أعمدة ومقالات

ياسر عرمان يكتب: الثورة والثورة المضادة

شرق السودان من هول الحياة الناس موتى علي قيد الحياة للشرق قضية عادلة يجب ان لا يتلاعب بها .

آن للسودان ان يحل قضاياه بالجملة لا بالقطاعي وعبر منظور شامل فمنذ (36) عاماً حينما كان الدكتور جون قرنق يدلي بالتصريحات ويحاضر ويحارب آتى برؤية باهرة، رؤية السودان الجديد وقال إن مشكلة الجنوب هي مشكلة السودان وإنها أيضاً مشكلة الشرق والغرب والشمال، وهي مشكلة الفقر والتنمية غير المتوازنة والتهميش السياسي والإقتصادي والإجتماعي والثقافي، وهي قضية المواطنة وديمقراطية الثروة والسلطة والثقافة.

غاب قرنق او غُيّب ولكن رؤيته ما تزال هي عملة المدينة الوحيدة القابلة للصرف والتداول والمبرئه للذمة، ذمة المواطنة بلا تمييز.

يشهد شرق السودان هذة الأيام تحركات جماهيرية كبيرة يجب ان تصب في مصلحة الشرق لا مصلحة بعض المتلاعبين بقضايا الجماهير. فقد شارك الشرق بفاعلية في ثورة ديسمبر لا سيما مدنه الكبرى القضارف وبورتسودان وكسلا ،لم يتخلف الشرق كما لم يتخلف يوماً من معارك الوطن منذ حضارات وادي النيل القديمة مروراً بمعارك التيب وتاماي وامير الشرق اطول النخلات في سماء الثورة المهدية عثمان دقنة.

وللشرق قضية لا تختلف عن قضايا النيل الأزرق وجبال النوبة ودارفور، اللهم إلا في طول البندقية ولن تحل قضايا كل أقاليم السودان إلا بإعادة هيكلة الدولة السودانية ولدي بعض الملاحظات اود ان أتبادلها مع كل قوى الثورة، واخص الثوريين من بنات وابناء شرق السودان. أولا: هنالك محاولة لإغراق قضية شرق السودان في صراعات قبلية داخلية بدأت بالبني عامر والنوبة ولن تقف عندهما فهنالك محاولات لجر الهدندوه والبني عامر في صراعات مماثلة، لمصلحة من يحدث ذلك؟ وماهي الجهات التي تقف خلفها؟ وهل سيفيد ذلك قضايا الشرق؟

ثانيا: ثورة ديسمبر قامت لإنصاف السودانيين وأجهزة الحكم الإنتقالي لم تمثل الشرق بإنصاف فكيف يمكننا جميعاً من المساهمة في تسليط الأضواء على قضية إنسان شرق السودان، إن إعلان جوبا قد أعاد قضية الشرق والشمال للواجهة وعلى الوطنيين والثوريين في الشرق الإمساك بقضايا الشرق وان لا تستخدم في تصفية الحسابات بل من اجل بناء شرق جديد وسودان جديد إن الناس في شرق السودان من هول الحياة موتى على قيد الحياة.

ثالثا: هنالك محاولة لإستخدام الإدارة الأهلية في أجندة لا تخدم شرق السودان بل ربما تضر به رابعا: يتأثر شرق السودان بالضرورة بمحيطه الإقليمي القريب والبعيد ولكن قضايا الشرق يجب ان تمضي على خطى الوطنيين الكبار وعلى رأسهم الامير عثمان دقنة والدكتور طه عثمان بلية الذين اخلصوا للشرق والسودان معاً.

خامسا: شعار تقرير المصير حق ديمقراطي ولكن حق تقرير المصير الاثني والجغرافي لن يخدم قضايا الهامش بقدر ما يخدمها النضال من اجل سودان موحد وديمقراطي قائم على المواطنة بلا تمييز وهو جزء من النضال من اجل وحدة افريقيا والذي يستطيع توحيد شرق السودان يستطيع توحيد السودان فالشرق هو سودان مصغر.

* الإنتخابات المبكرة ليست هي الحل 

دعوة الإنتخابات المبكرة المرفوعة على آسنة الثورة من البعض، لن تحل قضايا بلادنا بل هي محاولة للإنقلاب على ثورة ديسمبر وقطع الطريق على إصلاحات الفترة الإنتقالية وإعادة إنتاج النظام القديم وهي لا تشكل حل بل تستعيد معضلة، والحل الحقيقي يكمن في تصفية دولة التمكين وعقد المؤتمر الدستوري والإتفاق على مشروع وطني جديد وإستكمال الثورة وشعاراتها العظيمة في الحرية والسلام والعدالة.

وعلينا ان نمضي في هذا الطريق وهذا يقتضي وحدة قوى الثورة والتغيير وترك الاتهامات المجانية بين قوى الثورة، ولن ينفع بلادنا سوى وحدتنا .

* تمكين الإنقاذ والتمكين التاريخي

هنالك نوعان من التمكين تشهدهما بلادنا، تمكين الانقاذ والتمكين كظاهرة تاريخية شهدتها الدولة السودانية، تمكين الإنقاذ هو أضيق نظرة وأكثر حدة أيديولوجية، وسعى لتمكين قوى سياسية بعينها على مدى ثلاثين عاما وأسقط المعايير المهنية والقانونية والدستورية وأخلاقيات مؤسسات الدولة والحق ضررا بليغاً بقطاعات الاقتصاد والأمن والخدمات والخدمة المدنية وغيرهم. وهو التمكين المباشر الذي يجب تصفية اثارة كأولوية ومطلب من مطالب ثورة ديسمبر، ودون تصفيته لا يمكن تصفية التمكين التاريخي الذي هو اوسع مدى وقام على معايير محاولات تبني مشروع وطني أضيق من الحذاء الذي يمكن للسودان ان يرتديه، وإستبعد جماعات وثقافات مهمة مكونة للسودان وإحدى نتائجه إستبعاد جنوب السودان، وما يزال مستمراً ويقوم على تحيزات إثنية ودينية ضيقة، ويضيق ذرعاً وعنفاً بفكرة المواطنة بلا تمييز، ولن يحل إلا بإعادة هيكلة الدولة السودانية وفق مشروع جديد.

وبالمناسبة فإن التناقضات بين الجبهة الثورية وقوى الحرية والتغيير في بعض جوانبها متعلقة بالإهتمام بتصفية التمكين المباشر وإغفال التاريخي وعلينا التصويب على التمكين المباشر دون إغفال التمكين التاريخي.

* الكرم يرحل حافي القدمين برحيل العم فضل تور الدبه

في غفلة وزحمة الحياة والأحداث ونحن على عجل كأن الريح تحتنا لم يسعني ان اقول وما يجب ان يقال من تقديم واجب العزاء في رحيل عمنا العزيز فضل حسن (تور الدبه) وقد سمعت برحيله مؤخراً، وهو من أعمدة المجتمع وزعماء السياسة في مدينة سنار ومن الأقطاب الكبار للحزب الاتحادي الديمقراطي، وعرف بمواقفه الواضحة والصريحة ضد نظام الإنقاذ.

وقد شهد كل المعارك و الوقائع ضدها ولقد تعرفت عليه في التجمع الوطني الديمقراطي، وإلتقيته ببلدان الجوار وزرته بمنزله اكثر من مرة بمدينة سنار.

وشكري للصديق عمر عثمان الذي أتاح لي الإتصال بأسرته وبإبنه الدكتور حسين لأداء واجب العزاء .

العم فضل تور الدبة (المطر الكبه) كان إنساناً سخياً وكريماً ، م يزره زائر في بيته إلا وقف بنفسه حافي القدمين في خدمته، ولا يأكل إلا اذا شبع ضيوفه، ويفرق بين العلاقات الإجتماعية والسياسية بالصرامة، وكرمة شمل أصدقائه وخصومه على السواء، الامر الذي ادهش اللئام من خصومه قبل ذهابهم الأخير من السلطة.

في عام (٢٠١٠) في إحدى زياراتي لسنار مع نائب رئيس دولة الجنوب الحالي (جميس واني إيقا) وكان معنا اكثر من مائة شخص، دعاني العم فضل تور الدبة لتناول الغداء بمنزله، وحاولت ان اعتذر له لكثرة عدد المرافقين وادرك هو ذلك، وأعلمني ان داره تسع كل من معي وأكثر وقام بخدمتنا حافيا حتى اكرم جميع ضيوفه.

لقد جسد العم تور الدبة معنى الوطنية والكرم والجسارة في مدينة عريقة من مدن الحركة الوطنية ربطتني بها صلة سياسية منذ ان كنت طالبا في الثانوي، واحترمت واحببت قادتها الوطنيين يساراً ويميناً الثابتين على المواقف السياسية، وما تزال ذاكرتي نديه تحفل بأسماء كبار الوطنيين منهم ومنهم من رحل واخرين لم يبدلوا تبديلا، في الذاكرة المهندس زكريا ابو جودة وعيسى احمد ادم حكيم وزوجته جواهر واحمد العبيد وشيخ الخير ود بريمة وابنه تجاني وتجاني موسي عبدالكريم ومحمد احمد الشكري ومحجوب علي محجوب.

وقد رأيت مؤخرا إعلان لندوة في الخرطوم يتحدث فيها النقابي الباسل محجوب كناري ان مدينة سنار هي مدينة الحركة الوطنية والسكة حديد والخزان والسلطنة الزرقاء والنضال ضد الدكتاتوريات.

آلا رحم الله العم فضل تور الدبة واسكنه فسيح جناته فقد كان إنساناً وطنياً وبرحيله رحل الكرم حافي القدمين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق