أعمدة ومقالات

الكتابة واضحة على الجدار!

الفاضل عباس محمد علي

جاءت تصريحات الفريق صلاح عبد الخالق اليوم في سياق الثقافة العسكرية الكيزانية التى ما انفكت سائدة في صفوف الجيش والأمن والمليشيات المشاركة في مجلس السيادة وأجهزة الشرطة، وكلها ما زالت تحمل جرثومة العهد البائد، وتحلم بالعودة إليه، بل تعمل على الرجوع إليه على جماجم قوى الحرية والتغيير وأبناء وبنات الشعب السوداني، كما هدد الفريق المذكور بلسان مبين.

وليست هذه هي المصيبة، إنما المصيبة الكبرى أن يحدث ذلك للمرة الثالثة في تاريخ السودان الحديث الذي عشناه وشاركنا فيه، ونحن كآل البوربون لا ننسى شيئا ولا نتعلم شيئا. فبعد ثورة أكتوبر ظلت قوى الثورة تتناحر حتى جلب حزب الأمة أنصاره المطوطمين المسلحين بالأسلحة البيضاء من أقصى الغرب، وزرعوا الخوف في جوف رئيس الوزراء البرجوازي الصغير، فحل حكومة الثورة وتخلص من ممثلي جبهة الهيئات، الجهة المشابهة لقحت، وسلم مجلسه لمناديب الحزبين الطائفيين المعروفين، ودارت الساقية بطريقة الحلقة الشريرة: إنقلاب عسكري+ ثورة شعبية+ حكومات حزبية طائفية كسيحة وفاسدة.

ثم تكرر نفس المشهد بعد انتفاضة أبريل 1985، وانتهي بنا الأمر الى حكومة حزبية طائفية، بوزير مالية كان همه الأول تعويض آل المهدي على الأراضي البقر، بضم الباء، التى صودرت منهم، ومثل ذلك من الأمور الإنصرافية المشبعة بالفساد. وسرعان ما اعتلى وزارة التجارة والصناعة ذلك المهدوي الفاسد بالسليقة، والذي عاد للمشاركة في حكومة البشير  بحقيبة الاستثمار، فباع ما استطاع من أراضي السودان للصوص الكمبرادور الخليجي.

وللمرة الثالثة، يأتينا وزير مالية صورة طبق الأصل من ذلك المهدوي سيء السمعة، ويدخل على الفور في ممارسات مشبوهة: (شركة الفاخر ذات العلاقة بمندوب حزب الأمة في قحت، وبشركة الجنيد التابعة لحميدتي)، ولما تمت محاصرته في الاجتماع المشترك للكابينيت والسيادة وقحت وعد بتكوين لجنة تحقيق، وهو يعلم أن لجان التحقيق مجرد طوق نجاة وهمي مهترئ،  ريثما يتراكم النسيان على القضية المعنية، وهو يراهن على ذاكرتنا السمكية المشتتة والمرتبكة والمتسامحة.

وفي هذه الأثناء، تزداد الأوضاع الإقتصادية ترديا، وينحدر أبناء وبنات شعبنا نحو المسغبة والمجاعة مرة أخرى، كما كان الحال في سنوات البشير الأخيرة: ومن ناحية أخرى، ظلت مئات الشركات التابعة للأمن وللجيش تتحكم في السوق، خاصة في السلع الإستراتيجية كالمواد الغذائية والنفط والذهب والدواء. وظلت كوادر المؤتمر الوطني تجوب العاصمة والأقاليم تحضيرا للإنقلاب المضاد.

وكنا نحسب أن محاولة اغتيال دكتور حمدوك  شكلت فرصة ذهبية لوضع قوى الثورة المضادة في علبها، ولكن الغفلة والسذاجة  والديماقوقية والثرثرة الجوفاء ظلت غالبة،  وخرج الإخوان المسلمون من ذلك الشرك الذي هيأه رب العالمين…….خرجوا سالمين ظافرين شامتين ومغرورين، وعلى الفور أخذوا يخططون للردة على ثورة الشعب. وجاءت تصريحات الفريق المذكور توطئة لهذا الحراك الشيطاني، وجسا للنبض، وبالونة اختبار: فلو مرت تصريحاته هذه مرور الكرام كحادث التفجير، معناها أن الشعب لا يبالى بما يحدث، أو قد يرحب بتغيير النظام الانتقالي الراهن، أو هكذا سوف يتوهمون، فيشرعون في تنفيذ مخططهم الذي سيحيل بلادنا ألى ليبيا او سوريا أخرى.

 

ولكني، رغم ذلك، أراهن على شعب ديسمبر، شعب مليونية الثلاثين من يونيو؛ فهو سيخرج مرة أخري إذا تجرأ الإخوان المسلمون وحاولوا سرقة السلطة مرة أخرى، ولكنى أخشي أن الشعب الثائر سيدوس ويلتهم الإخوان المسلمين، بالإضافة للقوى التى ساهمت في تلكؤ التنفيذ وفي عرقلة استحقاقات ثورة ديسمبر، وسوف يترجم شعاراته ألى حقائق ملموسة، تلك الشعارات التى كانت تنادى بألا حزبية ولا طائفية في المرحلة الانتقالية، فقط تنفيذيون وطنيون غير ملوثين.

مهما يحدث، فإن المجد معقود لواؤه بشعب السودان، والهزيمة الماحقة مصير الإخوان المسلمين ومن لف لفهم.

 

حرية.    سلام.   عدالة

 

والثورة خيار الشعب.

 

مدنية خيار الشعب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى