أعمدة ومقالات

أيّ ودّ سيفسد بين حمدوك وحميدتي؟

صبحي حديدي

كانت لفتة حميدة، ومبشرة بالخير من حيث المبدأ، أن يشدد رئيس الحكومة السودانية الانتقالية عبد الله حمدوك على محورين، بين مسائل أخرى حساسة أشار إليها في مؤتمره الصحافي قبيل إعلان أسماء وزرائه. الأوّل هو أنّ “قوى الحرّية والتغيير” هي التي اقترحت ترشيحه للمنصب، بالفعل، ولكنه بعد أداء القسم الدستورية بات رئيس حكومة كلّ السودانيين؛ والمحور الثاني هو أنّ اختلاف بعض القوى السياسية مع الإعلان الدستوري، أو حتى رفضها له بالكامل، أمر طبيعي في الحياة الديمقراطية المعاصرة، شريطة عدم اقتران هذه الخيارات بالعنف.

غير أنّ حال الافتراق بين الرجل، ومن ورائه مجمل التوافقات التي توصّل إليها المجلس العسكري مع “قوى الحرّية والتغيير”، وأطراف أخرى في المعارضة والمجتمع المدني؛ لا تُختزل عملياً في هذه الصيغة السلسة والناعمة التي تقارب القاعدة المأثورة حول خلاف لا يفسد للودّ قضية، وبالتالي فإنّ السياقات التي تكتنف تشكيل حكومة حمدوك، أو ستكتنفها في الفترة المقبلة، أكثر تعقيداً وتشابكاً. يكفي، في معطى أوّل جوهري، التذكير بأنّ جبهة المعترضين والمختلفين، وهم سيكونون في صفّ المعارضة كما للمرء أن ينتظر، تضمّ الحزب الشيوعي السوداني (الذي كان حمدوك عضواً فيه ذات يوم، في شبابه!)، من جانب أوّل؛ وغالبية الإسلاميين (“الحركة الإسلامية و”المؤتمر الشعبي” و”نصرة الشريعة” بصفة أبرز)، من جانب ثانٍ.

لا يخلو من وجه صواب، إذن، ذلك الإغراء اللفظي الذي يضع حمدوك في موازاة حميدتي، الفريق أوّل محمد حمدان دقلو؛ ليس فقط لأنّ الثاني هو الشخصية الأقوى في المجلس العسكري، ثمّ في المجلس السيادي استطراداً؛ أو، أيضاً، لأنه المعتمد لدى سفارات قوى دولية وإقليمية ذات مصلحة في وضع اليد على الملفّ السوداني، ابتداءً من واشنطن والرياض وليس انتهاءً في بكين والقاهرة، فحسب؛ بل على نحو جوهري لأنه قائد “قوّات الدعم السريع” التي بادرت إلى البطش بالانتفاضة الشعبية، وتظلّ الخطر الأكبر على مسير السودان نحو التغيير الديمقراطي، والترسانة الكبرى في إشعال الثورة المضادة.

وهكذا فإنّ الودّ الذي يمكن أن يفسد بين حمدوك وحميدتي هو الأهمّ والأخطر، لأنه ببساطة لن يكون افتراقاً حول خطط الاقتصاد والعدالة الاجتماعية والحذر من إعادة إنتاج نظام البشير تحت أقنعة أخرى (كما يساجل الشيوعيون)، أو الانقلاب في كثير وليس في قليل على ما توصلت إليه الحركة الإسلامية في المستوى الإيديولوجي وأحكام الشريعة خلال عقود حكم عمر حسن البشير (كما يقول الإسلاميون). ما ستنقلب إليه المواجهة بين حمدوك وحمديتي لن يكون أقلّ من صحوة الدولة العميقة، العريقة المتقرنة المتجذرة؛ ضدّ دولة المؤسسات الوليدة، الجنينية والهشة والمحاطة بالأخطار.

وإلى جانب التحديات الكبرى التي تواجهها الحكومة في انتشال الاقتصاد من مشكلاته البنيوية المستعصية، و”خطة مارشال” التي يلوّح حمدوك بأنّ السودان يحتاج إليها للوقوف مجدداً على قدميه، وسيولة المليارات الثمانية التي يعتبر رئيس الحكومة/ الخبير الاقتصادي المحنك أنها لزوم ما يلزم في الحدود الدنيا، ومعالجة القضايا المعلقة حول الولاة والجنوب وحركات التمرد والعصيان هنا وهناك… إلى جانب هذا كلّه، وسواه كثير، سوف تكون الاستحقاقات الدستورية المقبلة، وعلى رأسها تشكيل المجلس التشريعي، بمثابة مختبر مفتوح على مصراعيه، لإبقاء الودّ بين البروفيسور حمدوك والفريق أوّل حميدتي مرهوناً بميزان الذهب؛ أو انهياره ساعة تختلّ الكفّة وينقلب الودّ إلى خصومة وضغينة وعداء.

وتاريخ السودان الحديث، ضمن نطاق حصّة العسكر فيه على وجه التحديد، ليس غريباً عن انكسار الأحلام واندحار الآمال؛ وأياً كانت طبائع الفوارق بين الطور الراهن وتجربتَيْ 1964 و1985، فإنّ الشواهد وفيرة وكثيرة على ما يكمن طيّ النجاح من إخفاق، وكيف يمكن أن ينتهي الاتفاق إلى نزاع، وأن تنقضّ الضواري على الفريسة الأولى: الشعب السوداني ذاته!

(نقلا عن صحيفة القدس العربي)

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى