أخبار

من وحي زيارة حمدوك الى كاودا دموع ناتلينا و قصة الحرب والسلام

فايز الشيخ السليك

“إنني أذهب إلى الحرب لأن الحياة التي أحياها هنا لا تناسبني”، عبارة وردت على لسان أحد أبطال رواية الحرب والسلام للكاتب الروسي ليو تولستوي، تلخص أسباب ما يمكن ان نطلق عليه اسم ” الحروب العادلة” أو الحرب القابلة للتبرير الأخلاقي وفق ما كان يروج الذين يتبنون هذه الرؤية في نسخ الحروب الدمار، ومثلما مثلت دموع الموظفة بمكتب رئيس الوزراء وملكة جبال النوبة ناتلينا،  حالة إنسانية لآلاف من سكان الجبال بسبب استمرار الحرب وتداعياتها.

لكن كثيراً ما تكون الحياة التي يعيشها المحاربون أو من يقعون تحت نيران مدفعيتهم، من المدنيين الذين كتبت الأقدار لهم فصول حياة في مناطق الحروب أكثر قسوةً من الحياة التي دفعتهم للاختيار طريق الحرب. الحرب ليست نزهة، بل مغامرة طويلة، وصراع حميم مع الموت كل يوم، بل في كل ساعة. هي رحلة أهوال وفصول مآسي، قصف طيران وهروب أطفال الى كهوف علها تقيهم  حمم القصف، أو تشكل لهم دروعاً تبعد شبح الإنتنوف عن كهوفهم، وبين ذلك سيرة عميقة من الوجع والفجائع والدماء والدموع.

ومثلت قصة دموع الشابة ناتالينا، الموظفة بمكتب رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وملكة جبال النوبة،  قصةً واحدة من قصص الحرب هناك. تفاجأتُ بشاب يهرول نحو شباك الحافلة التي كانت تقل أعضاء المكتب الإعلامي لحمدوك، فيما أخرجت ناتالينا عنقها من شباك الحافة مشرئبةً الى الفضاء ليعانقها الشاب المهرول فانفجرت بالبكاء،   استمر العناق دقائق سادها الصمت والدموع، وما بين الفضول وحالة الحزن تلك أدرك من شاهدوا المشهد أن الشاب لمح اخته فجأة بعد غياب استمر عشر سنوات.

فرقت الحرب أفراد الأسرة الواحدة، وفصلت الجبال تلك مناطق وقسمت بيوت، وهي حالة لا تقل في مأساتها عن الحالة التي عناها بطل رواية تولستوي ” الحرب والسلام” ومع أن الحرب، نتيجة إلا أنها سبب كذلك، فالحرب نتيجة لسياسات تهميش واقصاء، وسبب في سفك دماء واسالة دموع.

شخصياً كنت شاهداً على اللحظات التي سبقت اندلاع الحرب في عام ٢٠١١، وكنت بحكم وظيفتي الصحفية وقربي من قيادات الحركة الشعبية لتحرير السودان حينها  أدرك أن الحرب قادمة لا محالة، وكتبتٌ محذراً من اندلاعها، وأذكر أن كثيراً من صحافيي النظام الساقط كانوا حينها يدقون طبول الحرب، وينفخون في ريحها، ويصبون الزيت في حريق النفوس، فكتبتُ عدة حلقات أحاورهم فيها لكن لا حياة لمن تنادي.

وفي يناير 2011، أجريت حواراً صحفياً لصحيفة ” الشرق الأوسط” اللندنية شدد فيه الحلو، على ” تمسكه باتفاقية السلام واستمرار تطبيقها حتى إذا انفصل الجنوب، وحذر من أية «انتكاسة، أو ردة، أو تراجع محتمل من قبل المؤتمر الوطني». وقال في حوار مع «الشرق الأوسط»: «من يسعى لإلغاء الاتفاقية وإلغاء الحركة الشعبية في الشمال يريد أن يكرر ما حصل في الجنوب». محذرا أيضا من تمزيق السودان على الطريقة اليوغوسلافية، أو شرق أوروبا، وأكد أن «الحركة الشعبية جاءت لتبقى في الشمال، ولديها ما يحميها من قواعد شعبية، أو حتى جنود يحملون السلاح بالنيل الأزرق وبجنوب كردفان لكننا نفضل طريق السلام ودولة المواطنة». كان حديث الحلو، بعد خطاب المخلوع البشير، الشهير في مدينة القضارف بعد إعلانه أن الحديث عن التنوع ” دغمسة” وهو ما استنكره الحلو، ورأى أن ” «التنوع الثقافي والديني والإثني  حقيقة واقعة وموجودة على امتداد الوطن.. موجودة في جنوب كردفان ومناطق النيل الأزرق ودارفور وحتى في الخرطوم نفسها والشرق وأقصى الشمال». وأضاف «التعدد واقع لا أحد يستطيع إنكاره لكن العبرة بالبحث عن وسائل وآليات لإدارة هذا التنوع.. وليس إنكاره».

ثم انطلقت الحرب في يونيو، ٢٠١١ بعد أن طلبت قيادة النظام الساقط من الحركة الشعبية تجريد قواتها من السلاح وتسريحها، وهو موقف رفضته الحركة لأن اتفاق نيفاشا، كان قد حدد ” المشورة الشعبية” لولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، وبدأت المواجهات الدامية من داخل مدينة كادوقلي، وحاولت القوات الحكومية بأوامر من والي الولاية السجين، أحمد هرون، الانقضاض على قيادات الحركة، بل هدمت منزل الحلو، ونصبت كميناً للقيادي رمضان حسن نمر، وأعلنت مقتله دليلاً على تأكدها من نجاح الكمين، لكنها لم تكن تدري أن رمضان، بدل سيارته وغير طريق عودته من مطار المدينة!

تلك تفاصيل، لا تزال باقية في ذاكرة الكثيرين، وكانت مؤشرات لاستمرار الحرب، لمن يعي، لكن قيادات النظام السابق ظنت الأمر ” نزهة قصيرة” وسط غابات جنوب كردفان، ثم تعود تتسلى وتحتفي برحلة قنص جنود الجيش الشعبي، مثلما ظل المشير البشير، يحلم بأداة صلاة الجمعة في مدينة كاودا، قيادة الجيش الشعبي، العصية والحصينة، والتي لم يخترقها سوى رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، برغبة ودعوة الحلو، لتكون الزيارة التاريخية يوم الخميس الماضي، رسالةً قوية، مضمونها أننا مستعدون لأداء صلاة الحب وسط طقوس السلام والاحترام، وأن كاودا، تظل عصيةً على الواهمين بغزوها، إلا أنها تظل رقيقة القلب، متدفقة الحنان مع من يهبونها الحياة عشقاً، ورغبةً في اسكات دوي المدافع، وإيقاف غارات الطيران، واستخدام الطعام سلاحاً للتركيع وإقامة حوائط العزلة على سكان المناطق التي تشهد الحرب!

وقد عبرت الحركة الشعبية عن عظيم امتنانها للحكومة الانتقالية، ولم ينس قائدها الإشارة الى رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان،  واعتبر الحلو، في خطابه ” الزيارة تعكس رغبة الحكومة الانتقالية لتحقيق السلام في البلاد، ومؤشرا ايجابياً على اهتمام حمدوك والفريق أول البرهان، رئيس مجلس السيادة بالمعاناة الانسانية لمواطني المناطق المحررة. وقال ” لقد لمسنا ذلك عندما سمعتم بدخول المساعدات الانسانية اليها عبر مسارات متعددة” وأشار الى أن ” الاستقبال اليوم يعتبر احتفالاً بك وبزيارتك التاريخية غير المسبوقة من جهة وبثورة ديسمبر المجيدة من حيث اهدافها وشعاراتها وانجازاتها.

وبالفعل كانت الأجواء احتفائية، وكان انتشار وحدات من الجيش الشعبي بغرض التأمين لا بغرض استعراض القوات استعداداً لاستمرار الحرب، وكان الغناء والهتاف والزغاريد يعكس رغبة حقيقية لأهل كاودا، في الوصول الى تسوية سلمية. هي رغبة الجميع وتبدت، الرغبات في اللافتات والهتافات، وعلى مطلب العلمانية وتراجع قليلاً مطلب تقرير المصير.

واللافت تطابق رغبتي الحكومة والحركة الشعبية في تحقيق السلام بمخاطبة ” حذور الأزمة، حسب ما عبر عن ذلك حمدوك، في خطابه بعد أن زرف الدمع سخيناً عندما لامست قداماه أرض كاودا” الصمود والتحدي” التي ظل يكررها طوال أحاديثه بين المدينة وكادوقلي.

وبقدرما عكست زيارة كاودا، التاريخية رغبة سودانية في تحقيق السلام، فقد كشفت كذلك المواقف الدولية الداعمة لانهاء الحرب، فالأمم المتحدة قدمت دعمها اللوجسيتي لنقل رئيس الوزراء والوفد المرافق له من الخرطوم الى كادوقلي، ثم الى كاودا، وانعكس الاهتمام الدولي بالتمثيل الكبير، الذي ضم ديفيد بيزلي، المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي، وممثل الأمم المتحدة، والمبعوث الخاص للرئيس الأمريكي في السودان دونالد بوث، ومثلي مجموعة التوريكا، والسفير البريطاني، وممثل سفير كندا، وممثلين للاتحاد الأوروبي.

وسعت الأمم المتحدة الى تحقيق اختراق بايصال الغذاء الى آلاف التلاميذ الذين يدرسون بمدارس تقع في مناطق الحرب.

المؤكد وجود رغبة حقيقية في السلام لدى جميع الأطراف، لكن ثمة حقائق لا يمكن تجاهلها مثل قضية الدين والدولة، وتأكيد الحركة ” على العلمانية ووقوف الدولة على مسافة واحدة” إضافة الى  الترتيبات الأمنية والعسكرية، مع تمثيل أهل مناطق الحرب في كل مستويات السلطة، وتقسيم الموارد والمصادر بما يحقق العدالة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق