أعمدة ومقالات

فايز الشيخ السليك عن الثورة السودانية: شراء المستقبل ومتاهات الماضي (٢- ٣)

الثورة السودانية: شراء المستقبل ومتاهات الماضي (٢- ٣)

فايز الشيخ السليك

في الجزء الأول من هذا المقال تحدثت عن الثورة وتعريفاتها ومفهومها، ووسائل تحقيقها، وأشرت إلى عدد من الثورات التي وصلت الى نهاياتها المنطقية وتجربة جنوب أفريقيا وما فيها من مساومات. فأي النموذجين يمكن أن تأخذ الثورة السودانية؟  وهنا أتحدث عن المخاطر التي وحدت الثورة فيها بعد أن قطعت نصف الطريق.

الدولة المختطفة.

ظهر مفهوم الدولة هلامياً وحالماً في الفلسفة الإغريقية، “يوتوبيا أفلاطون، إلا أن أوروبا شهدت  طفرةً نوعيةً؛ في بنية العقل الإنساني، لتدخل عصراً جديدا، رفدت بعده الإنسانية بمعارف فكرية وفلسفية حول العقد الاجتماعي، و الدولة، وماهيتها وظيفياً ومفاهيمياً.  يرى الدكتور محمد عابد الجابري، أن ” النظريات الأوروبية حول الديمقراطية وحول المسألة الاجتماعية وحول العلاقة بينهما كانت نظريات تؤطِّرها وضعية تاريخية معينة قوامها جملة أسس وأركان من أهمها ما يلى: وجود الدولة الوطنية القومية، وجود بنى صناعية حديثة متنامية، وجود طبقة برجوازية متمسكة بالقيم اللبرالية، وجود طبقة عاملة يتزايد عدد أفرادها يوماً بعد يوم، وجود أحزاب تؤطِّر الأفراد وتتقاسم النخب “.

و في السودان بدأت الدولة الحديثة في التكوَّن في القرن التاسع عشر بعد دخول الأتراك، بعد أن كان السودان عبارة عن مملك قبلية صغيرة، كالسلطنة الزرقاء، سلطنة الفور، والمسبعات، وورثت الدولة المهدية ذات الكيان حتى عام ١٨٩٨، ثم جاء البريطانيون وتوسعوا في بناء الدولة بحدود ضمت دارفور، ولما خرج الاستعمار خلف وراءه دولة هشة، وهو ما عبر عنه بروفيسور تيسير محمد أحمد، في ورقة بعنوان ” السودان.. الاستقلال ومأزق المشروع الوطني” ” ويرى أن الاستقلال يعني التحرر الكامل من كافة العلاقات، والبنى، والهياكل، و المفاهيم التي خلفها المستعمر، واستبدالها بأخرى تأطر لمشروع وطني كامل.

و يقول الدكتور حيدر إبراهيم ” لم يهتم السودانيون بعد الاستقلال ببناء دولتهم الوطنية، والتي كان لا بد أن تكون دولة وطنية، ديمقراطية، تعددية الثقافات، وعلمانية أو مدنية، ولكن السودان خضع لعملية طويلة ومركَّبة لتوظيف الدين سياسياً، ابتدرته القوى الطائفية التقليدية، وأكملته قوى جديدة محافظة”  ويرى إبراهيم، أن في ” هذا التوجه وأد لفكرة الدولة الوطنية الموحدة “. وحين حكم الإسلاميون السودان عنوةً بقوة السلاح، وتضليلاً بالشعارات الكذوبة، لم يجتهدوا في عملية بناء دولة وطنية، وكلما فعلوه هو ” اختطاف ” هذا الكيان الهش، وأرى أن الحديث عن ” دولة عميقة” مجرد استلاف كسول لهذا المصطلح من تجارب أخرى، لأنه ليست هناك دولة بقدر ما توجد أجهزة توظيف وسيطرة، جبايات بلا رعاية، وسبق أن قلت في مقال سابق أن مراكز قوى داخل دولة الانقاذ تشكلت بعد اعلان سياسة  التمكين، وتبني أطروحات اقتصادية متوحشة خلقت طبقة طفيلية جديدة، شكلت شبكة مصالح أعمدتها الدين، القبيلة، والجهة، فصنعت مركزاً تتصارع نخبه فيما بينها وتتحالف  ضد الهامش السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وما يميز الشبكة أنها مجموعة أصحاب أموال نشأت من ريع الدولة مباشرةً ، أو عبر أنشطة السمسرة، والتجارة والاعفاءات الجمركية، وعمولات الشركات الأجنبية للحصول على امتيازات أو أراضٍ بلا مقابل للمجتمع، فتخلق دولة مثل جمهوريات الموز في أمريكا الجنوبية، وشملت الأنشطة غسيل الأموال وتجارة السلاح والمخدرات.

كان من البديهي أن تكون علاقة هذه الطبقة الجديدة مع الدولة علاقة تزاوج بني على مصالح مشتركة، حماية مقابل دفاع، امتيازات مقابل ولاء، لذلك تسعى مثل هذه الشبكات الوقوف ضد أي تغيير سياسي، أو حتى تعديل في السياسات الاقتصادية العامة يحد من تمددها ويخصم من امتيازاتها، إلا أن هذه الشبكة وعلى خطورتها لم تبني دولةً، بعد أن باعت الحكومة معظم المؤسسات العامة، ودمرت المشاريع الإنتاجية، وأسست قطاعاُ خاصاُ بني على اقتصاد الخدمات، وخلق واقعاُ متفسخاً عماده التباهي بالمظاهر وتحركه علاقات المصالح وترتبط بخيط واهن من الولاء.

أما بقية خلق الله من السودانيين؛ فقرر النظام أعادة صوغهم، واجبارهم على البقاء قسرياً على هامش شبكة المصالح، لتصبح غالبية السودانيين ترزح في أغلال فقرٍ ويحيطها النظام في بممارسات ذلٍ،. وهدف مشروع النظام ( الحضاري) إلى تحويل شرائح كبيرة إلى ” تروس” في ماكينة الإنقاذ.

الدولة الموازية

لم يكتف الإسلاميون باختطاف جهاز الدولة، بل أسَّسوا دولةً موازية، أنشأت أذرعاً أمنية من مليشيات كالدفاع الشعبي، الأمن الشعبي والشرطة الشعبية. وتتطابق أضلاع المثلث في تعبئة عناصرها بعقيدة قتالية دينية، متشددة، قائمة على دعوة الجهاد، ومتغذية من شعار ديني يقول ” فلنعد للدين مجده، أو ترق منهم دماء، أو ترق منا دماء، أو ترق كل الدماء”. تقدر مصادر أعداد قوات الدفاع الشعبي التي حاربت في جنوب السودان تحت شعار ” الجهاد  ” بحوالي (٩٠) ألفاً، بينها (١٠) آلاف عاملين و(٨٠) ألفاً في الاحتياط. وتشير بعض التقديرات إلى أن تنظيم الإسلاميين بكامل قواته وأفراده الملتزمين عسكرياً تبلغ حوالي ٤٠٠ ألف عنصراً

ليس من السهل استسلام الإسلاميين لفقد السلطة وما فيها من نفوذ وجاه، لذلك أتوقع اشهارهم ورقة ” الإرهاب”  وايقاظ خلاياهم النائمة، والعمل على  نسف الاستقرار، بإعادة ضبط موجة تلك الخلايا نحو اتجاه الهدم والتخريب  المادي والإرهاب الفكري ، وضخ دماء الكراهية، عبر قيادات دينية متطرفة.

ليس ببعيد سعي المتطرفين لتكرار تجربة العراق بعد سقوط صدام حسين، حيث انتشرت الجماعات الإرهابية منذ أبو مصعب الزرقاوي وحتى الدواعش، لقد وجدت تلك الجماعات السلاح المنتشر، وليس بعيداً أن  تستغل قيادات إسلامية هشاشة الأوضاع لتهديد النظام الديموقراطي في السودان.

ورقة الدعم السريع الرمادية

خلال الساعات الأخيرة من سقوط البشير، تلاحظ الدور المؤثر الذي لعبته قوات الدعم السريع برفضها تنفيذ تعليمات المشير البشير، لقائد القوات المثيرة للجدل بفض اعتصام المتظاهرين حول قيادة الجيش السوداني في قلب العاصمة الخرطوم.

وبرز دور قوات الدعم السريع وقائدها محمد حمدان “حميدتي “،   نسبة لما يتمتع به من علاقات عابرة للحدود شرقاً نحو الخليج، وشمالاً نحو أوروبا في ملف الهجرة وتهريب البشر ، إلا أن هذه القوات سرعان ما تحولت الى سلطة متمددة، وسعى قائدها إلى تشكيل تحالفات مع قادة الإدارة الأهلية، وبعض عناصر الحكومة السابقة،  ومع هذا التمدد، احتفظت القوات باستقلاليتها فأوشكت على تشكيل دولة داخل دولة.

وانقسمت قوى التغيير حول طريقة التعامل مع القوات، ومع اتجاه بعض كيانات قوى الحرية والتغيير الى التعامل بواقعية ” براغماتية” مع القوات المثيرة للجدل، سارعت قوى أخرى للتعامل معها كعدو، لا سيما بعد أحداث فض اعتصام القيادة العامة. لقد رأى البعض خاصة قوى ” نداء السودان” أن قوات الدعم السريع يمكن أن تكون شريكة في المرحلة الانتقالية في حفظ التوازن وتفكيك مليشيات الإسلاميين، إلا أن تياراً أخراً، لا يمكن التقليل من حجمه ظل يدعو باستمرار الى حل القوات وتسريح أفرادها.

وبين هذا وذاك فالمؤكد أن موازين القوى، خلقت واقعاً جعل قوات الدعم السريع طرفاُ مهماً في معادلة التغيير، مع عدم التأكد من دوافع رفض القوات تنفيذ توجيهات المخلوع البشير، بقتل المتظاهرين حينها، واثارة الشكوك حول طموح زعيمها بالتمدد أكثر، للسيطرة على السلطة تدريجياً، أو بقائه كدولة داخل دولة على طريقة حسن نصر الله في لبنان. المرحلة الانتقالية.

الانقسامات الرأسية والأفقية في قوى التغيير

لم يغلق توقيع اتفاق الإعلان السياسي والوثيقة الدستورية الباب الذي تأتي منه عاتي الرياح، وكأن بمنسوبي الإسلاميين  يفتحون نوافذ الخلافات، و يخططون لتجميع نار ووقود في وجه الريح لتحرق كل بيت المرحلة الانتقالية.  وتبدت خلافات القوى السياسية في اختلاف رؤى وتقاطع أجندة، وتبدت الخلافات على مستويين، ؛ أحدهما مستوى رأسي، يتمثل في صراعات القوى السياسية.

يبعث حال قوى الحرية والتغيير على الشفقة باعتبارها القائد الحقيقي للحراك في الشارع طوال ثمانية أشهر من النضال الشرس، إلا أن الأداء السياسي للقوى كان مرتبكاً، وملتبساً، فما أن قررت القوى التفاوض مع المجلس العسكري الا وظهر التجاذب والتناقض في المواقف، البعض يرى التفاوض خيانة، وأن الجلوس مع المجلس العسكري يعني إقرار سيناريو الهبوط الناعم. ودعا الممانعون الى حل قوات الدعم السريع، لكن لم يحدد الداعون لحل القوات أي خطة، أو الإجابة على سؤال ان كان توازن القوى يساعد على انجاز هذه المهمة؟

ويتمثل المستوى الأفقي  في وجود تناقضات واضحة بين قوى التغيير في المركز والهامش، الحركات المسلحة والقوى السياسية، فالمسلحون ينسجون الشكوك حول نوايا نخب المركز وشماله النيلي، وللشكوك ما يعززها من سباقات الوظائف، إلا أن المسلحين ذات أنفسهم لا يخلو تكوين جبهتهم الثورية من بعض وجوه تحتطب في ليل غابات الهامش فتحمل معها أفاعي وعقارب، و للمفارقة فأن بعضاً من هذه القيادات ظلت ” جنرالات بلا جيوش” وقيادات بلا قواعد.

ويزداد المشهد ارباكاً بوجود الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو، وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور، خارج تحالف الجبهة الثورية، يحملان أجندة قد تعرقل التوصل لتسوية سلمية تستثمر الفرصة الفريدة لتحقيق وفاق وطني فتح له السودانيون نوافذ الأحلام مشرعةً.   تتمظهر خطورة الصراع الأفقي في علو نعرات عنصرية وعنصرية مضادة لها عبر خطابات تخوين، وتنميط وتعميم يبدو جلياً في وسائط التواصل الاجتماعي، بل صار العنف اللفظي تكسباً لبعض الناشطين، دون اهتمام بخطورة ما يحمله من شظايا كراهية، وعبوات مرارات ناسفة.

إن الفشل في اطلاق مشروع  وطني، ظل وسيظل أحد الأسباب القوية في دوامة الصراعات القبلية ، نسبة لغياب كيان الدولة الجامعة، بل أن مفهومها؛ ارتبط في أطراف السودان النائية بأنها مجرد مؤسسة نخبوية، تحتكر العنف،  ولا تظهر إلى حيز الوجود إلا  ساعة وقوع الكوارث، فتنحاز حينها الى أحد طرفي الصراع القبلي، أما أيدويولوجياً، أو بغرض صب الزيت على نار الفتن.

لقد أوصل نظام الإنقاذ الإسلامي مشروع الدولة على هشاشته إلى نهايته المنطقية، وأدخله الى غرفة الإنعاش، فكانت الثورة في ديسمبر محاولة لإنقاذ هذا الكيان وضخ الدماء في شرايينه ومن ثمَّ عودة الروح اليه ليتخلق من جديد، ويشب كياناً يعبر عن جميع السودانيين، وللأسف لا تزال محاولات الانقاذ تنقصها الإرادة الحقيقية والرؤية الثاقبة والتفكير الخلاق من خارج ذات الصندوق القديم.

إن الجزء الثاني من هذا المقال كان محاولة لقراءة المشهد السياسي،  وقراءة المشهد بظلاله القاتمة، لن تحجب رؤية حقيقة جمال الثورة  السودانية وعظمتها، وهي ثورة شهد بعظمتها وسلميتها زعماء وسياسيون في أوروبا وأمريكا، وتغزل فيها الرئيس الفرنسي ماكرون واعتبرها من أعظم الثورات في التاريخ، مثلما لم تخف الإدارة الأمريكية ونواب في الكونغرس الاغتباط بالثورة السودانية.  وليس تضخيماً أن أكد الناس شجاعة الثوار ومنهجهم السلمي الحضاري، وفي ما ابتدعوه من  وسائل مدهشة  خلال ثمانية أشهر، سجلوا خلالها ملاحم ستظل محفورةً في ذاكرة التاريخ الإنساني. ويقيني أن من بين وسط عبقرية الابداع هذه ستطل من جديد وصفات ناجعة ، ولكن هنا أطرح سؤال عن أي طوق نجاة نبحث؟ هذا ما سوف أطرحه في الجزء الثالث والأخير من هذا المقال.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى