أعمدة ومقالات

القضاء السوداني .. بين الإضراب واللا إضراب

معاذ زكريا المحامي

بتاريخ الخامس والعشرون من الشهر الجاري أصدرت السيدة رئيسة القضاء مولانا نعمات عبدالله التوجيه رقم (٥) لعام ٢٠٢٠م لجميع منسوبي السلك القضائي ، بالإضراب العام والتوقف عن العمل وذلك على خلفية ما تعرض له القاضي المقيم بمحكمة بالفاو من إعتداء من قبل قوة تتبع للقوات المسلحة.

ثم بعد أقل من (٤٨) ساعة من صدور هذا التوجيه أعلاه ، صدر التوجيه رقم (٦) لعام ٢٠٢٠م والقاضي برفع حالة الإضراب ، لزوال مسبباته.

في تقديري الشخصي أن السيدة رئيسة القضاء تسرعت قليلاً في أمر الإضراب هذا ، وإن كان دافعها لذلك مشروعاً ، إذ كانت تريد إيصال رسالة قوية لجميع أجهزة الدولة ومنسوبيها أن القضاء خط أحمر ، وأنها لن تسمح طالما كانت على رأس هذه الموسسة بأن تراق كرامة أحد القضاة بالطريقة “الهمجية ” التي حدثت مع قاضي محكمة الفاو.

وهو أمر نتفق فيه معها ، فإحترام القضاء من إحترام القانون ، وإحترام القانون واجب كل شخص في الدولة ، من الكبير حتى الصغير ، ومن الرئيس حتى المرؤوس ، كما أن إهانة أو إذلال أي شخص – بغض النظر عن وظيفته أو مكانته الإجتماعية – أمر مستهجن ومرفوض في الدولة المدنية التي ننشدها.

لكن الأمر بدأ وكأن السلطة القضائية بكل منسوبيها دخلت طرفاً في هذه القضية ، والتي طرفها الأصيل هو القاضي الذي وقع عليه الإعتداء ، وحيث أن السيد القاضي لم يقع الإعتداء عليه داخل الحرم القضائي أو أثناء ممارسته لعمله كقاضي ، كان بإمكانه أن يتقدم بشكواه – كمتقاضي – ضد الذين إعتدوا عليه ، وله الحق في هذه الحالة أن تنظر قضيته بشكل عادل أمام محكمة مختصة ، بدلاً أن تحتشد السلطة القضائية بغضها وغضيضها في نزاع كان يفترض أن تكون فيه الحكم ، لكنها إختارت أن تصبح فيه الخصم والحكم في ذات الوقت ، فانطبق عليها قول المتنبئ: ( يا أعدَلَ النّاسِ إلاّ في مُعامَلَتي, فيكَ الخِصامُ وَأنتَ الخصْمُ وَالحكَمُ).

جاء بالتوجيه كذلك أنه تمت مخاطبة مجلس السيادة الإنتقالي من أجل محاسبة المتورطين في هذه الحادثة إداريا تمهيداً لمثولهم أمام القضاء العادي والعادل ، فكيف يمثل المتهمون أمام القضاء ، إذا كان القضاء برمته مضرب ، وإذا كان القضاء برمته طرفا في النزاع.

فكان يمكن أن يتم إرجاء الإضراب إلى حين فصل مجلس السيادة الإنتقالي في طلب رئيسة القضاء بمحاسبة المتورطين إداريا ، ثم إذا تقاعس المجلس عن التعامل الحاسم مع الواقعة ، يتم التلويح بالإضراب.

هذا إذا سلمنا بإتفاقنا مع مسألة الإضراب هذه ، فالقضاء – بوصفه أميناً على ميزان العدالة ، ومناط به إحقاق الحق بين الخصوم والفصل في نزاعاتهم ، لذلك أعتقد أنه لا ينبغي له أن يضرب أو يمتنع عن القيام بواجبه إلا في حالة التهديد الحقيقي لوجوده أو حياديته وإستقلاله كسلطة من سلطات الدولة الثلاث ، تحقيقاً لمبدأ فصل السلطات والذي يعتبر من أهم المبادئ الدستورية في الدول الديمقراطية.

إحتفى كثير من القانونيين بموقف مولانا نعمات والذي إنتشر عبر وسائط التواصل الإجتماعي ، حيث هددت فيه بتقديم إستقالتها ، إذا تدخلت السلطة التنفيذية أو قوى الحرية والتغيير في تعيينات القضاة بالسلطة القضائية.  
في هذه الحالة يمكن أن يكون الإضراب مبرراً ومقبولاً ، خلاف ذلك فلا جدوى من الإضراب نسبة للضرر الكبير المترتب على الإضراب من تأخير وتعطيل لحقوق المواطنين ، والعدالة لا ينبغي لها أن تتعطل ، بل يجب أن تعمل بشكل عادل وناجز ، تقول القاعدة القانونية الإنجليزية: ( العدالة لا يكفي أن تطبق ، إنما يجب أن تُرى وهي تُطبّق).

وحسناً فعلت مولانا نعمات عندما رفعت لاحقاً حالة الإضراب ، بدعوى زوال مسببات الإضراب ، نظراً لتعاون مجلس السيادة وإستجابته للنقاط الواردة بتوجيهها السابق.

في رسالته إلى موسى الأشعري في القضاء يقول عمر بن الخطاب: ( ولا يمنعك قضاء قضيته أمس ، فراجعت اليوم فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق ، فإن الحق قديم لا يبطله شئ ، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق