أعمدة ومقالات

ثورة السودان والسابقة القانونية الأهم

جعفر عباس

اعتاد العسكريون في دول العالم الثالث، على مدى نصف قرن، الإطاحة بأنظمة الحكم في بلدانهم ثم تنصيب أنفسهم حكاما عليها إلى أن يأتي عسكريون آخرون وينقلبون عليهم ثم قتلهم أو سجنهم، ولم يكن ذلك مستنكرا أو مستهجنا في المجتمع الدولي على مدى عقود طويلة، تقاسم خلالها الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة النفوذ في مختلف القارات، حيث كان كلاهما ضالعا في تدبير الانقلابات العسكرية، أو مناصرة من ينجح منها في الاستيلاء على السلطة.

نفي صفة الأسلمة

وفي معظم البلدان التي كانت ساحات للانقلابات والانقلابات المضادة، لم يحدث أن تعرض منفذو انقلاب ما للمساءلة القانونية، بعد الإطاحة بهم وبقائهم أحياء، من زاوية أنهم خرقوا دساتير سبق أن أقسموا على الدفاع عنها، بينما كانت المساءلة والمحاسبة العسيرة جزاء من تفشل محاولاتهم الانقلابية في أطوارها المبكرة.

في الثلاثين من (يونيو) من عام 1989 نجح انقلاب دبرته الجبهة الإسلامية القومية في الإطاحة بحكومة الخرطوم المنتخبة، وتأسيس نظام عسكري فاشي شاع فيه الظلم والفساد والفقر، لأن هاجس كل نظام حكم انقلابي هو الدفاع عن النفس في مواجهة من انقلب عليهم، أو كل من يتوجس بأنهم يعارضونه، فكان أن أبعد الانقلابيون زهاء ثلاثمائة ألف شخص من وظائفهم المدنية والعسكرية وإحلال موالين لهم مكانهم، فانهارت أنظمة الخدمة المدنية بعد أن آلت أمورها لأشخاص يفتقرون للمؤهل والخبرة والكفاءة.

بعد أن تسلم زعامة حركة الإخوان المسلمين في السودان في أواسط ستينيات القرن الماضي، عمد الدكتور حسن الترابي إلى فصم كل العرى مع التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وفي سبيل ذلك أطلق على جماعته اسم جبهة الميثاق الإسلامي، وفي منعطف سياسي ثانٍ في تاريخ السودان الحديث اختار لها اسم الجبهة القومية الإسلامية، وبعد أن نجحت الجبهة في الاستيلاء على السلطة قرر إبعاد “شبهة الأسلمة” عنها فصارت المؤتمر الوطني، ولما انقلب عليه قيادات المؤتمر الوطني من العسكريين مدعومين ببعض تلاميذه من المدنيين، أسس “المؤتمر الشعبي”، متفاديا أسْلَمَته مجددا.

اعتقال البشير

ويخضع الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير حاليا للمحاكمة متهما بالثراء الحرام وغسل الأموال، بعد ضبط بضعة ملايين من الدولارات الأمريكية في منزله عقب سقوطه، واستنكر كثيرون أن تتم محاكمته على جرم “بسيط”، وهو المسؤول الأول عن الانقلاب على الدستور ومذابح إقليم دارفور وخراب الاقتصاد وإعدام العشرات دون محاكمات، ولكن لم يكن من بُدٍ في ذلك، لأن الحكومة الانتقالية التي تولت شؤون السلطة التنفيذية بعد سقوط البشير، والتي جاءت عقب ثورة رفعت شعارات الحرية والسلام والعدالة، لم تشأ خرق القانون الذي يقضي بعدم جواز احتجاز أي شخص لمدة مفتوحة تحت أي ذريعة، ما لم يكن يواجه اتهاما بموجب القوانين السارية، فكان أن شرعت في مقاضاته بذلك الجرم البسيط، والذي بمقتضاه تستطيع الإبقاء عليه حبيسا، إلى حين جمع المعلومات والبيِّنات، واستكمال التحقيقات حول قضايا كبيرة وشائكة تراكمت وتفاقمت بنودها وعناصرها على مدى ثلاثين سنة.

وبموازاة المحاكمة بجُرم اكتناز المال العام بغير وجه حق، شرعت النيابة العامة في التحقيق مع البشير ومن شارك معه من المدنيين والعسكريين في تنفيذ الانقلاب الذي جرى في آخر (يونيو) من عام 1989، والذي أتى به رئيسا للبلاد، ومعلوم أن عسكريين من غير أعضاء الجبهة الإسلامية شاركوا في الانقلاب، وصاروا أعضاء في مجلس قيادة الثورة (الجسم الجماعي الممثل لرئاسة الدولة) ثم استبانوا الأمر بعد شهور قليلة من تسنُّمهم لتلك المناصب فاستقالوا منها، ولكنهم يخضعون حاليا للاستجواب بوصفهم شركاء في جرم الانقلاب على الدستور، وعطفا على ذلك في كل الأخطاء التي ارتكبها النظام الذي ترتَّب على الانقلاب.

عندما سقطت أول ديكتاتورية عسكرية في تاريخ السودان بفعل ثورة شعبية في (أكتوبر) من عام 1964، عارض أحد أبرز رموز تلك الثورة، حسن الترابي، محاكمة العسكر بتهمة الانقلاب، فأفلت منفذو انقلاب عام 1958 من العقاب، وعقب الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بديكتاتورية جعفر نميري في عام 1985، تعذّرت محاكمته ومن شاركوا معه في الانقلاب على الحكومة المنتخبة في عام 1969، لأن نميري ظل مقيما في القاهرة منذ سقوطه، ورفضت حكومة حسني مبارك تسليمه للخرطوم.

سابقة قانونية

التحقيق الذي يخضع له عمر البشير ومن شارك معه من مدنيين وعسكريين في انقلاب عام 1989 يؤسس لسابقة قانونية شديدة الأهمية، فقد ظل العرف السائد في دول العالم الثالث التي شهدت ديكتاتوريات عسكرية عديدة أن يقوم من ينجح من العسكريين في الوصول إلى السلطة بالتصفية الفورية لمن انقلب عليهم، وهكذا شهدت بلدان مثل العراق وسوريا ونيجيريا شلالات من الدماء في الساعات الأولى من تحرُّكِ عسكريين ضد حكم عسكري أو مدني.

السابقة القانونية التي يجري التكريس لها في دهاليز دور العدالة في السودان رسالة إلى جميع الطامحين إلى السلطة عبر فوهة البندقية، بأن حنثهم بقسم المحافظة على الدستور واستخدامهم قوة السلاح للاستيلاء على السلطة جريمة في مرتبة الخيانة العظمى تجرُّ على مرتكبها أقصى أنواع العقوبات، في ظل نظام قضائي مدني عادل.

وبذلك يدرك كل عسكري تسول له نفسه الاستيلاء على السلطة بليل أنه بذلك يرتكب جريمة لا تسقط بالتقادم، فها هو البشير الذي ظل حاكما بأمر نفسه لثلاثين سنة، وقدم نفسه لشعبه على أنه ظل الله على الأرض، يواجه تهمة عقوبتها الإعدام لكونه صار حاكما بأمر نفسه، فـ “انج سعد فقد هلك سعيد”.

(نقلا عن موقع عربي 21)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق