أعمدة ومقالات

التحالفات السياسية السودانية: التماعُ نجم بعد خُبُوٍّ!

لم يُسلط الضوء بعد على خبر ربما قد تكون له تداعيات سياسية مما تمثل في لقاء جوزيف تكة، نائب رئيس الحركة الشعبية شمال/بقيادة الفريق عبد العزيز الحلو، مع السيد جعفر الميرغني نائب رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي، في القاهرة، وبحضور مولانا الميرغني نفسه، وتوقيعهما على مذكرة تفاهم وسمت ب “بيان القاهرة المشترك” في 24 سبتمبر 2019. الحركة الشعبية شمال، بقيادة الفريق عبد العزيز الحلو لم تدخل في أي تحالفات أو تفاهمات مع أي من مكونات الحرية والتغيير، بما فيها الجبهة الثورية السودانية. بينما الآن توقع اتفاقا مع الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، والذي تعده قوى إعلان الحرية والتغيير من المشاركين في نظام الإنقاذ حتى لحظة سقوطه فى 11 أبريل، وتصنفه كتنظيم سياسي غير مرغوب فيه خلال فترة الانتقال! ويبدو من محتوى البيان، وما تم التوافق عليه من مواقف مشتركة، أنه لم يكن وليد لحظات الاجتماع بل يشيء بتواصل وحوارات سبقته.

أثار هذا التفاهم المشترك دهشة وجدلا واسعا وسط المهتمين والمهمومين بقضية السلام في البلاد، فلم يسلم الطرفان من سهام النقد، كما لحق “رأس السوط” حتى البلد المضيف. يتمنى البعض أن يكون هذا التفاهم بمثابة خطوة جادة من قبل الحزب الاتحادي للاعتذار عن مشاركتهم فى نظام القهر والاستبداد حتى الرمق الأخير. وبنفس القدر، يرى هؤلاء أن الحركة الشعبية شمال قد جانبها التوفيق في هذه الخطوة، إذ كان من الأجدى والأجدر أن تبدأ تحالفاتها مع قوى إعلان الحرية والتغيير “المدنية”، أو حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور، في حالة تعثر التحالف مع الجبهة الثورية. أما دور المضيف فيقع في دائرة الشك والتشكيك من قبل كثيرين يحاكمون النظام المصري بالظن في مظاهرته للرئيس المخلوع وفتح خطوط اتصال مع المجلس العسكري الانتقالي “المنحل” لاحقا.

يهدف هذا المقال المقتضب إلى الفرز بين الحقائق والظنون في قراءة اللقاء وبيان القاهرة المشترك، وإلقاء الضوء على الظروف الموضوعية والتاريخية المصاحبة لاستضافة الحكومة المصرية للاجتماع بين الحركة الشعبية شمال والحزب الاتحادي الديمقراطي. ففي رأيي، لا أظن أن احتضان القاهرة لهذا الاجتماع الهام بالأمر الذي يستدعي أو يثير الدهشة إذا أمعنا النظر في العلاقات التاريخية بين الطرفين الموقعين على البيان، من جهة، وبينهما وبين الحكومة المصرية، من جهة أخرى.

لم يشارك الحزب الاتحادي الديمقراطي في مؤتمر كوكا دام، إثيوبيا، في مارس 1986، وهو أول اجتماع من نوعه يجمع القوى السياسية والنقابية مع معارضة مسلحة من جنوب البلاد ممثلة في الحركة الشعبية لتحرير السودان. وبالرغم من ذلك، لم ينقطع التواصل بين الحزب والحركة حتى وقع الطرفان، وفي أديس أبابا، في منتصف نوفمبر 1988، على “مبادرة السلام السودانية”، المشهورة ب “اتفاقية الميرغني-قرنق”. في نهاية المطاف، فقد تفوقت مبادرة السلام على مخرجات كوكا دام والتفت حولها كل قوى التغيير المدنية، ما عدا بالطبع الجبهة الإسلامية القومية، وتظل أهم محطات تاريخ عملية السلام في البلاد. ما يميز هذه الاتفاقية عن غيرها هو الموقف الذي اتخذه مولانا الميرغني بقبول “تجميد مواد الحدود وكافة المواد ذات الصلة المتضمنة في قوانين سبتمبر 1983، وألا تصدر أية قوانين تحتوي على مثل تلك المواد وذلك إلى حين قيام المؤتمر الدستوري للفصل في مسألة القوانين”. كان الاتفاق بمثابة تحول نوعي في مسار العملية السلمية واختراق في قضية الدين والدولة التي طرحتها الحركة الشعبية، كما أثار موقف مولانا حينئذ جدلا سياسيا واسعا. فمن جهة، رحبت به قطاعات سياسية ومجتمعية مقدرة، شكلت ضغطا على رئيس الوزراء حتى أعلن عن قبول المبادرة وتكوين حكومة “الجبهة الوطنية المتحدة” التي ضمت طيفا عريضا من القوى السياسية والنقابية، في 22 مارس 1989. ومن جهة أخرى، رفضت الجبهة الإسلامية القومية اتفاقية السلام بذريعة معاداتها للوطن وتخليها عن الشريعة الإسلامية. وبذلك، عزلت الجبهة الإسلامية نفسها، ولم يعزلها أحد كما تروج بعض قياداتها، عن الحكومة وما تحقق خلفها من إجماع واختارت الانتقال إلى خانة المعارضة لثلاثة عشر أسبوعا فقط لتستولي على السلطة بمفردها دون حاجة لحكومة ائتلافية، في 30 يونيو 1989! وهكذا، قطع الانقلابيون الإسلاميون الطريق على المؤتمر القومي الدستوري، الذي أصبح لأول مرة مضمنا في برنامج الحكومة، وتم تحديد تاريخ انعقاده في 18 سبتمبر 1989.

وفي مطلع التسعينات من القرن الماضي، تحالفت القوى السياسية والنقابية المعارضة، بما فيها الحركة الشعبية، تحت مظلة “التجمع الوطني الديمقراطي” بالقاهرة، بهدف إسقاط النظام. ومع ذلك، وقبل التوافق على الهيكلة التنظيمية للتجمع، أسمرا في يوليو 1995، تواصلت العلاقات الثنائية بين الحزب الاتحادي الديمقراطي والحركة الشعبية، خاصة اللقاءات بين د. جون قرنق ومولانا الميرغني. ففي أعقاب المؤتمر القومي الأول للحركة، في أبريل 1994، والذي تبنى حق تقرير المصير كضمان لوحدة الحركة ووحدة السودان، على حد سواء، وتضمنه إعلان مبادئ الإيقاد في مايو 1994، الذي تأسست عليه لاحقا اتفاقية السلام الشامل، مما حدا بقيادة الحركة البحث عن تفاهمات مشتركة مع حلفائها في التجمع. هكذا، جاء أول تأييد لإعلان المبادئ من الحزب الاتحادي الديمقراطي بصدور إعلان مشترك (عُرِف بإعلان القاهرة) في 13 يوليو 1994، وقعه القائد يوسف كوة مكي نيابة عن الحركة الشعبية لتحرير السودان. لم يقف تطور العلاقات بين الطرفين عند هذا الحد، فقد قدم د. جون قرنق مولانا الميرغني على نفسه بترشيحه رئيسا للتجمع الوطني الديمقراطي وقائدا أعلى لقوات التجمع العسكرية المشتركة، وهو ما تم اعتماده من قبل مؤتمر أسمر للقضايا المصيرية في يوليو 1995. وعندما سأل أحد المقربين الزعيم الراحل جون قرنق: “لماذا قدمت الميرغني على نفسك؟”، كان رده: “أولا لأنه أكبر زعيم ديني في السودان، وتلك إضافة مهمة للتجمع. وثانيا إن قبل الميرغني بالمركز الثاني، فسنضطر إلى مجابهة رد فعل ليس فقط من أنصاره، بل من نظام الإنقاذ” (منصور خالد، شذرات وهوامش على سيرة ذاتية، الجزء الثالث، رؤية للنشر والتوزيع، 2018، ص 244).  ما قصدته من هذه الإشارة هو قدرة القائد على التواضع الذي تقتضيه المرحلة التاريخية بدون التقليل من قدره أو شأن الحركة التي يقودها، بجانب إدراكه للواقع الموضوعي حول الدين.

وبجانب ذلك كله، باللجوء إلى محرك قوقل للبحث، وبحسب إفادت بعض المصادر، توفرت لي معلومات عن انتشار الطريقة الختمية في السودان منذ نهاية العقد الأول من القرن التاسع عشر. فبينما تركز أثر الطريقة في شمال وشرق السودان، إلا أن أنها شقت طريقها إلى وسط السودان وجنوبه وإلى جبال النوبة والأنقسنا في أعالي النيل الأزرق. وهناك العديد من الخلفاء والأسر المنتمية إلى الطائفة الختمية في جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق حتى وسط القيادات السياسية. وعلى الصعيد السياسي، كان لقيادات الختمية علاقات قديمة مع مكوك الفونج، كما كان للحزب الاتحادي الديمقراطي وجودا سياسيا معتبرا في مناطق جنوب النيل الأزرق، وذلك بحسب مكاسبه في الانتخابات البرلمانية المتعاقبة حتى عام 1986. وأيضا، كان للاتحاديين بعض النفوذ السياسي والصلات قوية مع القيادات السياسية والأهلية في جبال النوبة، خاصة تلك التي نشأت بين السيد على الميرغني والمك رحال أندو (1880-1917)، وتواصلت مع أبنائه من بعد. وقد انعكست هذ التحالفات في فوز الحزب الاتحادي الديمقراطي بعدد مقدر من الدوائر الجغرافية في 1968، خاصة في ريفي البرام ومنطقتي دلامي وكاس. وعلى خلفية هذه العلاقات، قام الاتحاديون بدعم مرشحي الحزب القومي السوداني في انتخابات 1986، مما مكن الحزب من الفوز بثمان دوائر انتخابية، من بينها دائرة شرق النيل، الحاج يوسف، التي فاز بها الأب فيلب غبوش.

ومن جهة أخرى، فإنه ينبغي على منتقدي الحركة الشعبية شمال بسبب بيانها المشترك مع الحزب الاتحادي الديمقراطي الإدراك بأن إقامة التحالفات السياسية هو حق أصيل لأي من القوى السياسية، ولها مطلق الحرية في خياراتها التحالفية بما يخدم مصالحها في إطار ما تضعه من سياسات وبرامج على الشعب السوداني. فقد ظلت الحركة الشعبية دوماً حريصة على التفاعل وخلق صلات مع مختلف القوى السياسية والاجتماعية في الشمال، منذ بداية النصف الثاني من الثمانيات، فأقامت التحالفات مع جميع هذه القوى بغرض المضي قدماً بعملية البناء الوطني. للمفارقة، كان الزعيم الراحل، جون قرنق، يفضل التحالف مع القوى السياسية “التقليدية”، على الائتلاف مع القوى “الحديثة”. فقد طرح على قوي التغيير فى الشمال، بعد فشل مبادرة “لواء السودان الجديد” في منتصف التسعينات من القرن الماضي، خيار العمل فى إطار التجمع كتحالف عريض ومفتوح، يوفر مكاناً لكل قوى السودان الجديد فى طريق بناء دولة المواطنة. وفي رأي زعيم الحركة هذا خيار هام، لأن هناك توجهاً وسط بعض أقسام هذه القوى لتكوين تحالف استراتيجي مع الحركة الشعبية واستبعاد القوى “التقليدية”، وهو توجه محفوف بالمخاطر. ذلك، إضافة إلى أن قوى الريف والحركة الشعبية لا تعرف الكثير عن هذه القوى “الحديثة” في الشمال إلا من خلال تعريفها الذاتي لنفسها كقوى ” ديمقراطية” “وتقدمية” مما يجرد التحالف المطروح من شروطه الموضوعية وضروراته الواقعية. وفي مخاطبته لجمع من المثقفين والنقابيين، أغلبهم من شمال السودان، في القاهرة في ديسمبر 1997، قال لهم د. جون قرنق “إذا ذهبتم إلي الرسف، إلى يامبيو أو ياي، مثلا، وتحدثتم إلى مزارع هناك عن القوى الحديثة في الشمال، فهو لن يفهم عما تتحدثون! إذا تحدثتم إليه عن الديمقراطية سيقول: ما نوع هذا الحيوان!”. وهذا لا يعني، بأي حال من الأحوال، أن القوى “الديمقراطية” مجرد كيان هلامي مجهول النسب أو العطاء، ولا أن الظروف في الجنوب تتطابق مع الأوضاع في جبال النوبة والنيل الأزرق. فلا شك، أن سكان هذه المناطق يتميزون بقدر أعلى من الوعي السياسي، مقارنة بالجنوب حينئذ، بفضل انخراط قطاعات واسعة منهم في العمل السياسي والنقابي والاجتماعي القومي.

وفى رأيي أن حرص زعيم الحركة الشعبية الراحل على التحالف مع القوى السياسية الشمالية، خاصة القوى التقليدية، لم يكن فقط من أجل تحقيق هدف التجمع الوطني الرامي إلى إزالة النظام وتنصيب نفسه بديلاً له، بل لحشد سند ودعم هذه القوى، كشرط لازم وضروري لممارسة حق تقرير المصير عن طريق الاستفتاء. وبالفعل، هذا هو ما وقع. فمع من توصلت قيادة الحركة إلى اتفاق سلام؟ فقد بدأ جون قرنق الطريق نحو السلام ب “التحالف” مع ما كنا نسميه ب “القوى التقليدية” ومن ثم انتقل إلى “الشراكة” مع المؤتمر الوطني، خليفة الجبهة الإسلامية التي لم تترك نارا لم تشعلها في الجنوب وفي جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق! فإن توافق الحزب الاتحادي الديمقراطي مع الحركة الشعبية شمال يعد خطوة ضرورية طالما أسهمت في دعم العملية السلمية، بغض النظر عن الموقف السياسي للحزب وموقعه في نظام الإنقاذ عقب توقيع اتفاق سلام القاهرة في يوليو 2005 ، فعملية تحقيق السلام لا تحتمل إقصاء أي قوى سياسية لها جمهور وقاعدة اجتماعية. فاتفاقيات السلام لوقف الحرب قد تعقدها الحكومات مع قوى الكفاح المسلح، أما عملية صناعة السلام فتستدعي تداعي كافة القوى السياسية والمجتمعية ومشاركتها فيها كشرط ضروري لصون واستدامة السلام. إن قضايا التحالفات السياسية بطبعها معقدة، ولا يمكن النظر إليها والتعامل معها بطريقة جامدة وساكنة، بل يجب أخذها كعملية تحوّل وتغيير أساسي ومتواصلة.

كما نوهت في مقدمة المقال، لن تكتمل القراءة الصحيحة لإعلان القاهرة بين الحركة الشعبية شمال، بقيادة الفريق عبد العزيز الحلو والحزب الاتحادي الديمقراطي إلا في سياق العلاقات بين الطرفين ومصر، من جهة، والسياسة الكلية لمصر تجاه السودان، من جهة أخرى. علاقة الطريقة الختمية مع مصر ترجع إلى نهايات القرن التاسع عشر على يد مؤسس الطريقة السيد محمد عثمان “الختم”، ومن ثم عمل على نشرها في السودان. فمنذ بدايات العقد الأول من القرن العشرين بدأ السيد علي الميرغني في البحث عن نوع من الاتحاد مع مصر حتى تشكلت الأحزاب السياسية الاتحادية في منصف الثلاثينات من القرن. ومع ذلك، شكل إعلان استقلال السودان من داخل البرلمان، في 19 ديسمبر 1955، نقطة فاصلة في تطور وتوطيد علاقة السادة المراغنة مع السلطة في مصر مع اختلاف أنظمة الحكم المتعاقبة. ومن جهة أخرى، في سعيها لاستخدام الدبلوماسية كأحد الأدوات اللازمة لتحقيق أهدافها، طلبت قيادة الحركة الشعبية من الحكومة المصرية أن يكون لها مكتبا في القاهرة والتي لم تتردد في الموافقة، فتم افتتاحه في مطلع عام 1990. بجانب تمثيله الرسمي للحركة الشعبية في مصر، إلا أن المكتب ظل يوفر خدمات عامة لكل المنتسبين للحركة والمعارضين الآخرين، بما في ذلك ترتيب وتوفيق أوضاع إقامتهم قانونيا، ودعم طالبي اللجوء منهم. وفي يوليو 1994، كما ذكرت سابقا، كانت القاهرة هي المدينة التي وقع فيها القائد يوسف كوة مكي، رئيس المؤتمر القومي للحركة الشعبية، على “إعلان القاهرة” مع الأستاذ الراحل أحمد السيد حمد. وربما، الحدث الأهم هو الزيارة التاريخية لرئيس الحركة الشعبية ورئيس الجيش الشعبي لتحرير السودان، في نهاية عام 1997، والذي استقبلته القاهرة كما يستقبل رؤساء الدول واستضافته رسميا لأكثر من أسبوعين.

تشكك البعض في نوايا مصر من استضافتها ل “بيان القاهرة المشترك”، بين قيادتي الحركة الشعبية شمال والحزب الاتحادي، وهو توجس يمكن فهمه في سياق التوترات التاريخية المتقطعة في علاقات البلدين، خاصة خلال سنوات حكم الإنقاذ. ومع ذلك، هذه الريبة الأخيرة ترجع إلى مطالبة الرئيس المصري، بصفته رئيس الاتحاد الأفريقي، قمة تشاورية مصغرة شاركت فيها عدد من الدول الأفريقية، في القاهرة، في 27 أبريل 2019، بضرورة تمديد مهلة الاتحاد الأفريقي لتسليم السلطة لحكومة مدنية في السودان من 15 يومًا إلى 3 أشهر، مما أعتبره البعض تدخلا سافرا في الشأن السوداني. وللمفارقة، فقد استغرقت عملية تشكيل المؤسسات الانتقالية وقتا أطول من المهلة التي طالب بها الرئيس المصري ولم يتم التوقيع على الوثيقة الدستورية التي تقوم عليها هياكل الحكم إلا في 17 أغسطس! إن الفهم الموضوعي للتعاطي المصري مع السودان يستدعي أن ننظر إليه في الإطار التاريخي لمجمل السياسية المصرية في التعاطي مع الشأن السوداني، وبالضرورة ما يطرأ فيها من متغيرات تمليها مصالح مصر القومية. فمع ثبات السياسة المصرية الكلية في التعامل مع أنظمة الحكم العسكرية والمدنية المتعاقبة في السودان، إلا أن توجهات هذه السياسة تباينت في سبل التواصل والتداخل مع القوى السياسية المعارضة، حتى قوى المقاومة المسلحة، بحسب درجة التقارب مع النظام القائم. فالقاهرة ظلت تحفل بنشاطات كافة القوى السياسية المعارضة منذ مطلع التسعينات وحتى التوقيع على اتفاقية السلام الشامل في 2005، وأيضا طوال الفترة الانتقالية، بالرغم من تبدل المشهد السياسي بعد انفصال الجنوب. لم تعمل السلطات المصرية على تضييق المساحة المتاحة للنشاط السياسي المعارض إلا في السنوات الأخيرة التي أعقبت انتخابات 2015 في السودان وما صاحبها من تطورات إقليمية.

وبحسب قراءتي، فإنه بنهاية النصف الثاني من عام 2018 ومع تباشير تغيير وشيك في السودان، لا شك أن المصريين قد أدركوا الأوضاع واستشعروا اضطرابا بشكل ما قد يطرأ في المشهد السياسي السوداني قد يضر بمصر ويهدد استقرارها. وربما، بدفع من بعض مراكز الدراسات والمثقفين الأكثر معرفة بالشأن السوداني، بدأت القاهرة في افتراع توجه جديد نحو السودان يدعو الى الانفتاح على، والتواصل مع كافة القوى السياسية المدنية والمسلحة، وأن تكون مصر فاعلة في محيطيها الإقليمين الأفريقي والعربي. وفي زعمي أن حادثة منع السيد الإمام الصادق من دخول الأراضي المصرية، في أواخر يونيو 2018، قد خرجت عن طوق سياق/نص هذا التوجه الجديد، بل وانتقد بعض الكتاب الخطوة واصفين لها ب “الخطأ الكبير” و”الخطيئة”. وفي نهاية الأسبوع الأول من أغسطس الماضي دخلت مصر على خط الخلافات التي نشبت بين الفرقاء السياسيين لقوى التغيير السوداني. فقامت القاهرة باستضافة وجمع قوى إعلان الحرية التغيير مع الجبهة الثورية السودانية بغرض تسهيل تسوية خلافات الطرفين حول الوثيقة الدستورية، الموقعة بالأحرف الأولى في 4 أغسطس 2019. ومنذ نهاية الأسبوع الثاني من سبتمبر، وحتى لحظة كتابة هذا المقال، تستضيف القاهرة سلسلة أخرى من اجتماعات هؤلاء الفرقاء شملت الجبهة الثورية ونداء السودان، وملتقى السلام الشامل، الذي نظمه حزب الأمة، في الفترة من 7 إلى 11 سبتمبر، والملتقى التشاوري الأول لحركة وجيش تحرير السودان، والأمسية السياسية للتفاكر التي أقامتها حركة العدل والمساواة. وها هو السيد الإمام يعود للقاهرة ليترأس اجتماع لذات نداء السودان الذي بسببه رفضت القاهرة استقباله.

لذلك، إنه من المهم أن نفهم رعاية الحكومة المصرية للاجتماع بين قيادتي الحركة الشعبية/الجيش الشعبي شمال والحزب الاتحادي الديمقراطي في الاطار التاريخي للعلاقات بين مصر وفي سياق هذا التوجه المصري الجديد. ففي أعقاب ثورة ديسمبر المجيدة، يبدو وكأنما القاهرة قد عادت لتسعينيات القرن الماضي عندما احتضنت القاهرة الاجتماع التأسيسي للتجمع الوطني الديمقراطي، بمشاركة الحركة الشعبية، لإسقاط نظام الإنقاذ الانقلابي. وبالرغم من توقيع اتفاقية السلام الشامل في نيروبي، فقد عادت هذه القوى مرة أخرى إلى مصر، بعد خمسة عشر عاما من المعارضة السياسية والعسكرية، للتوقيع على “اتفاقية القاهرة للسلام”، في 20 يونيو 2005، التي وقع عليها د. جون قرنق ومولانا الميرغني نيابة عن التجمع الوطني الديمقراطي. وكل ذلك، لا يعني أن مصر تفعل هذا من أجل “سواد، أو بالأصح عسلية عيوننا”، فلهم مصالحهم في استقرار جارهم الجنوبي، خاصة ومصر تواجه تحديات أمنية شمالا وغربا، ولكن أيضا لنا مصالحنا القومية في العلاقات معها. بالطبع، هناك تقاطعات إقليمية وتضارب مصالح بين مصر وحلفائها الأقربين في الخليج، وكل منهم يسعى لتعظيم مكاسبه. وفي رأيي، بالنسبة لنا، تتفوق القاهرة على الآخرين في المحيط العربي في التعاطي مع الشأن السوداني في مختلف منعرجاته، بغض النظر عن البعض ممن يبغض مصر، فهل يتسع صدر دول الخليج يوما بممارسة أي نشاطات علنية للمعارضة السودانية في أراضيها؟ وهل بمقدور أبوظبي أو الرياض استضافة مثل هذه الاجتماعات الموسعة لأغلب الفصائل السياسية السودانية، المدنية والمسلحة، على حد سواء؟ وبجانب ذلك، فالعلاقة المميزة بين القاهرة وجوبا تؤهلهما ليلعبا دورا إيجابيا مع توفر إمكانية التنسيق بينهما في رعاية ودعم الأطراف السودانية في مباحثات السلام المزمعة، خاصة وقد اتفقت الحركة الشعبية شمال، بقيادة الفريق عبد العزيز الحلو، مع مجلس السيادة على أن تكون جوبا مقرا لهذه المفاوضات. حقا، أكاد أجزم بأن رئاسة الدولة في جنوب السودان لم تكن بعيدة عن ترتيبات دعوة الرئاسة المصرية للجمع بين الطرفين في القاهرة.

بالرغم من ذلك كله، طالما الأمر في نهاية المطاف يتعلق بتحقيق السلام العادل والشامل فينبغي على جميع القوى السياسية والمجتمعية السودانية، بكافة تشكيلاتها وتياراتها المختلفة، أن تدعم وتؤيد أي تفاهم مشترك بين أي طرفيين سودانيين إن كانت الغاية هي بناء سودان جديد مؤسس على تعايش سلمي يجد فيه كل السودانيين أنفسهم مواطنين على قدم المساواة. فالحركة الشعبية قوة سياسية تمتلك نفوذا شعبيا، والحزب الاتحادي الديمقراطي له قاعدة اجتماعية-سياسية، مهما اختلفت تقديرات حجمها، وأما من شارك من منسوبيه في أي جريمة خلال تحالف الحزب مع النظام البائد فيجب ألا يفلت من يد العدالة.

ختاما، فإن التفاهم المشترك بين الحركة الشعبية شمال والحزب الاتحادي الديمقراطي ليس بأمر مستغرب، في ضوء ما سردته من وقائع، كما أن قراءته في سياق واقع التحالفات السياسية السودانية منذ ما قبل الاستقلال لا ينبغي أن تثير الدهشة. وكما فاجأ مولانا الميرغني القوى السياسية السودانية بتوقيعه على مبادرة السلام السودانية مع الحركة الشعبية في نوفمبر 1988، ها هو الحزب الاتحادي، الذي ظل مشاركا نظام الإنقاذ منذ توقيع اتفاقية سلام القاهرة في 2005، يفاجئ هذه القوى مرة أخرى ببيان مشترك مع الحركة الشعبية شمال التي فضلت أن تنأى بنفسها عن أي تحالف سياسي منذ مؤتمرها القومي في أكتوبر 2017. إن التوقيع على بيان القاهرة المشترك، لا شك قد فتح نافذة كبيرة للحزب الاتحادي الديمقراطي (الأصل) للخروج من الطوق السياسي الذي فرضته عليه شروط وقوى الثورة، ويضع حدا للتصدع في كابينة القيادة. وربما فتح الباب واسعا، ومنح كافة الاتحاديين فرصة تاريخية نادرة للملمة أطرافهم وتوحيد فصائلهم المبعثرة لبناء تنظيمي متماسك وتحويل نفسها إلى قوة انتخابية يعتد بها. أفلم تتوحد الأحزاب الاتحادية لأول مرة في القاهرة في 1953 برعاية من مصر؟ ذلك، خاصة وقد تضمن بيان القاهرة المشترك مع الحركة الشعبية شمال الاتفاق على لجنة مشتركة إحدى مهامها “الاستعداد للانتخابات المقبلة”. فهل يتفوق الحزب القديم على نفسه ويلتمع نجمه بعد خُبُوٍّ!؟

الواثق كمير

kameir@yahoo.com

تورونتو، 10 أكتوبر 2019

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق