تقارير وتحقيقات

فساد في تعيين قضاة وتجاوزات في معهد العلوم القضائية والقانونية السوداني

تحقيق: شوقي عبد العظيم 

أقرّ إداريون بمعهد العلوم القضائية والقانونية بتعيين قضاة ضمن طاقم المعهد بطريقة غير سليمة، وأنهم بصدد مخاطبة المجلس السياديّ بشأن تعيينهم.

وكشف تحقيق استقصائي لـ(التغيير الإلكترونية) عن تجاوزات مالية وإدارية بالمعهد، من بينها تجاوزات في ضوابط الشراء والتعاقد إضافة إلى شراء النقد الأجنبي من السوق السوداء.

قضاة “خبرات” دون استيفاء الشروط

القضية التي دفعتنا للتنقيب في دهاليز معهد العلوم القضائية والقانونية، هي قضية تعيين خمسة قضاة غير مستوفين لشروط التعيين كقضاة خبرات، للدرجة التي يرى خبراء قضائيون أن تعيينهم فساد صريح، والقضاة الخمسة في الأصل كانوا يعملون كباحثين قانونيين في معهد العلوم القضائية، رغم أن الوظيفة غير موجودة في الهيكل الوظيفي للمعهد، وبعضهم كان في وظائف إدارية قبل أن يشغل وظيفة باحث قانوني ويعيّن بعدها كقاضي خبرات، وتم تعيينهم في كشف واحد في درجات مختلفة، ومنهم من تم تعيينه قاضي محكمة عامة وفي الدرجة الثالثة، والدرجة الثانية، ولكنهم جميعاً اشتركوا في أن تعيينهم كان كقضاة خبرات، وتتجاوز تهمة تعيينهم المعهد إلى القضائية نفسها، وفعلياً حمّلت إدارة المعهد في إفادتها لـ(التغيير) مسؤولية تعيينهم للقضائية، وقالت عميدة معهد العلوم القضائية والقانونية لـ(التغيير): “ليس للمعهد سلطة في تعيين القضاة، هذا حقّ القضائية ورئيس القضاء، وهو من قام بتعيينهم”.

وقبل أن نورد تفاصيل كل واحد من القضاة الخمسة، وملابسات تعيينه، من المهم أن نشير إلى أن تعيين قضاة الخبرات يتم في ظروف استثنائية ووفق شروط محددة أهمها الفترة الزمنية التي أمضاها قاضي الخبرة في العمل القانوني ولا تقل حسب قانون 1986 عن (12) عاماً على الأقل، تُحسب من اجتياز امتحان مزاولة مهنة القانون (المعادلة)، إضافة إلى الكفاءة حسب القانون.. ولكن ماذا حدث في تعيين قضاة بمعهد علوم القضاء؟ هذا سنجيب عنه بالمستندات والتفاصيل.

خبرات في (8) أشهر 

البداية من محمد سر الختم صالح علي، وهو أحدثهم في التخرج وفي اجتياز امتحان مهنة القانون.. محمد سر الختم تخرج في عام 2016، وجلس لامتحان مهنة القانون في مارس 2017 غير أنه لم يجتز الامتحان وجلس مرة أخرى في ديسمبر 2017 امتحان الملاحق، واستطاع هذه المرة الحصول على إجازة ممارسة مهنة القانون لكنه لم يفعل كما قال القانون الذي يلزم من يجتاز الامتحان بالتدريب لمدة سنة في مهنة المحاماة ومهنة القانون متفرغاً بالكامل، وتم تعيينه مباشرة في سبتمبر من عام 2018 قاضي خبرات في الدرجة الثالثة، دون المرور بدرجة مساعد قضائي كغيره من القضاة وهي درجة يتدرب فيها القاضي في المحاكم.. ولكن حكاية محمد سر الختم لم تبدأ مع معهد العلوم القضائية من هذه الوظيفة، فقد قامت سوسن سعيد المعروفة بـ”سوسن شندي” بتعديل وظيفته مرتين في خلال شهور معدودة وهو في الأصل عُيّن في معهد العلوم القضائية موظف خدمة مدنية، قبل أن يتخرج في الجامعة وعند تخرجه في عام 2017 قام المعهد بترفيع درجته من موظف خدمة مدنية إلى وظيفة باحث قانوني بعد أن تقدم بطلب لعميدة المعهد وقبلته فوراً وكان ذلك في مايو من 2018، إلّا أنه وبعد ثلاثة أشهر طُلب منه تقديم استقالته من وظيفة باحث قانوني حتى يتم تعيينه قاضي خبرات في الدرجة الثالثة، وفعلاً تقدم بها مرة أخرى لمولّانا سوسن وقبلتها فوراً لأنها كانت بترتيب مع إدارة المعهد، وتم تعيينه قاضياً يلتزم المعهد بدفع راتبه ومخصصاته. 

اتصلت (التغيير) بمحمد سر الختم وواجهته بطريقة تعيينه وأنه غير كفء للوظيفة، وأن هناك شبهة فساد في تعيينه قاضي خبرات في الدرجة الثالثة وهو حديث تخرج ولا تنطبق عليه المعايير، وأن معاملته بمحاباة تعود إلى أن والده سر الختم صالح قاضٍ معروف وتقلد مناصب مهمة في السلطة القضائية من بينها مفوضية شؤون الخدمة القضائية.. محمد سر الختم وعد بأنه سيرد على هذه الاتهامات، إلا أنه لم يفعل ورفض مقابلتنا أو الرد على الهاتف بعدها. 

تعليقاً على تعيين محمد سر الختم قال قاضٍ سابق – طلب حجب اسمه- بعد أن اطّلع على المستندات أن تعيين محمد غير سليم ويرقى لدرجة الفساد وقال: “هذا أسرع تعيين قاضي خبرات في الدرجة الثالثة في تاريخ السلطة القضائية، وهذا فساد، وما كان لرئيس القضاء السابق حيدر دفع الله أن يفعل ذلك ولا أن تقبل سوسن بتوفيق أوضاع موظفيها بهذه الطريقة”.

سألنا عميدة المعهد مولانا سوسن سعيد عن تعيين محمد ورفاقه في كشف قضاة الخبرات دون أن تنطبق عليهم الشروط ولم يحققوا الكفاءة المطلوبة للوظيفة وأن هناك شبهة فساد في تعيينهم، وكانت إجابتها مهمة جداً في مجريات هذا التحقيق، ولا نخفي عليكم أنها كانت مدهشة، وسنفرد لها فقرة منفصلة بعد أن نفصّل في طريقة تعيين رفاق محمد في الكشف.

قاضٍ.. وحاسوب وإعلام

لا تختلف سيرته وملابسات تعيينه كثيراً عن سابقه، فقد تم تعيين عبد الله الطيب عوض قاضي خبرات في الدرجة الثالثة، ووالده إداري معروف في السلطة القضائية خدم فيها وقتاً طويلاً ويحصل على راتب معاشي منها.. تخرج في الجامعة المفتوحة في عام 2015، وقبل أن يتخرج كان موظفاً في القضائية ثم موظفاً وباحثاً قانونياً في معهد العلوم القضائية، واجتاز عبد الله امتحان مزاولة مهنة القانون (المعادلة) في 2016، وبعد عام ونصف العام تقريباً تم تعيينه ضمن الكشف الشهير قاضي خبرات في الدرجة الثالثة، وتحديداً في سبتمبر 2018، متجاوزاً التدريب ووظيفة مساعد قضائي بعد أن تقدم باستقالة “صورية” لعميدة المعهد مولّانا سوسن شندي كما فعل رفاقه الآخرون.

المفارقة المدهشة أن عميدة معهد العلوم القضائية مولّانا سوسن سعيد شندي، بعد قرار تعيين عبد الله الطيب قاضي خبرات في الدرجة الثالثة في يوم 24 سبتمبر 2018، أصدرت قراراً في يوم 25 – أي بعد يوم واحد فقط– عيّنت بموجبه عبد الله الطيب مشرفاً على قسم الحاسوب والإعلام بدلاً عن أن ترسله للتدريب في المحاكم، وكان يمكن الاستعانة بموظف متخصص في الحاسوب أو الإعلام، الأمر الذي يؤكد أن تعيينهم قضاة كان مقصوداً لذاته ولا علاقة له بالحاجة أو خلافه.

رغم أن عبد الله هو مسؤول الإعلام في معهد العلوم القضائية، إلا أنه عند مقابلته رفض الحديث لـ(التغيير) عن ملابسات تعيينه متحججاً بأنه يحتاج إلى خطابات رسمية قبل أن يتحدث.

حالة خاصة.. تعيين بلا معاينات

هذه الحالة بالغة الأهمية، وهي نموذج يشرح بوضوح ما يجري في معهد العلوم القضائية، ومن قبله ما يحدث في القضائية.. ومنال صديق علي حالة خاصة لأن المخالفة في حالتها ربما لا تنحصر فقط في تعيينها ضمن كشف الخمسة الكرام، ولكن هناك مخالفات أخرى وعلامات استفهام تحتاج إلى توضيح.

 قبل كل شيء منال صديق تخرجت في جامعة السودان المفتوحة في عام 2014، أي درست القانون وحصلت على شهادة عن طريق التعليم عن بعد، وحصلت على شهادة إجازة مزاولة مهنة القانون في 2016، وفي ذات العام أي بعد أشهر من شهادة المعادلة تم تعيين منال باحث قانوني في معهد العلوم القضائية، ولكن قبل أن تتجاوز العامين في وظيفتها الجديدة تم تعيينها قاضي خبرات في درجة الثالثة ، وأيضاً منال تقدمت باستقالة “صورية” إلى عميدة المعهد سوسن شندي وقبلتها تمهيداً لتعيينها قاضي خبرات. 

كما أسلفنا نموذج منال شديد التعقيد، فمنال حسب ملف التعيين تقول إنها من مواليد 1963، وهنا يقوم سؤال منطقي: هل من الممكن أن تُقبل وهي في العقد الخامس في مدخل الخدمة المدنية؟ ولكن مشكلة تاريخ الميلاد لا تنتهي عند هذه النقطة، لأن في ملف منال شهادة تقدير عمر بلجنة طبية جاء فيها أن منال من مواليد 1969، لكن في كشف التعيين “قاضي خبرات” وفي الرقم الوطني منال من مواليد 1/1/1963.

دائماً تردد منال أنها حصلت على الماجستير والدكتوراه، وعندما واجهتها (التغيير) بأن تعيينها غير سليم قالت إنها “حاصلة على ماجستير ودكتوراه في القانون” ولما بدا الأمر مستغربا لجهة أنها تخرجت في 2014، سألناها عن الجامعة التي حصلت منها على الدكتوراه فتراجعت وقالت إنها في مرحلة المناقشة، بينما لم نجد شهادة الماجستير في ملفها بمعهد العلوم القضائية. 

وفي مرافعتها والدفاع عن تعيينها قاضي خبرات في الدرجة الثالثة قالت منال لـ(التغيير) إن تعيينهم جاء بناء عن تقارير أداء رفعت بواسطة عميدة المعهد سوسن شندي قالت فيها أن أداءهم متميز، وقالت: “لم ندخل معاينات ولكن عميدة المعهد كتبت تقارير قالت فيها إننا مميزون، لذا قام رئيس القضاء بتعييننا”، وأكدت أنهم في الأصل باحثون قانونيون، رغم أن منال لم تمضِ في وظيفة باحث سوى أشهر معدودة.

العرض مستمر 

تبقى في الكشف اسمان، أروى نجم الدين حامد بشير وآمنة إبراهيم صباحي.. أروى اجتازت امتحان المعادلة في 2013 ولم تفلح في أن تدخل إلى الخدمة القضائية من عتبة مساعد قضائي، ولكن الفرصة سنحت بينما هي في معهد العلوم القضائية كباحث قانوني، وأروى تميزت على الثلاثة الذين سبق ذكرهم بأنها عينت قاضي خبرات في الدرجة الثانية بدلاً عن الثالثة، تقديراً لتقدُّمها عليهم بثلاث سنوات منذ حصولها على رخصة مزاولة القانون.

أما آمنة صباحي فهي أكثرهم خبرة، لجهة أنها حصلت على رخصة مزاولة المحاماة في 1986، وعملت محامية لسنوات، لذا تمّ تعيينها في الكشف في درجة قاضي محكمة عامة مباشرة، وأيضاً كانت في وظيفة باحث قانوني في المعهد إلى أن شملها التعيين كقاضي خبرات في الدرجة العامة.

مولّانا سوسن تقرّ وتتبرأ

ذكرنا في فقرة سابقة من هذا التحقيق أنَّ إفادات عميدة المعهد سوسن شندي مهمة في مجريات هذا التحقيق ووصفناها بالمدهشة، وقبل أن نفصح عنها يجب أن نشير إلى أن سوسن تم تعيينها من قبل الرئيس المخلوع عمر البشير بتوصية من رئيس القضاء، وعينها لأن المعهد يتبع لرئاسة الجمهورية، إلا أن بعض القانونيين يرى أن الاتفاق أن التوصية بتعيينها كان يجب أن تأتي من مجلس إدارة المعهد وهذا ما اتُّفق عليه على حسب زعم قضاة، إلا أن رئيس القضاء الأسبق حيدر دفع الله لأسباب لا يعلمها أحد على الأقل حتى الآن أوصى بذلك.

وبالعودة إلى تصريحات سوسن شندي، مديرة معهد العلوم القضائية.. فقد ذهبنا إليها في موعد مضروب وكانت على علم بأننا ننقب حول تعيين قضاة الخبرات الخمسة، لذلك وجدناها متحضرة ومستعدة للإجابة عن الأسئلة المتعلقة بهذا الملف بل رتبت خطة دفاعها، غير أنها لم تكن تعلم أننا عثرنا على مستندات تؤكد تجاوزات في مسائل أخرى.

الإجابة المدهشة التي حصلنا عليها من مولّانا سوسن، تمثلت في إقرارها بأن تعيين هؤلاء الخمسة غير سليم وقالت: “عرفت بحضوركم للمعهد بخصوص تعيين خمسة قضاة خبرات، وفي الحقيقة راجعنا تعيينهم بعد المعلومات التي ذكرت، وهناك خطأ في تعيينهم، وسأخاطب المجلس السيادي بشأنهم ونخبرهم بأن القضائية قامت بتعيين قضاة وانتدابهم للمعهد، وأن تعيينهم غير سليم”، أي أن سوسن تعترف صراحةً بأن التعيين غير سليم، لكنها تلقي باللائمة على القضائية. 

سألناها: لماذا لم تعترض منذ يوم تعيينهم، فقالت: “الذي قام بتعيينهم رئيس القضاء السابق حيدر دفع الله وهو بين يدي الله اليوم، ولا يمكن أن نعترض على قرار رئيس القضاء، والمعهد ليس لديه الحق في تعيين قاضٍ، هذه سلطة رئيس القضاء”.

باختصار كان خطّ دفاع مولّانا سوسن ومرافعتها تتمحور حول أنها اكتشفت خطأ تعيين الخمسة وأنها ستخاطب المجلس السيادي– لأنها تتبع لرئاسة الجمهورية- بخصوص مراجعة وتصحيح تعيين هؤلاء الخمسة وأنها لا علم لها قبل ذلك بأن تعيينهم كان بطريقة غير سليمة.. ولكن هل كانت مولانا سوسن شندي صادقة في ما قالت؟

هل تعلم سوسن.. من أين أتى هؤلاء؟

أحد المصادر في معهد العلوم القضائية، كانت له رواية مختلفة تؤكد أن سوسن تعلم كل شيء، وقال: “تعيين الخمسة قضاة خبرات كان جزءاً من حلّ مشكلة الباحثين القانونيين لأن وظائفهم غير موجودة في هيكل المعهد، وسوسن من سعت لحل المشكلة بهذه الطريقة”. وأكدت سوسن نفسها هذه النقطة في حديثها لـ(التغيير) وقالت إنهم في الأصل كانوا باحثين قانونيين في المعهد وكان عددهم (15) ولم يكونوا ضمن الهيكل، وفي اجتماع ضم رئيس القضاء ووزير العدل والنائب العام تم الاتفاق أن يستوعب كل واحد منهم خمسة من العدد الكلي.. رئيس القضاء الأسبق حيدر دفع الله التزم بالاتفاق- على حدّ قول سوسن- وقام بتعيين الخمسة قضاة خبرات بينما لم يلتزم وزير العدل ولا النائب العام، ليبقى (10) باحثين قانونيين إلى اليوم رغم أن وظائفهم غير موجودة في الهيكل الوظيفي.. وسألنا لماذا تم اختيار هؤلاء” الخمسة” دون غيرهم من الكشف الذي يضم (15) من الباحثين، فلم نحصل على إجابة واضحة.

وقال المصدر: “وزير العدل والنائب العام اكتشفا أن الطريقة غير سليمة لذا لم يلتزما بتعيين حصتهما، رغم أن المعهد التزم بدفع رواتبهم لمدة عام، إلا أن حيدر دفع الله كان حريصاً على تعيين هؤلاء الخمسة”.

وكشفت المستندات عن معلومات خطيرة تضعف رواية عميدة المعهد سوسن شندي بشكل كبير، وفضلاً عن أن سوسن من وقّع الاستقالات “الصورية” التي تمهد الطريق لتعيينهم قضاة، فقد كشفت المستندات كذلك عن أن سوسن ساهمت بقدر كبير في زيادة مشكلة الباحثين القانونين، لجهة أنها من قام بترفيع عدد منهم من وظيفة متواضعة في مدخل الخدمة المدنية إلى وظيفة باحث قانوني، ومنهم من هو ضمن “الخمسة”، وبين أيدينا نموذج محمد سر الختم وعبد الله الطيب ومنال صديق، وهذا يؤكد في ذات الوقت شبهة التمييز والمحاباة حسب المصادر، إذ يعتقد عدد ممن تحدثوا إلى (التغيير) أن إجراء ترفيعهم كان مقصوداً، وقال مصدر: “عندما تم ترفيع هؤلاء كانت مشكلة الباحثين القانونيين في المعهد قائمة أصلاً، ولكن هناك من رأى أن يكونوا ضمن المشكلة تحسباً لتوفيق الأوضاع في المستقبل وقد كان”.

قطعاً تعيين قضاة خبرات بالطريقة التي كشف عنها هذا التحقيق ستمس قداسة السلطة القضائية برمتها، ولكن سننتظر رد المجلس السيادي على خطاب عميدة المعهد سوسن سعيد شندي.. وسننتقل في الفقرات المقبلة للتجاوزات التي عثرنا عليها بين دهاليز المعهد خلال بحثنا في قضية تعيين القضاة.

دولار أسود.. سوسن تقرّ مرة أخرى

كلّ من تحدث لـ(التغيير) من داخل المعهد ومن خارجه كان يلمح ويشير إلى أن مولّانا سوسن كثيرة الأسفار الخارجية، وفعلاً عندما طلبنا مقابلتها أول مرة كانت خارج السودان، وربما هذا أمر عادي ضمن متطلبات عملها ووظيفتها، لكنهم جميعاً أشاروا إلى أمر خطير وهو أن سوسن تحصل على الدولار من السوق السوداء لتغطية نفقات أسفارها الخارجية.. وللتحقّق من هذه المسألة بادرنا بسؤالها عن الجهة التي تخاطبها عندما تقرّر المشاركة في الفعاليات الخارجية هل تخاطب مجلس الوزراء أم القضائية أم رئاسة الجمهورية أم مجلس السيادة الحالي؟ وكانت المفاجأة الأولى، فسوسن حسب إفادتها لا تخاطب أية جهة رغم تبعيتها لرئاسة الجمهورية- واحدة من المشاكل أن معهد العلوم القضائية يقع في منطقة رمادية- ثم توجهنا بالسؤال المقصود: كيف تحصلون على الدولار من بنك السودان حال لم تخاطبوا جهة معينة؟ قالت: “ننفق على السفر من ميزانية المعهد، ولديه ميزانية منفصلة من وزارة المالية”.. هناك من قالوا إنكم تقومون بشراء الدولار من السوق السوداء؟ فجاء ردها بسؤال ومع نبرة حادة “وماذا نفعل؟ الدولة ما عندها دولار نترك المشاركة باسم السودان؟”.. هل هذا مبرر لخرق القانون واللوائح؟.. جاء ردها بتأكيد ضرورة مشاركة السودان في المحافل الدولية وأيدها من كانوا حضوراً للقاء مؤكّدين ضرورة المشاركة والتدريب، مستشهدين بعجز الحكومة عن توفير عملات صعبة لأسفار عميدة المعهد ومن معها، الأمر الذي يدفعهم لشراء الدولار من السوق السوداء من ميزانية معهد العلوم القضائية.

شراء “كيري”

هنالك قوانين ولوائح تحكم الشراء والتعاقد في الدولة، وقطعاً من وضع القانون واللائحة قانونيون، ولكن تكشّف لنا أن القانونيين في معهد العلوم القضائية لا يتقيدون بهذه اللوائح، إذ كشفت مستندات عن شراء عربات دون التقيد بقانون الشراء والتعاقد، ومن بين المستندات التي حصلنا عليها شراء سيارة “بوكس” موديل (2014) للمعهد، المستندات تقول إن شراء (البوكس دبل كاب رقم الشاسي” 2034919)، كان من مركز تجميع سيارات يعمل في بيع العربات المستعملة وكان وكيله محمد بشير- ورد اسمه في العقد بصفة مورد للعربة- وقيمتها “فقط واحد مليون وأربعمائة وخمسون ألف جنيه لا غير”.. ومن المستندات، تبيّن أن توثيق عقد البيع تم في مكتب محاماة في السوق.. وفي المقابلة مع إدارة المعهد قالوا إن لجنة الخدمات والشراء والتعاقد في القضائية هي التي باشرت إجراءات الشراء وأعدت تقريراً عن العربة وأوصت بشرائها، وطلبنا أن نطلع على تقرير لجنة الخدمات من القضائية، ووافقت إدارة المعهد لكن لم يتم العثور عليه، ووعدوا بتوفيره وتمليكنا إياه في غضون يوم أو يومين ولكنهم لم يفعلوا، الأمر الذي يؤكد ما تكشف عنه المستندات وأفاد به المصدر بأن الشراء جاء مخالفاً للقانون واللوائح أو شراء “كيري” على حدّ تعبيره.

المنطقة الرمادية.. مخالفات بالجملة 

معهد العلوم القضائية والقانونية يقع في منطقة رمادية وربما منطقة شديدة العتمة، تبعيته لرئاسة الجمهورية سابقاً، والرئيس المخلوع هو من عين عميدة المعهد الحالية، أي يتبع لمجلس السيادة حالياً.. اللوائح التي يعمل بها لوائح القضائية ولم يجتهد القائمون عليه في تأسيس لوائح تخصه لأسباب لا يعلمها أحد.. لا جهة تراقب ولا جهة تراجع، وأسفار عميدته إلى أية بقعة في الأرض ولأي سبب دون أن تخطر جهة دليل بسيط على ذلك.. المنطقة الإدارية المظلمة التي يقع فيها المعهد تم استغلالها بالكامل، وهمس وجهر كثيف يدور في أروقة المعهد عن مخالفات إدارية.. بعضهم يتحدث عن الأموال الشهرية التي تمنح لمجلس الإدارة ولو لم ينعقد، وآخرون يتحدثون عن إهدار ثلاثة مليارات في تصاميم وخرائط لبناء المعهد بمواصفات حديثة إلّا أن الأرض التي خصصت للمعهد منحت للقضائية، وتم توزيعها قطعاً سكنية للقضاة لأسباب لا يعملها سوى الراحل حيدر دفع الله وعميدة المعهد مولّانا سوسن شندي.. والبعض أطلعنا على تخفيض درجات الموظفين ورفع آخرين دون التقيد باللوائح، إضافة إلى عدم خضوع ميزانية المعهد للمراجعة من المراجع القومي رغم إفادة إدارة المعهد بأنها تراجع ضمن ميزانية القضائية، في الوقت الذي تؤكد المستندات أنها ميزانية منفصلة عن القضائية.. الأمر برمته يحتاج إلى مراجعة سريعة ولعلها ستشمل حتى تبعية المعهد وضوابطه ولوائحه وقانونه.

أخيراً.. حادثة جانبية مهمة

بعد أن توفرت لـ(التغيير) المستندات في هذا التحقيق الاستقصائي، توجهنا إلى معهد العلوم القضائية.. هناك سألنا عن مكتب الإعلام والمسؤول عنه، فدلونا على المكتب وقالوا إن المسؤول اسمه قصي.. استقبلنا قصي بلطف شديد، وبعد الضيافة اعتذر بأن مسؤولية الإعلام بيد القاضي عبد الله الطيب- أحد قضاة الخبرات الخمسة- وفي طريقنا إلى مكتب عبد الله، سألنا إن كان أحد المكاتب هو مكتبه.. من سألناه قال إنه مكتب مولّانا منال صديق- أحد قضاة الخبرات الخمسة- منال وافقت على الإدلاء بإفادتها، إلا أن موظفاً حاول أن يمنعها الكلام ثم قام بإحضار عبد الله، ثم استدعى ذات الموظف الشرطة لتخرجنا من المعهد، إلا أن الشرطي بعد أن اطلع على الوقائع لم يفعل.

الحادثة لم تنته هنا.. ففي اليوم التالي خضع الشاب قصي للجنة تحقيق بتهمة أن أحدهم شاهده مع صحفي (التغيير) شوقي عبد العظيم، وكان موضوع التحقيق “دخول الصحفي شوقي إلى مباني المعهد” واتُّهم بأنه المصدر، رغم أن المستندات والمصادر توفرت من خارج المعهد.. وبعد لجنة التحقيق أوقف قصي عن العمل إلى يوم الناس هذا، ويرجّح كثيرون لهم معرفة بإدارة المعهد فصل قصي عن العمل.. ألم نقل إن المعهد يقع في منطقة شديدة العتمة؟

 

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق