أعمدة ومقالات

ملاحظات على البرنامج الإقتصادي للفترة الإنتقالية

عبد الإله حسن محمد

 

قام السيد وزير المالية الدكتور إبراهيم البدوي بنشر برنامجه الاقتصادي للفترة الانتقالية في اليوتيوب وكذلك ورقة منشورة باسمه تحت عنوان “حرية، سلام، وعدالة والثورة خيار الشعب، كمرجعية لبرنامج الثورة الاقتصادية” المؤرخ بتاريخ أبريل 2019، وذلك قبل ترشيحه وأختياره كوزير للمالية وهذا نهج حميد يشكر معالي الوزير عليه لأنه أعلن عن برنامجه وفلسفته الاقتصادية مسبقاً قبل تعينه.

 

لا أحد يشك في كفاءة وقدرات معالي الوزير ومواكبته للتطورات الفكرية الحديثة للمدارس الاقتصادية المختلفة، ولكنه بحكم عمله لسنوات طويله مع البنك الدولي تأثر او ينتمي إلي الفكر الاقتصادي للبنك وهو النيوليبرالية (neoliberalism) ويعني تحرير التجارة بين الدول (trade liberalization)، الخصخصة (privatization)، حقوق الملكية (property rights)، الإنضباط المالي (fiscal discipline)، والإنفتاح علي الإستثمار الأجنبي (openness to foreign direct investment) وهي نفس السياسات الاقتصادية التي تبناها وزير المالية السابق في عهد الإنقاذ دكتور عبد الرحيم حمدي وكانت نتائجها كارثيه علي الشعب السوداني و ما زال يعاني منها حتي اليوم.

 

لكن مع مرور الزمن تطورت الليبرالية وبدأت تهتم بالأسباب التي تحول دون الحرية الفردية – بما في ذلك الفقر وعدم المساواة، والمرض، والتمييز، والجهل – التي تكون نتيجة للسياسات الرأسمالية غير المقيدة والتي لا يمكن تخفيفها إلا من خلال تدخل الدولة المباشر. ينعكس هذه التطورات الفكرية في برنامج رفع الدعم العيني وأستبداله بالدعم النقدي المباشر للمتضررين من جراء البرنامج الاقتصادي للفترة الانتقالية، وهي الشرائح الفقيرة التي تمثل في الوقت الراهن غالبية أبناء وبنات الشعب السوداني. وبعد تعينه وزيراً أقترح دكتور البدوي ضمان حد أدنى من الدخل لكل المواطنين بدون أي شرط او قيد (ْUniversal Basic Income) لكي لا يشجع أفراد الطبقات الفقيرة من التقليل او الإمتناع عن البحث على العمل لتحسين وضعهم الإقتصادي. وقد أقترح اندرو يانغ (Andrew Yang) الذي يريد أن يترشح في الانتخابات الأمريكية القادمة (2020) إعطاء أي مواطن أمريكي مبلغ 12 إلف دولار في السنة بدون أي شرط وذلك لعدم وجود وظائف او أشغال تدفع أجور حقيقية. وفي حالة السودان أقترح وزير المالية 300  جنيه سوداني في الشهر للفرد أي ما يعادل أقل من 6 دولارات في الشهر على حسب سعر السوق الموازي.

 

برنامج الدعم النقدي او المادي هو نفس البرنامج الذي يتبناه البنك الدولي منذ تسعينات القرن الماضي لمكافحة الأثار السلبية على شعوب العالم الثالث نتيجة لتطبيق برنامجه الاقتصادي. حيث أشير الدعم النقدي المباشر لمحاربة الفقر لأول مرة في الأدبيات الإقتصادية للبنك في تقرير البنك الدولي لعام 1990 (The World Bank’s 1990 World Development Report)، وتبعه بتقرير آخر في عام 2000

(The World Bank’s 2000 World Development Report, Informed by “Voices of the Poor). ويحدد التقرير الفقر بشكل رئيسي من حيث الدخل والأستهلاك المنخفض وتدني في مستوى الصحة والتعليم. ورغم ذلك يعد التقريران تحولات إيجابية ملحوظه في سياسات البنك الدولي حول محاربة الاثار السلبية لسياساته الأقتصادية التي أنهكت الفقراء. ولكن للأسف لم يتم تنفيذ هذه الأفكار كقرارات سياسية حكيمة لمحاربة الفقر في كثير من بلدان العالم الثالث ومن ضمنها السودان.

 

ووفقاً للبنك الدولي يعرف الفقر المطلق كحالة يكون فيها دخل الاسرة أقل من 1.25 دولار يومياً  (USD لعام 2005) للشخص الواحد. فإي شخص يقل دخله عن خط الفقر 1.25 دولار يومياً يعتبر فقيراً مدقعاً لا يستطيع تلبية حاجاته الأساسية من المواد الغذائية التي تكفي حاجته من السعرات الحرارية اليومية الضرورية للفرد ويحددها البنك ب 1,800 سعره حرارية في اليوم.

 

المعضلة الكبرى علي حسب هذا التعريف أنه من وجهة نظر البنك الدولي يمكن محاربة الفقر بزيادة الدخول النقدية للأفراد أي الدعم المباشر. وهذا ما يتبناه السيد وزير المالية دكتور البدوي. علاوة على ذلك هناك برنامج التنمية الألفية التابعة الي الأمم المتحدة (The Millennium Development) الذي يوضح بجلاء الإلتزام الدولي بالحد من الفقر حيث كان يهدف إلى خفض نسبة الفقراء الذين يقل دخلهم عن دولار واحد في اليوم الي النصف بين عامي2015-2010. والآن يهدف البرنامج إلى القضاء على الفقر المدقع بحلول العام 2030. وبالرغم من نجاح هذا البرنامج في التركيز على الفقر وتعبئة الطاقة والموارد من أجل تخفيض الفقر، يعيب عليه كما في حالة البنك الدولي، أنه يصور كل الفقراء كوحدة متجانسة مشكلتهم الأساسية هي انخفاض دخلهم النقدي (low monetary income). وقد دفع هذا التعريف المخل للفقر واضعي السياسات ومستشاريهم إلى التركيز على السياسات التي تذيد من دخل الفقراء سواء كان عن طريق الدعم المباشر او بخلق عماله بأجور ضعيفة (كوظائف مراقبة الأسعار). هنالك مجموعات مختلفة من الفقراء وأسباب مختلفة للفقر وأنواع مختلفة من الفقر. من المهم جدا معرفة التفاصيل الدقيقة لهذه الأسباب والأنواع والمجموعات المختلفة من الفقر لتحديد السياسات المناسبة لكل نوع على حدة. هنالك فقر دائم chronical poverty  وفقر مؤقت او عابر transient poverty وكل منهم يحتاج إلى سياسات مختلفة لمعالجتها.

 

فكرة رفع الدعم العيني ترتكز اساساً على مبدأ أن جميع افراد المجتمع يستفيدون من إستهلاك السلع المدعومة بل المستفيد الأول هو طبقة الأثرياء والطبقة الوسطي العليا التي لا تحتاج الى الدعم أصلاً. فطبقة الأثرياء والطبقة الوسطي العليا هم الذين يمتلكون السيارات وبالتالي هم أكثر المستفيدون من الدعم العيني للبترول والسلع الأخرى مثل دعم القمح او الخبز. وبالتالي يجب رفع الدعم عن هذه السلع وتوجيه المدخر إلى قطاعات أخرى تستفيد منها أكثر الطبقات الأدنى مثل قطاع التعليم وقطاع الصحة. هذا هدف نبيل لو كان المجتمع مستقر إقتصاديا والفوارق الطبقية غير بارزة بصورة صارخه والطبقة الوسطي المستقرة هي الطبقة السائدة. توجد أربعة طبقات إجتماعية في السودان، طبقة الأثرياء وهذه الطبقة تمثل أقل من ١٪ من السكان، الطبقة الوسطى العليا المستقرة وهي أكثر طبقات المجتمع التي شهدت إنكماشاً ملموساً في عهد الإنقاذ نتيجة إعادة هيكلة الإقتصاد في عهد عبد الرحيم حمدي والسياسات الإقتصادية الغير مدروسة والمبنية على العلاقات العصبية والقبلية والسياسية. وربما تمثل هذه الطبقة ما بين 10  إلى 15 %من السكان على أحسن التقديرات. ثم تأتي الطبقة الوسطى الفقيرة والتي تكون فوق خط الفقر مباشرة والطبقة الفقيرة التي تكون تحت خط الفقر. هاتين الطبقتين تمثلان الغالبية العظمى من السكان. رفع الدعم العيني عن السلع يؤثر على الطبقة الوسطى الفقيرة والطبقة الفقيرة بأثر أكبر مما يؤثر على الطبقات العليا. مثال على ذلك تستغل الطبقات الفقيرة المواصلات العامة كوسيلة للوصول إلى أماكن عملهم ذو الأجور المتدنية. عندما يزيد تكاليف النقل نتيجة لرفع الدعم، كثير من الفقراء يتركون أعمالهم لأنه أصبح غير مجدي او يكون هنالك مذيدُ من ساعات العمل الضائعة بسبب تكلفة المواصلات وبالتالي فان الأسر التي تعيش حالياً فوق خط الفقر تسقط في براثن الفقر. كذلك يهجر الأطفال فصول الدراسة والدخول الي سوق العمالة لمساعدة أهاليهم الذين ساءت أحوالهم السيئة سوءً ويصبحون ضحايا عمالة الأطفال والفقر الدائم الذي لا يجدي معه الدعم النقدي المباشر. ومن المعروف في الإقتصاد أن أرتفاع سعر سلعة ما يستهلكها جميع الطبقات الإجتماعية، يؤثر بصورة أكبر علي الشرائح الفقيرة لأن نصيب السلعة من الدخل يكون أكبر لديهم من الطبقات العليا.

 

السودان كدولة فقيرة ورغم تعرضها لخطر الفقر بصورة أكبر(incidence of poverty)، ليست لديها أستراتيجية محددة لمحاربة الفقر وليست هنالك دراسات عميقة حول الفقر، ولا توجد إحصاءات دقيقة لقياسه وتحديد أنواعه وأبعاده المتعددة مثال علي ذلك إحصائيات دخل الأسرة ونفقاتها (Household income and expenditure). والفقر ظاهرة معقدة ومتعددة الأبعاد تتخطى الجوانب النقدية الي الجوانب الاقتصادية وتشمل الصدمات الاقتصادية، وشروط التجارة، والتخلف التكنولوجي، والجوانب الإجتماعية وتشمل التمييز ونسب التبعية العالية (dependency)، وسوء الحالة الصحية، وانعدام الثقة،  والجوانب السياسية وتشمل الحكم السيء، والصراع العنيف، وهيمنة القوى العظمى الإقليمية/العالمية والجوانب البيئية وتشمل الموارد الطبيعية المنخفضة الجودة ، والتدهور البيئي. ويزداد الفقر حدة بسبب الحرمان من المرافق العامة مثل الخدمات الصحية والتعليمية والسكن والمياه النظيفة والكهرباء الخ.

 

من المهم جداً مشاركة الطبقات الأدنى في القرارات الإقتصادية والسياسية التي تؤثر عليهم بصورة مباشرة، ويجب أتخاذ تلك القرارات في حرية تامة على حسب مصلحة المواطن البسيط وألا يخضع واضعي السياسات لابتزازات وضغوطات خارجية. والغريب أن السيد معالي الوزير عند ربطه لبرنامجه الإقتصادي للفترة الانتقالية بشعار الثورة، حرية، سلام، وعدالة في تعريفه للحرية تفادى تماماً حرية إتخاذ القرارات الإقتصادية والسياسية من دون أي إملاءات من الداخل او الخارج. بل على عكس ذلك ذكر في إحدى لقاءآته الأخيرة مع الأعلام بان الأمارات العربية والسعودية يشترطون رفع الدعم العيني كشرط لتقديم المساعدات المالية والقروض الميسرة وغير الميسرة.

 

نرجو من السيد وزير المالية البدء في تطوير ورقة أستراتيجية للحد من الفقر يساهم فيها كل أصحاب المصلحة ومنظمات المجتمع المدني، ممثلي القطاع الخاص، النقابات، الجمعيات النسائية، ممثلين مباشرين للفقراء أمثال بائعي الشاي والمتجولين، ممثلي المناطق المهمشة والمقيمين في معسكرات اللجوء الخ وبعد ذلك تتخذ القرارات والسياسات الحكيمة للحالات المختلفة بدلاً من السياسات التي لا تمت للمجتمع السوداني او تزيد من تفاقم المشكلة.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق