أعمدة ومقالات

ضد ما يسمى بالمصالحة التاريخية!

الفاضل عباس

ما كدنا نصدق أننا خرجنا من الحكم الديني الثيوقراطي الفاشستي الذي تخلصت منه أوروبا في القرن السادس عشر، حتى أطل علينا من يدعو لمد يدنا لعدو المدنية والديمقراطية وحقوق الإنسان، أي الإخوان المسلمين، كأنما يلقي إليهم بطوق نجاة وهم في الرمق الأخير. هذه الدعوة التي تقدم بها البعض، مثل المثقف الثوري والمناضل الفذ صديقي الدكتور الشفيع خضر، أرى أنها تحسن الظن بالإتجاه الإسلامي أكثر مما يجب، وتحاول أن تردفهم في قطار الثورة، وهي معادلة مستحيلة التنفيذ. إن شهداء هذه الثورة التي فتك بهم نظام الإخوان أكثر من ضحايا المقاومة الفرنسية بالحرب الكونية الثانية، ولم يمد ديقول والزعماء المنتصرون يدهم لليمين (الفيشي) الذي كان متواطئا مع الغزاة الألمان، وفي الحقيقة كتبت نهاية الحرب في نفس الوقت نهاية وجودية ودستورية وقانونية للأحزاب النازية والفاشية التى سادت بكل من ألمانيا وأيطاليا وتمددت لباقي أوروبا في الثلاثينات والنصف الأول من الأربعينات؛ ولقد نشأت أنظمة مدنية ديمقراطية في ألمانيا وإيطاليا ليس فيها مكان ألى يومنا هذا للفاشيين والنازيبن.

إن محاولة استرداف الإسلاميين تشيع البلبلة والإرباك، وستساهم في عرقلة عمليات تفكيك دولة الحزب الواحد الباطش التي دكت حصونها الجماهير، والتي تبقي منها ذيول متنمرة بالجيش والأمن والإعلام والدولاب الحكومي، وكان حريا بالحكومة الإنتقالية أن تسرع خطى التفكيك، بيد أن أطرافا مترددة وسلبية من هذه الحكومة ما انفكت ترتجف أمام الإخوان، ولعلهم لا يدركون حكمة شعبنا الأزلية (الخوف بفك الجبارة). إن هذه المواقف المتصدعة هبطت على الكيزان من السماء ومنحتهم جرأة غير متوقعة، فبرزت أبواقهم في القنوات والإسفيريات بكل بجاحة وقوة عين، لا تدعو فقط للمصالحة، إنما للعودة القهقرى للحكم الديني الثيوقراطي الذي هزمته ومرغت أنفه في التراب ثورة ديسمبر التاريخية الحضارية.

أرى أننا يجب أن نعيد قراءة محتوى هذه الثورة التاريخية التي فجرها وتحمل تبعتها الشارع السوداني، فقد كانت رافضة للإسلاميين جوهرا ومظهرا ، ورافضة للطائفية، وللإثنية والعنصرية، وكانت مبشرة بدولة علمانية مدنية ديمقراطية كتلك التى ورثت الحكم البابوي الكنسي في أوروبا في القرن السادس عشر. إن الحكم الديني مجرد استهبال  وتواري خلف الحاكمية لله، ومجرد متاجرة بالشعارات الدينية، لتبرير القبضة الأمنية لحزب لا يمثل أكثر من خمسة في المائة من السكان، ليستفرد بالسلطة والثروة، ويسوم باقي الشعب خسفا كما فعل حزب الإخوان طوال الثلاثين سنة البائسة المنصرمة.

إذن، لا تصالح البتة مع هؤلاء الأبالسة، ولن تقوم لبلادنا قائمة ولن يتم قبولنا في المجتمع الدولي المتحضر ما لم نستكمل استحقاقات ثورة ديسمبر، وأهمها تفكيك دولة الكيزان اللابدة والكامنة بلا رحمة أو تردد أو تفلسف. لقد أرسل شعبنا نظام الكيزان إلى مزبلة التاريخ، وعلينا أن نرسخ بقاءهم بتلك المزبلة، وننطلق نحو بناء الدولة المدنية العلمانية العادلة والمسالمة الحديثة، لا أن نلتفت للوراء .

حرية.    سلام.    عدالة

مدنية خيار الشعب!

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق