أعمدة ومقالات

الممارسة السياسية من الثورة الى الدولة

الثورة أي ثورة تمتاز بنقائها وسموق سقف تطلعاتها وعريض آمالها في حدوث التغيير الشامل والجذري في المجتمع . وثورة ديسمبر _ أبريل المجيدة في السودان كذلك , فكانت نقاوة الشباب ونظافتهم وتوقهم للتغيير دافعا عظيما لتقديم أرواحهم فداءا , وإهدار دمائهم مهرا , و تحمّل نصيبهم من التعذيب البدني والمعنوي في معتقلات النظام المباد ثمنا غاليا قدموه برضا وحماس دون انتظار ثمار ذاتية أو حظوة خاصة , ٍ فكثير من الشهداء الأبرار  والجرحى والمعتقلين والمفقودين  الأماجد من النوعين ( إناث وذكور) لم يكونوا مشهورين إلا على نطاق معارفهم الشخصيين  , ولم يكونوا من الأسماء البارزة في الإعلام أو المناشط الحزبية , ولكنهم في الواقع أدّوا أدوارا أكثر كفاءة من غيرهم من ذوي الصيت أو الشهرة ٍ ودفعوا ثمنا أغلى مما سدده الآخرون فحق في خضرتهم التأدب والإنتباه !!

في الواقع لابد لكل ثورة ناجحة من سلطة سياسية تتولى إدارة شؤون التغيير هذه  بداهة , وفي حالة وأوضاع السودان  لابد من وجود جسم عسكري منظم يتولى مع الثوار مهام قيادة الإنتقال , هذه هي فرضية وجود العسكريين في الحكم في الفترة الإنتقالية  في تقديري , وهي فكرة واقعية غض النظر عن رأينا السالب في المؤسسة العسكرية والأمنية التي طالها من التخريب ما طال بنيان الوطن بأكمله خلال العقود الطويلة من حكم وديكتاتورية جماعة الإسلام السياسي الفاسدة .  المحك في تقديري يكمن دوما في قدرة الطاقم المدني من السلطة في تقديم المبادرات الثورية الخلاقة , وابتدار الفعل الثوري الرشيد والثقة التامة في السند الثوري الشبابي خاصة  , مع الأخذ في الإعتبار  نقاء الثورة وطهرها وإرتفاع سقوفات تطلعاتها , وهنا تكمن بعض الملاحظات الجديرة بالتوقف أمامها حول أداء السلطة المدنية الإنتقالية , وممارسة حاضنتها التنظيمية والسياسية (قحت) .

أولى تلك الملاحظات ترتبط بشكل مباشر بعدم إكمال هياكل السلطة الإنتقالية حتى الآن , إذ من غير المبرر تماما التلكؤ المصاحب لتعيين حكام الولايات , وبالتالي مستويات السلطة الأقرب لحاجات المواطنين المختلفة في جميع أصقاع البلاد , وكذلك المجلس التشريعي  .نفهم أنّ عملية المفاوضات المشرورة والبطيئة التي تجري في جوبا تعرقل إتمام عملية بناء هياكل السلطة الإنتقالية في شقها المدني , وهنا تطفر الأسئلة أكثر مما يقدم  من اجابات , وباعتبار أنّ التفاوض يتم مع بعض قوى الكفاح المسلح ممثلة في فصائل الجبهة الثورية التي تضم حركات العدل والمساواة وحركة جيش تحرير السودان قيادة مناوي , والحركة الشعبية شمال قيادة مالك عقار , هناك الحركة الشعبية شمال قيادة عبدالعزيز الحلو , وحركة جيش تحرير السودان قيادة عبدالواحد محمد النور , هل سيتم توقيع اتفاقات جزئية مع الموقعين وبداية تفاوض جديد مع الأخيرين ؟ أم ستتم دعوتهما للتوقيع على اتفاق لم يتفاوضا حوله ؟  هل سيتم بناء بقية هياكل السلطة بمعزل عن  الرفيقين الحلو/عبدالواحد ؟ أم ستترك أماكن شاغرة في كل مستوى في انتظارهما ؟  في زمن الإنقاذ كنا نعلم أنّ التفاوض تجارة وشراء أي عنصر ربح لأن الإنقاذ لم يك يهمها تحقيق السلام بقدر اهتمامها بتكبير كومها واستمرارها في السلطة وحيازة الموارد لأفرادها ,  هذه الفرضية منتفية تماما نظريا على الأقل في ظل حكومة الثوار الأنقياء الذين قدموا الأرواح فداء شعاراتها العظيمة  حرية سلام وعدالة !! هنالك غموض يكتنف هذه المفاوضات , نقاط الإتفاق ذات النسب المئوية لا تفيد , ما هي بنود التفاوض , فيما تم التوافق وفيما لا يزال هناك تباعد , ما هي أطروحة الوفد الحكومي وما هي رؤية الرفاق في الجانب الآخر على الطاولة , ما دور الوساطة . كل هذه الأسئلة المقلقة بحق مما يضعف قوة الدفع الثورية تجاه أهم قضية مركزية يعاني منها السودان منذ الإستقلال وحتى راهننا الماثل , فصحيح لا يمكن تصور تحقيق هدف بناء مشروع وطني جديد دون تحقيق السلام الشامل , ولكن حتى متى ستظل الحال هكذا تراوح في مربع اللاسلم واللا حرب ؟

هناك شق متعلق في الحضور التنفيذي والإعلامي للسلطة المدنية , المواطنون في الولايات بالكاد يسمعون بأسماء الوزراء المركزيين , معظم الأخبار مشوشة في أذهانهم , حرب الوسائط القذرة التي يبرع فيها أبالسة العهد المباد بامكاناتهم الفنية والمالية الضخمة والتي استولوا عليها من حق الشعب السوداني طيلة عهدهم المشؤوم ؛ هذه الآلة الإعلامية الفاسدة الكاذبة البارعة في التلفيق والكذب تشكل رأيا سالبا ومحبطا لدى عامة الناس خاصة في الولايات , كما هناك تساؤلات مشروعة مثل السؤال عن حصص المواد البترولية والغاز ودقيق الخبز , الناس والثوار معهم بنقائهم يريدون أن يشاهدوا وزير التجارة والصناعة نشيطا غير متثاقل الخطوات في محالج مارنجان ومطاحن قوز كبرو ومعاصر الزيوت في أم روابة وغرابيل الصمغ العربي , وشونة القمح في المناقل وسوق القضارف , يريدون وزير الزراعة في موسم التحاريق وأوان الإبذار وساعة الحصاد وكذا وزير الثروة الحيوانية والري والمالية وغيرهم , مثلما التقى المعلمون بالبروف ود الأمين ود. القراي , هذه روح الثورة يريدها الثوار في تلفاز وإذاعة لقمان الهمام , وعلى ذلك قس .

أمّا الحاضنة الحاضنة , قحت , ليتها تكذب  المشاء بنميم , في علاقاتها البينية والرأسية , وفيما بين مكونات كل كتلة بمفردها , هلا ظلت أرواح الشهداء ترفرف في الآفاق ترقب مآل الحال ؟ وهي خير رادع لنوازع الأنا حزبا وتنظيما وحركة ومنظمة ونقابة . وكفى .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق