تقارير وتحقيقات

بري في عيد الثورة.. الشهود يحكون قصص الشهداء ويوثقون بطولات “الكنداكات”

التغيير – شوقي عبد العظيم

بالأسلوب الخاص والنضال الجماعي حجزوا لأنفسهم موقعا خاصا في قلب الثورة “ثوار بري” أو “أسود البراري” ومنذ “الزغرودة” الأولى في عمر الثورة أخذت بري وأهلها قضية الثورة على محمل الجد، وأصبحت المعركة بالنسبة لهم نهايتها النصر أو النصر اسمع صباح سيدة من سكان بري تقول ل(التغيير) ” لو كان الناس كلها تراجعت عن الثورة وتجمع المهنيين قال خلاص ارجعوا بيوتكم ناس بري كان ح يستمروا لمن يسقط عمر البشير” (التغيير) زارتهم في عيد الثورة لتسمع القصة برواية جديدة فكانوا في كامل الاستعداد

الاستعداد على جدول المهنيين

” كنا نستعد حسب جدول المهنيين نصنع الطعام ونجهز الماء والعصير” هذه عبارات الحاجة سعاد مصطفى، تجاوزت الستين بقليل، عدد كبير من الثوار في بري احتموا بدارها من عصي أفراد الأمن الغليظة ومن الغاز الحارق للعيون وربما من رصاصهم الحي، قالت سعاد” نحن أقرب شارع من ميدان الدرايسة حيث تنطلق الثورة، لذا فتحنا البيبان ليدخل الثوار وبالذات البنات وأنا من يخرج لمواجهة ناس الأمن والشرطة لو حاولوا دخول البيت” تقول سعاد انها لم تكن وحدها وأن جميع البيوت تفتح وربات البيوت يتحضرن لاستقبال الثوار وحمايتهم وتقديم الطعام والشراب لهم، وتضيف ” لم يكن الثوار من أبناء بري فقط كانوا من كل الخرطوم بعضهم يبقى معنا إلى بعد صلاة العشاء ليطمئن بأن العساكر غادروا ثم يذهبوا إلى بيوتهم وكانوا أولاد وبنات”

اطفال وتياب للتمويه

في عيد الثورة تبدل الحال من الغضب والمأساة  إلى الزهو والشعور بالانتصار، ولم تبقى الأحزان وحدها لتروى ولكن هنالك طرائف ومواقف حرجة، صباح عبد الرحيم تقول ” للتمويه والإفلات من  الاعتقال كان على الكنداكات لبس ” تياب البيت” ويخرجن كأنهن من بنات الحي وفي مرات يحملن الأطفال الصغار على انهم اطفالهن ولم يعترضهن أفراد الأمن” في عيد الثورة حكايات ومواقف مازالت رطبة أصبحت للتسلية والتندر والعبرة، ولكن الحقيقة الأكيدة أنهم في بري واجهوا عسفا شديدا من النظام السابق وقوات أمنه وكتائب ظله والكل يذكر مقطع الفيديو الشهير عندما دخلت قوات الأمن ميدان الدرايسة في بري معلنة تحديها لشبابها وأهلها العزل والذين انتصروا بسلميتهم وعزيمتهم في آخر المطاف.

ويقول منذر عوض” منذ الأيام الأولى من الثورة استهدفونا في بري وكانت تاتشرات الأمن تتمركز حولنا وفي ميدان الدرايسة وكانت المظاهرات لا تنتهي عندنا أبدا و خرجنا ليل نهار حتى أجبرناهم على المغادرة ومضى يحكي ” في مرة تجمع عدد من أفراد الأمن جوار بائعة شاي عند سوق (4) وأوقفوا سياراتهم المحملة بالسلاح وقاذفات البمبان وأخذوا يلعبون الليدو في الهاتف، غادر شباب بري المكان ولكنهم تنادوا واحضروا نبالا مصنعة بطريقة خاصة ووضعوا فيها “بلي” حديد بدلا من الحجارة وتخبوا واطلقوها عليهم، أصابهم الهلع وتفرقوا وأطلقوا قنابل صوتية وغادروا فورا ولم يعودوا أبدا”

.للمأساة نصيب..”دراستي تأثرت”

صديق ويوسف ومحمد وفتيان آخرون من أبناء بري كانوا على أعتاب الجامعة، عليهم أن يجتازوا امتحان الشهادة السودانية وينطلقوا نحو مستقبلهم غير أنهم إختاروا مستقبل الوطن  أو وجدوا انفسهم في ظرف الثورة التاريخي، صديق علي صديق لم تكن مشاركته في الحراك وحدها سببا في أن لا يحقق تفوقا في الامتحان ولكن كذلك تعرض لحادث اعتداء كان له دور كبير في أن لا يكون ضمن طلاب الجامعة هذا العام وقال صديق لـ(التغيير)  ” نتيجتي تأثرت بالحادثة وكل ماذهبت للمسجد تذكرت ذلك اليوم ” ومضي يحكي التفاصيل ” كنا نجلس في المسجد القريب من ميدان الدرايسة كنا أربعة من الشباب، فجأة دخل علينا عساكر يحملون عصي وبعضهم يحمل بنادق كلاشنكوف وبدأوا في ضربنا حاولت الهرب إلا أنني في الخارج وجدت أعدادا أكبر أمسكوا بي واستمروا في ضربي، ضربوني في أي مكان في جسمي بالعصي في ظهري وفي وجهي وفي أي مكان كانوا يضربون بعنف، وبقيت في التاتشر لوقت طويل ويتحركوا بنا من مكان لآخر وفي كل مرة يضربوننا ويشتمونا، قلت للملازم أنا طالب وممتحن شهادة كان رده نحن أميين ما بنعرف امتحان شهادة وفي المساء قالوا لي انزل كنت في حالة سيئة نتيجة للضرب، في الطريق قابلت أولاد من بري حملوني للمنزل” صديق قال أنه كل ما ذهب للمسجد تذكر تلك الحادثة وأكد أنه لم يقوى على المذاكرة والتركيز على الدروس وخاصة أن الامتحان كان بعد أقل من أسبوعين من الحادثة، ولكنه في آخر المقابلة ” لكن الحمدلله حققنا ما نريد”

(17) يناير .. قُتل أبوبكر وأصيب معاوية

ظل يوم الخميس مميزا في بري طوال عمر الثورة إلى ان اعتصم الناس أمام القيادة العامة، في كل خميس بحسب جدول تجمع المهنيين ترتفع سحابات الدخان من جهة بري بسبب الإطارات المحروقة وعبوات البمبان التي يقذفها الكجر، و يحتشد آلاف الثوار في شوارعها وأزقتها الضيقة، وفي كل يوم وكل خميس تشهد بطولات وبسالة في مواجهة آلة القمع والموت، غير أن يوم الخميس (17) يناير كان فريدا في التضحية والاستبسال والشجاعة يقول حسن – من لجنة المقاومة- ” كنا نستعد عبر هواتف وحسابات من خارج السودان، التنسيق في القروبات الخاصة بالثوار ومع آخرين خارج بري” ومضى قائلا ” في كل مرة ننجح أكثر ، ونفهم طريقة قمع الثورة إلا أن الذروة كانت في خميس 17 يناير

المشهد الشهير في ميدان الدرايسة، وبعد أن يقهر الثوار قوات الأمن وكتائب الظل، يتموضع القناص ويطلق الرصاصة على عين الشهيد النمير، ويسقط والعالم كله ينظر ويخرج صلاح قوش ويقول أن البنت أخرجت بندقية كان أول حادث في يوم (17) يناير ويقول وبعدها قتل الطبيب بابكر وأصيب معاوية، ويقول حسن ” في ذلك اليوم قهرنا قوات الأمن ولكن كان ظنهم أن القتل والقمع بالسلاح سيخيف الثوار” ومضى يحكي ” سمعنا جلبة شديدة وسرت أنباء أن طبيب أصيب، تحركنا إلى مكان الجلبة وجدنا الطبيب بابكر محمولا على أيدي الثوار أسعف إلى مستشفى رويال كير ولكنه فارق الحياة بعد أن دفع حياته ثمنا للنصر” لم ينتهي اليوم إلا أن أصيب معاوية شهيد بري وهو يدافع عن البنات الثائرات، وبعد أن رفض أن يسمح للكجر أن يدخلوا الدار أطلقوا عليه النار أسعف للمستشفى وفي فجر اليوم التالي فارق الحياة وترك أيضا ذكرى تفتخر بها أسرته ونفتخر بها في بري

بري في عيدها

مدن السودان انتفضت وكل رقعة فيه، وكل مدينة وأخرى رسمت لها ملامح وخطت لها اسلوبا  أيام الثورة ستتذكرها كلما عاد عيد الثورة المجيدة، ولكن بري كانت الأعلى صوتا لأنها على مسافة قريبة من القصر الجمهوري ومن وسط الخرطوم وكانت الأنظار موجهة عليها، بري في عيد الثورة اكتست شوارعها بإنارة جديدة وأشجار أمام المنازل والطرقات إلا ان العبارة الرائجة في عيد الثورة في بري ” الثورة لم تكتمل الثورة مستمرة “

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق