع في الفصل الخاص بالأجهزة النظامية، وجاء فيه أن “القوات المسلحة وقوات الدعم السريع مؤسسة عسكرية وطنية حامية لوحدة الوطن ولسيادته تتبع للقائد العام للقوات المسلحة وخاضعة للسلطة السيادية”.

هل يكون السودان استثناءا آخر في تجارب الربيع العربي؟

 

أي دور للأطراف الخارجية؟

 

وخارج السودان كان لافتا أن الدول العربية التي سارعت إلى الترحيب بالاتفاق السوداني هي السعودية والإمارات والبحرين ومصر. دول تنضوي تحت تحالف واحد وتنظر إليها فئات من الشارع  السوداني على أنها الداعم الأول للمجلس العسكري الحاكم. يضاف إلى ذلك أن بعض هذه الدول تُتهم بأنها تحارب الثورات التي عرفتها دول عربية. في هذا السياق يقول ميرغني إن الأمر في السودان معكوس فيما يتعلق بهذه النقطة، ويشرح ذلك قائلا: “معظم الثورات التي عرفتها دول في إطار الربيع العربي جاءت بحركات إسلامية إلى الحكم ترى فيها الأنظمة الخليجية خطرا عليها. أما في السودان فأصلا النظام السابق كان بمرجعية إسلامية والدول المذكورة ساهمت بشكل أو بآخر في الإطاحة بالرئيس السابق”. أما فيما يتعلق بتأثير هذه الدول على أي نظام حكم ديمقراطي قد يعرفه السودان في المستقبل، يقول ميرغني إن الأمر يتوقف على الطريقة التي سيدير بها هذا النظام علاقاته الخارجية وخاصة مع هذا التحالف. ويضيف “أعتقد في النهاية أن المصالح المشتركة هي التي يكون لها الفصل في أي علاقات ممكنة بين الدول بغض النظر عن الاختلافات بين هذه الدول فيما يخص طبيعة أنظمتها”.

 

من جانبها ترى أنيته فيبر انه إذا استمرت نفس الهياكل والسياسات في السودان فسيستمر البلد في الاعتماد على دول الخليج فيما يخص التمويل ما يعني تبعية كبيرة. أما إذا اتجهت الأمور فعلا خلال السنوات المقبلة نحو تغيير اقتصادي وانتقال للديمقراطية فلن تبقى دول الخليج أهم شريك. كما تعتقد الخبيرة الألمانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى