أعمدة ومقالات

الحملة ضد الدكتور عمر القرّاي: المغزي والمرامي وخيبة المسعى! (2 ــــ 3)

محمد جلال هاشم

مقدّمة
كنّا في الحلقة الأولى من سلسلة هذه المقالات الثّلاثيّة قد حدّدنا أن نخصّص الأولى (بتاريخ 9 مايو 2020م) لشرح الطّبيعة غير السّويّة لنفسيّات الكيزان، ثمّ في الحلقة الثّانية وعدنا بأن نتكلّم عن المناهج، وفي الحلقة الثّالثة نتكلّم عن عمر القرّاي. وقد توالت علينا الرّسائل في الخاصّ، أكان ذلك في الفيسبوك أم في الواتساب، بجانب المكالمات المباشرة، فضلاً عن المحادثات الشّخصيّة مباشرةً، ذلك بعد نشرنا للحقة الأولى. وكلُّها أو جُلُّها كانت تطلبُ منّا أن نُطْرِدَ في الكلام عن هذه الفئة الضّالة، مبيّنين وجوه الاعتلال في مذهبهم. كما طالب الكثيرون أن نُقرن ما بين علم المناهج (بصفتنا من المتخصّصين فيه في مجال الدّراسات العليا، وبصفتنا من خرّيجي كلّيّة التّربية، جامعة الخرطوم) وما بين سياسة الدّكتور عمر القرّاي كمدير لإدارة المناهج بوزارة التّربيّة والتّعليم. فذلك، بحسب رأيهم، سيكون أكثر وضوحاً وأشدَّ وقعاً من حيث المطابقة أو المفارقة لمناهج تخطيط المناهج. عندها رأينا أنّ ما يقولونه فيه من المنطق الكثير، بمثلما فيه من الفائدة ما هو أكثر.

الكيزان: رأس الرّمح في الثّورة المضادّة
في الحلقة الأولى من هذا المقال تعرّضنا للطّبيعة غير السّويّة للكيزان بوصفهم ظاهرة مرضيّة تتعرّض لها المجتمعات المأزومة. إذ إنّ أكثر ما يُعيب علم النّفس الاجتماعي هو أنّه لا توجد مصحّات لمعالجة ظواهر السّلوك الاجتماعي المُضاد الجمعي phenomena of collective Anti-social behaviour. هذا لأنّ المصحّة في هذه الحالة هي المجتمع نفسه، بالضّبط كجسد الإنسان الذي يحارب هجمات الفيروسات داخله، فإمّا هزمته ومات، أو هزمها ونجا. كما تعرّضنا لجرثومة التّهجّم على الدّكتور عمر القرّاي من قبل الكيزان، وخلُصنا إلى أنّهم يفعلون هذا انطلاقاً من منهج “التّمكين” الذي اتّبعوه طيلة سِنيِّ حكمهم البائد. فلأنّ عمر القرّاي لا ينتمي لفكرهم وتنظيمهم، فهو بالتّالي لا يستحقّ أن يشغل أيّ وظيفة في الدّولة. وربّ سائلٍ كيف هذا والحكومة الانتقاليّة تعتبر كلّها عناصر غير منتمية لفكر وتنظيم الكيزان؟ أوّلاً، مسألةُ كلِّهم عناصر غير كيزانيّة فهذا فيه نظر! ذلك إذا ما أخذناه بالمنظور الأيديولوجي الإسلاموعروبي. عندها سوف تمّحي قشور الفروقات التي تتبدّى كما لو كانت فكريّة و/أو تنظيميّة. وهذا هو بيت القصيد في سُعار الحملة المنظّمة ضدّ عمر القرّاي.
فالرّجل على مشهود فكره الإسلامي ومشهود سلوكه القويم، جانباً عن أهليّته الفنّيّة كمتخصّص في علم المناهج، لا يمكن أن يتمّ تصنيفه كأحد ضحايا جائحة الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة. وبما أنّه جمهوري، إذن فليس هناك أسهل وأيسر من استهدافه، ترهيباً للآخرين وابتزازاً لهم. فالجمهوريّون لا يزالون قلّةً، كونهم غرباء هذا الزّمان، فضلاً عن حملات التّشويه المستمرّة التي تعرّض لها الفكر الجمهوري من قبل الكيزان ومن والاهم على الباطل، هذا لدرجة أن قدّم أستاذهم ومؤسّس فكرهم، الشّهيد محمود محمّد طه، نفسَه كفداءٍ للشّعب يوم تسلّط على البلاد رجلٌ ابتلاه اللهُ بالجنون فظنّ أنّه إمام المسلمين وأنّه مهدي آخر الزّمان، فمضى في المحاق كما مضى المتمهدنون قبله، وسيمضون من بعده. لا غرو أن سقط حكم ذلك الإمام المخبول بعد ثلاثة أشهر من إعدامه الرّجل العظيم الذي استقبل النّطعَ وهو مبتسمٌ راضٍ بما أراده له المولى عزّ وجلّ. وقد ظنّ خِفافُ العقول ورهيفو الإيمان من لفيف الكيزان ومن لفّ لفّهم أنّهم قد قتلوه، فهلّلوا وكبّروا، ولكن شُبّه إذ ظنّوا أنّها إرادتُهم التي قتلت المفكّر المسالم؛ هذا بينما هي إرادةُ الله التي قدّرت له تلك الميتة التي يُحسدُ عليها وبتلك الكيفيّة، كما هي إرادةُ الله التي قدّرت له أن يثبُت عند النّطع ويذهب إلى ملاقاة ربّه راضياً مرضيّاً. ذلكم لعَمري هو الفداء الأكبر! ما بين هذا الجمال، جمال الموت مع الابتسام والرّضى بما قسمه اللهُ، وما بين الحملة المسعورة لتشويه فكر الرّجل من قبل الكيزان، يقف الدّكتور عمر القرّاي (وهو بالطّبع مبتسم كأستاذه)، بينما يقف في الجهة الأخرى الكيزان (بوجوههم الكالحة التي لا تعرف جمال الابتسام). فقد صوّر لهم خيالُهم المريض أنّ عمر القرّاي هو الحلقة الضّعيفة Weak link التي ينبغي أن يلجوا منها لضرب الثّورة. وهكذا شرعوا في توجيه سهامهم الصّدئة المسمومة التي لن تُصيب غيرهم في خاتمة المطاف. فالثّورةُ المضادّة ليست سوى صدىً معكوس للثّورة الحقّة المجيدة، فليتهم يدرون! ولذا لا يمكن أن تنتصر، لكن يمكنها أن تخرّب أيّ إنجاز ثوري تستهدفه، ما لم يرتفع الوعي الثّوري لإحباط ذلك.

الحكم بمنهج التّمكين وكذلك المعارضة بمنهج التّمكين
أكثر ما يعنينا في موضوع الكيزان هذا ممّا استعرضناه في الحلقة السّابقة هو حقيقة أنّ الكيزان مارسوا السّلطة بمنهج “التّمكين” لثلاثين عامّا حتّى ثار الشّعبُ، كلّ الشّعب، ضدّهم وضدّ نظام حكمهم وهو يهتف “كلّ كوز ندوسو دوس”، رفضاً من الشّعب لمنهجهم هذا ولتنظيمهم. وما حدث ليس بدعاً في التّاريخ بصورة عامّة أو تاريخ الشّعوب بصورة خاصّة، وأخصّ منه في تاريخ الشّعب السّوداني، مفجّر الثّورات ومعلّم الشّعوب. فما هو يا تُرى الصّعب الصّعيب الذي يستعصي على تفهّم واستيعاب هذه الحقائق التي تمشي بيننا الآن على الأرض؟ لماذا يقف الكيزان عاجزين عن استيعاب حقيقة أنّ الشّعب قد رفضهم وثار ضدّهم وهو لا يملك وقتها غير حناجره وتسونامي المواكب السّلميّة؟ لا يمكن فهم هذا الاستعصاء إلاّ بالنّظر إليه على أنّه يمثّل حالة نادرة من حالات الغباء الأيديولوجي! وإن تَدْهَشوا، فلكم أن تدهشوا في حقيقة أنّ الكيزان بعد كلّ هذا أثبتوا أنّهم لا يستطيعون فكاكاً من منهجهم المعطوب هذا، فإذا بهم يمارسون المعارضة بنفس منهج التّمكين، أي أنّهم (وهم في المعارضة، لاحظوا) “يجقلبون” ويولولون صارخين بأنّه لا يحقّ لأيّ شخص أن يشغل الوظيفة العامّة ما لم يكن منتمياً لكلا فكرهم وتنظيمهم المعطوبين. هذه والله حَبْقةٌ مُنتنة من حبقات السّياسة والهوس ما سبقهم عليها أحد. وهي كهذي، إنّما ينبغي أن يتمّ تضمينها في كتاب سجلاّت قينيس العالميّة Guinness World Records، بوصفها تمثّل واحدة من أصرخ وأفضح حالات الغباء الأيديولوجي!

كيف وقع الكيزان في شراك الغباء الأيديولوجي؟
بالفعل، دعونا نرى كيف وقع الكيزان في شرّ أفعالهم وأفكارهم هذه حتّى انتهوا إلى الغباء الأيديولوجي؟ ببساطة لأنّهم في بنية فكرهم لا يؤمنون بالدّولة الوطنيّة التي تقوم على حقوق المواطنة المتساوية بصرف النّظر عن العقيدة أو الضّمير أو السّلالة والإثنيّة أو الوضع الاجتماعي. فبحسب رأيهم (إن كان هذا رأياً)، عمر القرّاي لا ينبغي له أن يشغل أيّ وظيفة عامّة في الدّولة، ببساطة لأنّه جمهوري. كذا! ومن يستحقُّ أن يشغلَها بدلاً عن عمر القرّاي يا كيزان؟ أيّ شخص شريطة ألاّ يكون جمهوريّاً! كذا! وماذا عن كفاءة عمر القرّاي كرجل متخصّص في علم المناهج؟ إلى الجحيم بكفاءته الفنّيّة! وبالطّبع إذا قبلنا بهذا المنطق اللامنطقي فإنّ اعتراضاتهم لن تقف عند عمر القرّاي، بل سوف تمتدّ لتشمل آخرين: مثلاً، لا ينبغي لأيّ شيوعي أن يشغل أيّ وظيفة عامّة؛ لا يحقّ لأيّ بعثي أن يشغل أيّ وظيفة عامّة؛ لا يحقّ لأيّ شخص ينتمي للحركة الشّعبيّة، لحركة تحرير السّودان … إلخ. كذا! وفي خاتمة المطاف سوف نصل إلى الآتي: لا يحقّ لأيّ سوداني أن يشغل أيّ وظيفة عامّة إلاّ إذا كان من الكيزان. والدّليل على ما وصلنا إليه من استنتاج مستمدّ ممّا مارسوه لمدى ثلاثين عاماً حسوما، دمّروا فيها البلاد وأضاعوا حقوق العباد وأكلو مال السُّحت .. إلخ ما نعرفُه جميعاً وعايشناه.
ولا نختم هذا إلاّ بما قلناه في الحلقة السّابقة، نكرّرُه المرّة تلو المرّة، ألا وهو أنّ ما أوقعهم في هذه الضّلالة هو عدم إيمانهم، فكراً وتنظيماً وممارسةً، بالدّولة الوطنيّة. ومن لا يؤمن بالدّولة الوطنيّة، لا يؤمن بمؤسّسات الدّولة الوطنيّة بالطّبع. ولهذا رأينا كيف لم يحترموا أخطر مؤسّسات الدّولة الوطنيّة التي يقع عليها مناط استقلاليّة البلاد وسيادتها، وعلى رأسها المال العام، ثمّ حرمة النّفس وحقّ المواطنين العاديّين في الحياة. ثمّ بعد ذلك المؤسّسات التي تقع عليها مسئوليّة حماية البلاد والأرض والشّعب، مثل الشّرطة (استحدثوا لها جسماً موازياً يقوم على الإيمان بفكرهم وتنظيمهم هو الشّرطة الشّعبيّة)، والأمن (استحدثوا له جسماً موازياً يقوم على الإيمان بفكرهم وتنظيمهم هو الأمن الشّعبي)، ثمّ الجيش (استحدثوا له جسماً موازياً يقوم على الإيمان بفكرهم وتنظيمهم هو الدّفاع الشّعبي). ثمّ لمّا دمّروا الجيش تماماً، ثمّ لم يقدروا على ترفيع قدرات جيشهم الموازي (الدّفاع الشّعبي)، زادوا في ضلالهم المقيم وتفوّقوا على سوء الظّنِّ وأتُوا بأَتِيّةٍ نكراء ما آتاها أحدٌ من قبلهم، بما في ذلك فترات الاستعمار، بتركيِّها ومصريِّها وبريطانيِّها. لقد استقدموا شُذّاذ الآفاق من دول الجوار الغربي من بطون قبائل منقسمة حدوديّاً، فسلّحوا شُذّاذَها واستقدموهم لتقتيل السّودانيّين وتنزيحهم قسريّاً إلى معسكرات النّزوح وحتّى إلى معسكرات اللجوء بدول الجوار، كلّ هذا في سبيل إعادة هندسة الخريطة الدّيموقرافيّة للشّعب السّوداني، كُرهاً منهم لذاتهم كأفارقة سود، وسعياً منهم للتّماهي في عروبةٍ مدّعاة ما آتاهم بها الله واللهُ ذو الفضل العظيم. وهنا تتبدّى واحدة من أسوأ باديات الكيزان، ألا وهي صورة الإنسان كاره ذاته Self-hater. فإذا بنا، نحن السّودانيّون الأفارقةُ السّود في بلدٍ اسمه بلدُ السّود وقد أطلّ علينا صبحٌ كافرٌ مكفهرٌّ فإذا نحن قد أصبحنا بقدرة قادر عرب العرب، ولسنا مجرّد أفارقة عربفونيّين، أي متحدّثين بالعربيّة. هذا بينما يسخرُ منّا العربُ العاربةُ ويضحكون بطريقة فرعون وقلّة عقله عندما مشى عُرياناً، متوهّماً أنّه يلبس ثياباً لا يراها الأغبياء، حتّى استدعى ذلك استثارة الحسّ السّليم Common Sense في طفلٍ يتفرّج فصرخ قائلاً: انظروا إلى هذا الرّجل العُريان!

الكيزان ودارفور: الأفريقي الأسود الذي لا يكره شيئاً أكثر من الأفارقة السّود!
وفي الحقِّ، لئِن كان تخطيطُ الكيزان في هذا قد شمل السّودان كلّه (الجهاد في الجنوب وجبال النّوبة والنّيل الأزرق، ثمّ مشروعات توطين الفلاّحين المصريّين في الحوض النّوبي، وتوطين البني عامر الأريتريّين في شرق السّودان، وكذلك توطين البدون الكويتيّين في دلتا طوكر والقاش .. إلخ انتهاءً بفصل الجنوب بفعل فاعل ـــ كما قال فنّان أفريقيا محمّد وردي)، إلاّ أنّ ما ظنّوه قاصمة الظّهر في خيانتهم الوطنيّة هذه قد وقعت على دارفور الصّامدة. وها هي مليشيات الجنجويد لا تزال تعيث فساداً في دارفور من تقتيل مجّاني وتنزيح قسري من معسكرات النّزوح (يعني تنزيح مركّب)، بينما لا تزال موجات استقدام شُذّاذ المجموعات المنقسمة حدوديّاً مستمرّاً إلى اليوم في ظلّ حكومة الثّورة، هذه الثّورةِ المسروقة!
ليس هذا فحسب، بل خرجت علينا، في زمن الإنقاذ (1) وكذلك الإنقاذ (2)، ثمّ الآن في زمن الإنقاذ (3)، مليشيات الجنجويد من دارفور وملأت علينا الشّوارع في المدن والقرى خارج إقليم دارفور، وكالعادة عاثت فساداً في الأرض قتلاً وتقتيلا، هذا بينما وقف الجيش وهو يتفرّج حتّى هتف الشّارع “معليش .. معليش .. معليش .. معليش ما عندنا جيش”، فتصوّروا! ثمّ احتمى الشّعبُ بالجيش في عُقر دار الجيش، وهناك أيضاً طالته يدُ الغدر فقُتلوا بصابحةٍ دهماء وهم صيامٌ، رُكّعاً وسجودا. هذا الجيش العملاق الذي تمّ تجريدُه من عقيدته القتاليّة عبر الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة، حتّى أصبح كالمارد المحبوس داخل القُمقُم. فمن لنا بمن يُخرج هذا الماردَ الجبّارَ من قُمقُمِه حتّى يردَّ للشّعب كرامتَه وللبلاد سايدتَها واستقلاليّتَها!

الكيزان وخيبة المسعى دنيا وآخرة
لقد جاء الكيزان بزعم ربط قيم السّماء بالأرض عبر تطبيق شرع الله (مختزلاً في الأحكام الجزائيّة)، فعجزوا حتّى عن هذا. فماذا فعلوا؟ تحوّلوا إلى محاربة البعد الأفريقي في هويّتنا نُشداناً لعروبةٍ ما واتاهم بها الله، متظاهرين بأنّهم عربُ العرب وأنّهم ملكيّون أكثر من الملك، في حالة من الانبراش للأعراب الذين صنعنا لهم بلادهم وعلّمنا لهم ثغارهم. لا غرو أن لم ينالوا غير استهجان الأعراب واستخفافهم. لكم أذرى بنا الكيزان! لكم أذرَوا بشعبٍ يوصف بأنّه معلّم الشّعوب! واليوم، بدلاً عن أن يعتذروا للشّعب، ثمّ يلتزموا الصّمت انتظاراً لانسلاخ الفترة الانتقاليّة، موظّفين هذا الزّمن لمراجعة أنفسهم، ها هم يستغلّون تمترسهم داخل مفاصل الدّولة (في ظلّ عجز الحكومة الانتقاليّة عن استئصال شأفتهم، كونها تمثّل حقّاً مرحلة الإنقاذ “3”)، فيعيثون فساداً في الأرض، تَوْسِعةً للفتق وتَمْنِعةً للرّتق، لا يراعون في الشّعب إلاًّ ولا ذمّة. لقد جمعوا من الموبقات ما لم يتوفّر لأحد في التّاريخ: رقّة الدّين، وانعدام الوطنيّة، وانعدام الضّمير، والعنصريّة والهوس الدّيني والعرقي، ثمّ التّخلّف، وما خفي أسوأ وأضلّ سبيلا، لولا مقولة “خلّوها مستورة”.
لقد أثبت التّاريخُ أنّه لا يمكن عقلنة الأمور مع العنصريّين you cannot reason with racism، وما ذلك إلاّ لأنّ العنصريّة نوعٌ من الجنون الاجتماعي يتجلّى في القطاعات الضّعيفة ثقافيّاً في المجتمع، المستلبة في هوّيتها؛ بمثلما أثبت التّاريخ أنّه لا يمكن عقلنة الأمور مع المهووسين عامّةً you cannot reason with fanaticism، ذلك لأنّ الهوس (دينيّاً كان أو خلافه)، ما هو إلاّ نوع من الجنون الاجتماعي.
هذا ما فعله بنا الكيزان! نهبوا وسرقوا وأفسدوا في الأرض، وأضاعوا البلاد وقتلوا العباد، ثمّ بعد كلّ هذا لم يتحرّك فيهم ضمير، وكيف يتحرّك ضمير من لا ضميرَ له! فإذا بهم يتعابثون بمقدّرات الشّعب. ولهذا ثار الشّعبُ عليهم وخلّص نفسَه ودولتَه منهم! فهل فهموا شيئاً ممّا جرى لهم؟ لا وأيمِ الله! فكيف السّبيل لإقناعهم أنّه لا مكان لهم بعد هذا غير مزبلة التّاريخ؟ كيف يمكن إقناعُهم بهذه الحقيقة التي تمشي بيننا على الأرض؟ هل تُراهم يفهمون؟ لا لن يفهمون! وإنّما في مثل هذا قال قائلُ المثل: “أنا عارف نفسي ما حبّة عيش؛ لكن البقنع الدّيك منو”؟ وإنّما في مثل هذا استشهدنا في حلقتنا السّابقة بالمثل العالمي: الكيزان هؤلاء بالضّبط مثل البوربون؛ لم يفهموا شيئاً كما لا ينسوا شيئاً! أللهمّ لا شماتة!

الكيزان والخلايا النّائمة للأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة
تكمن خطورة الخلايا النّائمة للأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة في أنّها تتظاهر كما لو كانت على طرفي النّقيض من الكيزان، وما هي بذلك في حقيقة أمرها. وعناصر هذه الخلايا النّائمة موجودة في كل أشكال الطّيف السّياسي، بيمينها الكلاسيكي وبيسارها الكلاسيكي، ثمّ كذلك بوسطها الكلاسيكي. ليس هذا فحسب، بل هي موجودة حتّى بين قوى اليسار بحسب مفهوم التّحليل الثّقافي، بمثلما هي موجودة بين قوى اليمين بحسب مفهوم التّحليل الثّقافي، وأخطر من كلّ هذا هم موجودون وبكثرة بين صفوف الوسط، أيضاً بحسب مفهوم التّحليل الثّقافي، ما يعني أنّهم موجودون داخل صفوف قوى السّودان الجديد. هؤلاء ليسوا فقط بمثابة عملاء سِرّيّين للأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة، بل هم بمثابة السلسلة الفقاريّة لهذه الأيديولوجيا. وما تخفّيهم هذا إلاّ ناجمٌ عن كامل وعيهم وإدراكهم بالمخاطر التي يشكّلها خطاب السّودان الجديد لأيديولوجيّتهم الإسلاموعروبيّة. وعليه، على مستحكم غبائهم الأيديولوجي، هم أذكى من جنود الصّفّ الأوّل للأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة، كونهم نظروا وأدركوا كيف ومن أين يمكن أن تؤكل أكتافُهم. وعلى هذا تظاهروا بأنّهم ينتمون إلى خطاب السّودان الجديد، بينما هم، كلّ واحد منهم على حدة، ينتظرون اللحظة التي يبرزون فيها للمشهد العام، متظاهرين بشديد حرصهم على خطاب السّودان الجديد، وفي النّفس الوقت محذّرين من الخط الجاري في مواجهة الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة وكشفها وفضحها، مولولين ومتباكين بأنّ هذا المنهج يستعدي علينا النّاس، وأفضل منه أن نتّبع منهجاً أكثر مرونةً وأكثر حكمةً .. إلخ. كيف يكون ذلك والنّاسُ يقتّلون ويذبحون، والنّساءُ والفتياتُ يُسْتَحْيَيْن جماعيّاً وعلى مرأى من بعضهنّ بعضا، والقرى تُحرقُ والأهلون المسالمون يُنزّحون قسراً ويُهجّرون؟ من أين تأتي الحكمةُ في هذا الخضَمِّ اللاجب؟
للخلايا النّائمة للأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة في هذا حيلٌ وأخاديع، لكنّها لا تنطوي إلاّ على مِراضِ القلوب ومحجوبي العقول. وبالطّبع، لسنا بصدد الاستطراد في تحليل وتشريح مكوّنات وتكتيكات الخلايا النّائمة للأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة، فهذا يتجاوز مقالنا هذا، وفيما كتبناه عنهم في مواقع أخَر فيه من الكفاية ما يكفي. ولكن، أدناه سوف نستعرض في ذلك لبعض حيلٍ ممّا اجترحوها تحديداً في معركة الكيزان ضدّ مشروع الدّولة الوطنيّة ممثّلاً في استحقاق القرّاي، كمواطن سوداني وكمتخصّص أكاديمي، لشُغل وظيفة مدير إدارة المناهج بوزارة التّربية والتّعليم.
من ذلك، مثلاً، أُخدوعةُ الزّعم بأنّ عمر القرّاي كان ينبغي أن يبدأ مشروع إعادة النّظر في المناهج بالمؤتمرات الأكاديميّة. وهذه دعوة حقٍّ يُرادُ بها باطل، وهي تستهدف عين السّياسات التي يضعُها عمر القرّاي. فالمدّة الكافيّةُ في حدّها الأدنى لاستكتاب العلماء في المؤتمرات العلميّة المحترمة هي تسعةُ أشهرٍ، ويعني هذا أن يتوقّف مشروع إعادة النّظر في عبث الإنقاذ بالمناهج لما يقارب العام؛ ولو وضعنا في الاعتبار ما تستدعيه التّوصيات من تدبّر إداري ثمّ تمويلي بغرض التّنفيذ، لتجاوز الأمر العامين الكاملين وعندها لحبُطت محاولات تصحيح اعوجاج المناهج. في مثل هذا لا يملك المرءُ إلاّ أن يقول لهم “إلعبوا غيرها”! كما إنّ مثل هذه المؤتمرات يستوجبُ عقدُها في الأوضاع العاديّة، وليس في الأوضاع الثّوريّة الحاليّة التي نمرُّ بها حيث يتّفق الجميع (بما في ذلك عدد كبير ومقدّر من الإسلاميّين) بأنّ نظام الإنقاذ لم يستهتر بمؤسّسات الدّولة السّلطويّة كالجيش والبوليس فحسب، بل بمؤسّسة التّعليم بوجهٍ خاص. فكيف يكون التّعامل الثّوري مع هذه العوسجةِ العوراء؟ ببساطة، يكون ذلك بالاستئناس بآراء من يقومون بتدريس هذه الموادّ من لفيف أشياخ المعلّمين من كلِّ أُستاذٍ فِطَحْلٍ في مادّته ومن زَمَلَهُ على عهد الأمس ما قبل زمان الإنقاذ، ذلك إن كان قد تبقّى منهم بعضُ الأساتيذِ الأفضلين. وهذا بالضّبط ما يفعله عمر القرّاي!
مثال آخر، أخدوعةُ مهاجمة الخطاب المنافح عن ضرورة تصحيح الوضع في المناهج التّعليميّة وتحريرها من عبث الكيزان الذي استمرّ لثلاثين عاماً. وهنا يكون أكثر هجومهم السّعاري الضّاري ضدّ الخطاب الفاضح لحيل وأخاديع الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة. من ذلك ما سألني به صديق قديم ممّن يقعون تحت طائلة الخلايا النّائمة للأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة، تعليقاً منه على مقالي السّابق في نفسه هذا الموضوع، عمّا إذا كنت سأحتاج للتّأكيد على أنّنا لا نقصد أيّاً من الثّقافتين العربيّة والإسلاميّة، ذلك في حال لم استخدم مصطلح “الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة” (نصّاً: “تُرى هل كنت ستحتاج لأن تشرح أنك لست ضدّ العروبة أو الإسلام إذا لم تورد مصطلح الإسلاموعروبيّة”)؟ وبالطّبع، ليس أيسر من تدبير الإجابات لمثل هذه الأسئلة التي تُثار ببراءةً بادية، بينما هي شراك مسمومة بالغرض. وقد جاء ردّي له على النّحو التّالي بقليلٍ من التّصرّف: “من حقّ أيّ شخص أن يسُكّ المصطلحات بما يرى أنها تخدم التّعبير عن مفاهيمه. أوّلاً، ما أحوجني إلى ذلك الشّرح ليس استخدامي لمصطلح ’الإسلاموعروبية‘، بل لجهل عامة الناس وأشباه المثقّفين عندنا (وما أكثرُهم) بما يعنيه مصطلح ’أيديولوجيا‘. فلو أنّي استخدمت مصطلح ’الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة‘ في بريطانيا وأنا أخاطب مثقّفيها في حدّهم الأدنى، عندها لما احتجت للتّوضيح الذي أشرتَ له. فأوروبّا في أدنى مستويات الوعي العام فيها تعرف أنّ الأيديولوجيا هي شيء ضدّ الثقافة وذلك بحكم أنّها هي التي أنتجت هذه المصطلحات”. فالأيديولوجيا تقوم بتزييف الواقع، وترسم له صورةً ليست مطابقة لما هو موجود الأرض، بل تصوّر الواقع بحسب ما يتمنّى المرء المصاب بجائحة الأيديولوجيا. ولهذا فإنّها تُعلي من دوافع وأفعال ربّما كانت منحطّة ودنيئة، ولا يقبلُها الحسُّ السّليم. وليس أدلّ على ذلك ممّا يحدث في دارفور (وكذلك في جبال النّوبة والنّيل الأزرق، وقبل كلّ ذلك في الجنوب الحبيب) حيث يقوم أفارقةٌ سودُ عربفونيّون (لا يعرفون غير العربيّة لغةً لهم بحكم أنّهم قد استعربوا، متوهّمين أنّهم بذلك قد أصبحوا عرباً، بينما مركز الهويّة العربيّة لا يرى فيهم شيئاً بخلاف أنّهم أفارقة سود) بتقتيل إخوتهم الأفارقة السّود الذين لم يستعربوا بعد. في هذا، يحرقون القرى، وينهبون الممتلكات، ثمّ أسوأ وأدنى في سلّم الإنسانيّة، يقتلون الرّجالَ ويستحيون النّساء والفتيات تمتّعاً واغتصابا، وبطريقة منظّمة، ثمّ لا يستحيون حتّى الأطفال وعُجّز الرّجال القاعدين، يفعلون كلّ هذا دون أن يطرف لهم جفن كما لو كانوا يأكلون ويشربون. وهم في كلّ هذا يتوهّمون أنّهم إنّما يحسنون صُنعاً يُرضي أهاليَهم بمثلما يُرضي الإله، هذا بينما لا يستحقّون في هذه الحياة الدّنيا شيئاً بخلاف القصاص العادل، وفي الآخرة عذابُ جهنّمَ خالدين فيها أبدا ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (22)﴾ [سورة النّبأ].
MJH
الخرطوم 10 مايو 2020م

تعليق واحد

  1. يسلم يراعك يا دكتوMJHعلي التحليل وتسليط الضوء علي الايدلوجيا الاسلامو عروبية والخلايا النائمة من الكيزان لكن الخطر الداهم علي الثوره والعصي المدفونة هم حزب الأمة وجماعة الصادق المهدي المتمثلة في وزارة المالية والتحالف الخفي بينه وحميتي هو في الأساس يريد استخدام حميتي سلما للوصول الي السلطة . اكشف هذا المخطط من فضلك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق