أعمدة ومقالات

فرز كيمان… الموقف من الحكومة

عصام جبر الله
بين نقد و اصلاح الحكومة المدنية و الدفاع عن وجودها و بين الدفاع عن الثورة و شعاراتها و مبادئ إعلان الحرية و التغيير و استمرارها و اعادة تنظيم و ترتيب حوش الثورة الكبير.

نحن الآن في مأزق حقيقي، لا يمكن انكاره و تجاهل وجوده او التقليل منه، يحتاج لانتباه عالي و يقظة و حساسية تجاه كل ما يدور في واقع هش تتحرك فيه قوي و دوائر محلية و اقليمية باجنده متباينة بعضها معادي بشكل سافر لحقوق و مصالح السودان و شعبه.
المأزق هو أن هناك حكومة أمر واقع يفترض أنها تمثل الثورة تم اختيارها بطريقة معيبة من قبل قوى يفترض ايضا انها جزء من الثورة، الحكومة تاسست على وثيقة مليئة بالعيوب و الثقوب تتضح كل يوم اكثر فأكثر هذه العيوب (نتجاوز لاجل النقاش سؤال أين الوثيقة و ماهي صياغاتها الاخيرة) ، الوثيقة فرضت واقع قائم يميل فيه التوازن بشكل سافر لصالح المجلس العسكري/اللجنة الامنية و اصبحت بموجبها الاجهزة العسكرية كالجيش و الامن و الدعم السريع و المؤسسات و الاستثمارات و الشركات التابعة لها قلاع حصينة في وجه الاصلاح و التغيير، بل واصلت دورها كأنها الدوله الفعلية ، ده غير كل الوجود الكبير للانقاذ و عناصرها داخل جهاز الدولة المدني.
تنفيذ برنامج الاصلاح الثوري كان في حوجة لوجود حكومة قوية ببرنامج واضح و بقاعدة شعبية و سياسية واسعه تسندها، للاسف ده ما حصل لقصر نظر بعض من احتكرو الامر و للتآمر المكشوف من آخرين، بعض القوى السياسية التي فرضت هذا الامر الواقع بتوقيعها على الوثيقة و بفرض طريقة الاختيار المختلة للحكومة تركت كل الامر و تفرغت للتجنيد في لجان الاحياء و في الشخصيات العامة و نجوم الاعلام لانها تفترض أن عمر هذه الحكومه قصير و سيقود الامر لاجراء انتخابات مبكرة بل و صرح زعيم حزبي كبير وقع حزبه على الوثيقة و شارك في اختيار مجلس السيادة و الحكومة انه في حالة فشل الحكومة سيدعون لانتخابات بعد سنة ، قصار النظر هؤلاء تركو مهمة حماية الثورة و الحكومة التي تمثلها بل و بدءوا في التنصل مسبقا عن اي اخطاء قد ترتكبها الحكومه ، حتي لم يطرحو علي انفسهم أسئلة من شاكلة: ما هي الضمانات لقيام انتخابات؟ ماهي الضمانات ان لا يحدث انقلاب حال فشلت او تعثرت الحكومة؟
ماهي الضمانات ان لا يخنق “الشريك” العسكري و عناصر الدولة الموازية الكيزانية حلفاؤه في الحكومة حتى الموت تمهيدا للانقلاب؟
الضمان الوحيد لعدم حدوث انقلاب هو نجاح هذه الحكومة (لا اعني الوزراء في شخصهم بل الحكومة المدنية الانتقالية) في انجاز برنامج اصلاح حقيقي و اكمال مهام الفتره الانتقالية الاساسية على الاقل بما فيها تحقيق السلام و حل الضائقة المعيشية، ده يعني بالضروره من ناحية توفير سند سياسي قوي للحكومة و من ناحية قيام الحكومه بانجاز المهام الملقاه على عاتقها.
الاستخفاف بامكانية حدوث انقلاب عواقبه وخيمة، الشريك العسكري و كفلاؤه قطعا لن يقبلو بقيام نظام حكم مدني ديمقراطي و لن يقبلو بنزع الامتيازات المهولة التي بطرفهم و لن يقبلو الا بشريك مدني ثانوي الدور و السلطات ، الكفلاء و دوائر كثيره تفضل حكم استبدادي صرف مع واجهة محسنة و مقبولة خارجيا، نفس الاستخفاف لا يجب ان يحدث تجاه بقايا الانقاذ من الكيزان المتواجدين في كل مفاصل الدولة مدنيها و عسكريها.

من لا يتعظ تحت اي مبررات من تجربة مجزرة الاعتصام و الغدر اللا إنساني الذي حدث فيها و قبلها مصيره الندامه.

مفهوم و متوقع ان الواقع الجديد بعد توقيع الوثيقة و تكوين الحكومة سيفرز تحالفات سياسية و طبقية جديدة او ان تنتقل قوى سياسية و اجتماعية من موقع الساعي لتغيير قمة السلطة الى الساعي للجلوس في السلطة، دون احداث تغيير حقيقي في حياة الناس.
خطر حقيقي هو أن لا تقوم الحكومة بتنفيذ ما هو متوقع منها بالفعالية المرجوة، و أن ترتبك اولوياتها و تتعثر اما لاشكالات تخص قدرات من هم فيها الادارية و السياسية و التخصصية او للتخريب و التعويق الذي ستواجهه من كل دوائر الثوره المضادة الداخلية و الاقليمية.

لكن أخطر ما يمكن ان يحدث الآن هو تفكك و تبعثر التحالف الشعبي القاعدي الواسع الاتخلق في المدن و المناطق و الشوارع و الاحياء و اماكن العمل و الذي صمد لشهور في وجه كل القمع و التقتيل و التعذيب، القوى و الدوائر المعادية لا تقلقها التحالفات السياسية الحزبية الفوقية ، من الواقع الماثل واضح انها استطاعت اختراقه بوسائل متعددة و ضمنت تأييد اقسام منه، ما يقلقها هو استمرار و تماسك التحالف القاعدي الجماهيري ، في اعتقادي ان هذا احد الدوافع الرئيسة لفض الاعتصام و تنفيذ المجزرة الوحشية: كسر مركز و رمز الوحدة القاعدية الشعبية و نقطة وجودها المادي.
للاسباب اعلاه و غيرها نواجه موقف دقيق للغاية في التعامل مع حكومة الامر الواقع القائمة المكبلة سلفا بالوثيقة الكارثية، لأن مستقبل الديمقراطية بات مرتبطا بنجاحها و قدرتها على تنفيذ برنامج اصلاح و قدرتها على مقاومة الضغوط المهولة التي تواجهها بل و قدرتها علي البقاء متماسكة.
من ناحيه يجب الدفاع عن مجرد الوجود المطلق لحكومة مدنية لان هذا هدف و مطلب و انجاز رئيسي للثورة، الحكم المدني، و من ناحيه اخرى سنجد انفسنا في مواجهة قصور و اخطاء و تنصل لاي سبب عن تنفيذ الاصلاح، كلام الوزير مدني عباس في افتتاح المسلخ هو أحدث مثال علي امكان حدوث ذلك التنصل من برنامج الاصلاح. مثل هذا سيتطلب بالضروره نقد و احتجاج و ضغط للالتزام بالاصلاح،
قطعا النقد لا نعني به النقد الانطباعي المبتسر بل المتعلق بخطط و برامج و اداء الحكومه في القضايا الجوهرية.
صحيح ان للوزراء هامش كبير للتصرف في قطاعاتهم ، لكن يجب ان يتم ذلك في الوجهة العامة التي ثار الشعب مطالبا بها ، و يتطلب ذلك التعجيل باخراج خططهم و تصوراتهم للناس و التوقف كليا غن التصريحات المتفلتة في قضايا هامة و كبيرة.
كذلك اسكات الناس بحجج مثل ادوهم وقت و اصبرو ليهم لا يجدي، من حق الناس المطالبة بالهمة و البت السريع في ما يتصل بحياتهم المباشرة و حياة اسرهم.
في ذات الوقت سيقود الامر للمواجهه مع القوى التي تكرس للواقع الشائه هذا من داخل صفوف المعارضة السابقة و التي تعتقد أن بامكانها استخدامه بالتذاكي و الفهلوة و الخفة السياسية للوصول للسلطة اما عبر انتخابات مبكرة او عبر تحالفات جديده بينها و بين جزء من العساكر و بدعم و تشجيع من القوي الاقليمية.
هذه المهمه المتعددة الاتجاهات و التي تبدو احيانا متعارضة – اي الدفاع عن الحكومه المدنية و عناصر مجلس السيادة المدنيين و نقدهم و ضغطهم في ذات الوقت – تتطلب حوار حقيقي بين المجموعات و الافراد الحريصين علي تنفيذ برنامج الفترة الانتقالية، المقدمات لمثل هذا الحوار غير مبشرة في ظل تصدعات قوى الحرية و التغيير و علامات تفككها و قصر نظر بعض القوي خفيفة العقل الجابت وتد الانتخابات دون ان تفكر في حمار حماية درب الوصول اليها.

غالبا يقود كل ما يحدث الآن نحو اصطفاف سياسي و فكري و طبقي جديد… كل الاحتمالات مفتوحة.

تعليق واحد

  1. الله يرحم والديك في الدنيا والا خرة هذا مقال استرتيجي بالمعني الاكاديمي للاستراتيجية والذي رسب فيه الحزب الذي فكر في الانتخابات المبكرة ويذكرني موقفه بالرجل الارعن الاحمق ويقال انه راكب حمارهومستعجل الوصول وليحث حماره علي السرعة ضربه بالفاس فوقع الحمار ميتا وصار الرحل راجلا ونحن لا نريد ان نكون مثل هذا الا حمق وباختصار هدف الثورة هو تحقيق اهدافها وهي حرية وسلام وعدالة عن طريق حكم مدني ديمقراطي اذن الوسيلة للغايات لا تتم الا عبرنجاح هذه الحكومة علي علاتها فهي الدابة التي توصلنا الغاية او الهدفالاستراتيجي للثورة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق