أعمدة ومقالات

إهداء إلى القضاة المُعارضين لقانون مفوضية الإصلاح القانوني !!

نهدي إليهم هذا المقال وكانوا جميعهم وقتها قضاة عاملين بالمحاكم بمختلف درجاتها .

بقلم: سيف الدولة حمدناالله

ليس صحيحاً أن رئيس القضاء السابق محمد حمد أبوسن قد تقاعد بسبب بلوغه السن القانونية، فقد تجاوز الرجل سن التقاعد “65 سنة” قبل تعيينه في المنصب، فالسن ليست عائقاً أمام الإنقاذ، فرئيس القضاء الأسبق جلال علي لطفي كان قد شغل هذا المنصب وهو على فركة كعب من سن التسعين، كما شغل جلال محمد عثمان المنصب بشهادة تسنين مضروبة، بعد أن قام بتزوير شهادة العمر الخاصة به بدرجة من الغباء وعدم الإتقان بحيث جعل إلتحاقه بالقضاء وهو في سن السابعة عشرة عاماً فيما ينص القانون على أن تكون في حدها الأدنى الخامسة والعشرين.

كما أنه ليس صحيحاً أن أبا سن قد تقدم بإستقالته من تلقاء نفسه، فقد دفع الرجل ثمن خطأ رئيس المحكمة الدستورية بإشتراكه في أعمال هيئة التحكيم المختصة بالنظر في قضية التقاوي الزراعية الفاسدة، فما حدث أنه وبعد خروج رئيس المحكمة الدستورية من الغرفة التي حرر فيها إستقالته أمام رئيس الجمهورية بسبب تداول الصحافة للفضيحة، أرسل الأخير من يطلب من “أبوسن” أن يقوم هو الآخربتقديم إستقالته دون أن يكون للأخير أي دور في موضوع التحكيم، فقد ضاع “أبوسن” تحت الأرجل نتيجة ثورة الرئيس بسبب الفضيحة التي أصابت قضاء السودان بأيدي رجاله، ومثل هذا الفعل يُعرف في لغة العوام ب “حَرَاق الروح”، تماماً مثل الأب الذي يغضب ويثور فينزل على إبنه المخطئ بالكرباج ثم يواصل الضرب في إبنه البرئ دون ذنب منه، فالرئيس هو الذي أمر “أبوسن” ليقوم بدعوة المفوضية القضائية لإجتماع يتقدم فيه بإستقالته، كما أمر المفوضية بقبول تلك الإستقالة.

كما أنه ليس صحيحاً أن المفوضية القضائية هي التي رفعت إسم القاضي حيدر دفع الله بتوصية لرئيس الجمهورية ليقوم بتعيينه، فالرئيس هو الذي أمر المفوضية لترفع إليه التوصية بإسم حيدر دفع الله. (نورد تفسير ذلك في ذيل المقال).

الذي جاء بحيدر دفع الله لهذا المنصب هو أن حيدر تنطبق عليه كل المواصفات التي يريدها النظام في رئيس القضاء الذي يُناسب عصر “الوثبة”، فالرئيس يريد رئيس قضاء من خارج تنظيم الإخوان المسلمين ليبدو مستقلاً حتى يُخرس به لسان المعارضة ويخفي به أثر فضائح القانونيين الإسلاميين حتى تتلاشى من ذاكرة الأمة ، وفي ذات الوقت، يريد أن يكون من يشغل هذا المنصب شخصاً معروفاً لديه بما يجعله يحمل جميل التعيين على أكتافه، وقد وجد الرئيس ضآلته في مولانا حيدر أحمد دفع الله، فالقاضي حيدر ليس له في السياسة، وتربطه علاقة جوار بالرئيس بحكم إنحداره من نفس المنطقة (ريفي شندي) ، وقد نشطت هذه العلاقة عقب خيبة الأمل التي أصابت حيدر من عدم تعيينه في إحدى وظائف نواب رئيس القضاء التي تمت قبل بضعة أشهر.
كما أن مولانا حيدر دفع الله صاحب موهبة يُدركها الذين يعرفونه عن قُرب تجعله قادراً على تحقيق أي هدف يسعى إليه بالسهولة التي يشذّب بها شاربه، فقد إستطاع أن يدبّر لنفسه بعثة حكومية للحصول على الماجستير والدكتوراه في برنامج واحد متجاوزاً الذين سبقوه في الخدمة بعشرات السنين وهو لم يزل في اول سلم القضاء، ولكن – للإنصاف – ليس هناك ما يُحمل على الرجل من حيث نزاهته وأدبه وخلقه وتواضعه.

بيد أن السؤال الذي ينتظر الإجابة، هل يستطيع رئيس القضاء الجديد إصلاح القضاء وتفكيك الدولة العميقة التي خلفها وراءه رئيس القضاء الأسبق جلال محمد عثمان والتي تسببت في تدني وسقوط المستوى المهني والفني للقضاء وقعوده عن أداء دوره في حراسة القانون!! خاصة بعد خيبة الأمل في مولانا “أبوسن” الذي رفع الراية منذ البداية وإستسلم لدولة جلال وسمح له بأن يدير القضاء من منزله !! (كان “أبوسن” يصطحب معه جلال في زياراته الخارجية والداخلية، ويقدمه على نفسه في حضور المناسبات الرسمية، وقد عرض التلفزيون القومي شريط مصور ظهر فيه جلال وهو يقوم بقص الشريط لإفتتاح مباني الجهاز القضائي بالأبيض فيما كان رئيس القضاء يواليه بالتصفيق).

لقد أضاع أبو سن على نفسه فرصة أن يكتب إسمه في سجل التاريخ لمجرد محاولته عمل الإصلاحات التي تقع ضمن سلطته وإختصاصاته، ولكنه لم يفعل، فترك القضاء بالحال التي وجده عليها، والفرصة الآن متاحة لرئيس القضاء الجديد لأن يدخل التاريخ بإنتصاره للمبادئ والوطن على حساب الذين جاءوا به للمنصب، وذلك أن يقوم بإزالة العار والعوار الذي أصاب القضاء فيما يقع ضمن سلطاته وإختصاصه، ذلك أن تقاعسه عن فعل ذلك يجعله مسئولاً عن تلك المسالب بذات مقدار مسئولية من قام بها.

بالعودة للدور الذي تقوم به المفوضية القضائية، فهي تسمى كذلك كضرب من الخداع والتضليل، ذلك أن تشكيل المفوضية يجعلها إحدى أذرع الجهاز التنفيذي للدولة والحزب الحاكم ولا تتوفر فيها أدنى درجة من الإستقلال، فبحسب قانون ما قبل الإنقاذ، كانت عضوية مجلس القضاء العالي (المفوضية الآن) تقتصر على رئيس القضاء ونوابه ورؤساء الأجهزة القضائية ووزير العدل ونقيب المحامين وعميد كلية القانون بجامعة الخرطوم إلى جانب وزير المالية، أي خمسة عشر عضواً من داخل السلطة القضائية، وثلاثة ممثلين لمهنة القانون في مقابل عضو واحد من الجهاز التنفيذي.

أما بقانون الإنقاذ (2005)، فمعظم الذين تتشكل منهم المفوضية القضائية تابعين للجهاز التنفيذي والتشريعي للدولة، وليس من بين أعضائها من القضاة سوى ثلاثة هم رئيس القضاء ونائبيه، فهي تتشكل من رؤساء اللجان القانونية بالمجلس الوطني ومجلس الولايات (مؤتمر وطني)، وثلاثة أعضاء من ذوي الكفاءة يعينهم رئيس الجمهورية (مؤتمر وطني)، ووزير المالية (مؤتمر وطني)، ووزير العدل (مؤتمر وطني)، وعميد كلية القانون بجامعة الخرطوم (مؤتمر وطني)، وممثلين لنقابة المحامين.

وفي ذلك تفسير لما قامت به المفوضية من أعمال في تنفيذ رغبات الرئيس والتي تتصل بموضوع هذا المقال.

تبقى القول أنه وعلى الصعيد الشخصي، فنحن نحمل كل الود والتقدير لمولانا حيدر دفع الله، فهو زميل وصديق، ولا بد أنه يتفهم الدواعي التي جعلتنا نُغلظ في تناولنا لهذا الموضوع، ونأمل أن يجد فيه ما يُعينه على أداء مهمته مع دعواتنا له بالتوفيق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق