أعمدة ومقالات

الحملة ضد الدكتور عمر القرّاي: المغزي والمرامي وخيبة المسعى!(3)

محمد جلال هاشم

التّعليم الأولي هو أساس التّعليم العالي

في أخريات الخمسينات، تمكّن الاتّحاد السّوفيتي من إرسال أول إنسان خارج الغلاف الجوّي للأرض، وهو الحدث الذي هزّ الأمريكان حتّى جعلهم يراجعون كلّ حساباتِهم. وكان ضمن أعلى أولويّاتهم مراجعة التّعليم الأوّلي، ثمّ التّعليم الوسيط، وأخيراً التّعليم العالي. فقد نظروا لتفوّق الرّوس عليهم على أنّه ناتج التّفوّق في التّعليم، الأساس منه بالتّحديد. وبالفعل، شرع الأمريكان في مراجعة التّعليم من مرحلة ما قبل المدرسة إلى الجامعة، فابتكروا فيه بقدر ما توفّر لهم من علماء أجلاّء، خاصّةً وأن حقل الأكاديميّات الأمريكي كان هو الحاضنة التي تمّ فيها تفريخ علم التّربية بوصفه مساقاً علميّاً قائماً على ذاته منذ بدايات القرن العشرين. وقد توقّف على تطوير علم التّربية علماء أفاضل من أمثال جون ديوي John Dewey (1859م ــــ 1952م) الذي يعتبر من أشهر مؤسّسي علم التّربية. وبالفعل، إن هي إلاّ سنوات قلائل حتّى تمكّن الأمريكان من الوصول إلى سطح القمر.

وقد كان من أثر ذلك أن قامت أمريكا بتبنّي نظام الوحدات الدّراسية Course Unit System في الجامعات وهو النّظام الذي كان موريسون Morrison قد اقترحه للمدارس الثّانويّة في منتصف عشرينات القرن العشرين. بهذا تمّ اعتماد نظام الفصل الدّراسي لنصف العام semester للمادّة الواحدة، وقد تبعتهم في هذا مجموعة دول فأبلت بلاءً حسنا. هذا بينما كان النّظام القديم يقوم على أنّ الكورس للمادّة يستمرّ بطول العام الدّراسي، وهو ما واصلت فيه بريطانيا ومجموعة دول أخرى إلى أن قامت أخيراً باتّباع الطّريقة الأمريكيّة المبتكرة. وقد قامت جامعة الخرطوم بتبنّي نظام الوحدات الدّراسيّة في أواخر سبعينات القرن العشرين، بينما لم تتمكّن من تطبيقه فعليّاً إلاّ مع بداية العام الدّراسي لسنة 1980م، حيث بدأت تطبيقه في طلبة السّنة الأولى بكلّيّة التّربية. وتعتبر جامعة كينياتا بكينيا من أوائل الجامعات بأفريقيا التي تقوم بتطبيق نظام الوحدات الدّراسيّة، إن لم تكن الثّانية بعد جامعة الخرطوم. وهذا يكشف لنا الدّور الرّيادي لجامعة الخرطوم في مجال السّبق.

وعلى أيّ حال، فإنّ هذا الاستعراض المقتضب يكشف لنا أهمّيّة التّعليم الأوّلي الابتدائي في تجويد أداء التّعليم في المستوى العالي. فالعِمارة الشّاهقة التي تشقُّ عنانَ السّماء تستمدّ وقفتَها الشّامخة المشمخرّة من أساسها المغروس عميقاً في الأرض. فمن يريد أن يتطاول في البنيان، عليه، أوّلاً، أن يغوص عميقاً في باطن الأرض. فلا عُلُوَّ بلا تعمّقٍ في الأرض!

تُرى إلى أيّ درجة تدهور التّعليم الجامعي في عهد الإنقاذ؟

لا أريدُ أن أُطيل هنا، بل سأعمد إلى تجارب عشتُها في مجال التّدريس ببعض الجامعات وكلّيّاتها، حيث كنت أدرِّس مادّة اللغة الإنكليزيّة بجانب موادّ أخرى، مثل الثّقافة السّودانيّة وثقافة السلام وفضّ النّزاعات والدّراسات الإسلاميّة. في السّنة الأولى بإحدى الجامعات، ولطلبة شعبة اللغة الإنكليزيّة في السّنة الأولى، اضطُرِرْتُ إلى أن أقوم بتدريس الطّلبة كتب الــ Readers التي كانت مقرّرة علينا عندما كنّا في المرحلة المتوسّطة في أوائل السّبعينات. وقد كان ذلك بعلم وموافقة إدارة الجامعة. لماذا؟ لأنّ مستوى الطّلبة (وهم في شعبة اللغة الإنكليزيّة) كان بدرجة يصعب وصفُها، حيث كان مستواهم حقيقةً أدنى من مستوانا ونحن في أولى ثانوي عام (وليس في الثّانوي العالي حيث كنّا منتصف السّبعينات نُقيم الجمعيّة الأدبيّة بالإنكليزيّة ونُصدر صحفَنا الحائطيّة بها). لقد اضطُرِرْتُ إلى أن أقوم بتدريس كتب الـ Readers التي كتبها طيّبُ الذّكر مايكل ويست Michael West قبل الخمسينات لطلبة جامعيّين يفترض فيهم أنّهم يدرسون اللغة الإنكليزيّة كتخصّص وفي شعبة اللغة الإنكليزيّة. وقد بدأتُ بكتاب Reader I ومن ثمّ إلى Reader II ومنه إلى Reader III إلخ. وأذكر أنّني طلبتُ من أحد الطّلاّب أن يقرأ لي قطعة من Reader II فتعثّر وتلعثم وأعمل معولَه في اللغة الإنكليزيّة بلا رحمة. ثمّ كانت الطّامّة عندما جاء إلى كلمة once فنطقها “أونكي” (بالإمالة ــــ أي والله!)، فصحّحتُه (ونْصْ)، فنطقها كما قلتُها له، ثمّ صادفته بعد سطرين (بطريقة مايكل ويست في تكرار الكلمة الجديدة عدّة مرّات)، فإذا به ينطقُها “أونسي” (أُقسم بالله العظيم)!

وفي كلّيّة جامعيّة أخرى للبنات (ليست جامعة الأحفاد) انضممتُ إليها كمحاضر غير متفرّغ لملء خانة أستاذ صديق لي غادر إلى السّعوديّة، كان عليّ أن أقوم بتدريس الأدب الإنكليزي، فوجدتُهم قد وقفوا عند إحدى مسرحيّات شيكسبير. فشرعتُ في التّدريس في أوّل محاضرة، وطبعاً باللغة الإنكليزيّة، فإذا بالفصل تعُمُّه الفوضى والاحتجاجات. ماذا؟ ما بكم؟ إنّك تُدرّس بالإنكليزي! وكيف يفترض بي أن أدرّسكم مسرحيّة شيكسبير في مادّة اللغة الإنكليزيّة؟ فتخيّلوا ماذا كانت إجابتُهم؟ “عليك أن تُدّرسنا باللغة العربيّة”! لكم ألاّ تصدّقوني، فالحقيقة أصعب من أن تُصدّق! إذ لم يكن في مقدورهم أن يفقهوا كلمة واحدة باللغة الإنكليزيّة. وأذكر في نفس هذه الجامعة، وفي مادّة قواعد اللغة الإنكليزيّة لطلبة الإعلام، حاولت أن أشرح لهم مفهوم الزّمن في الأفعال Tenses [كذا!]، فبدأتُ معهم باللغة العربيّة قائلاً (مستعيناً بابن مالك): “اللغة تتكوّن من كلمات مجموعُها يشكّل لنا الجملة وهي بدورها تتكون من اسم وفعل وحرف”. ثمّ كتبتُ لهم هذا بالإنكليزيّة على النّحو التّالي:

Words > Noun + Verb + Particles > Sentence

ثمّ طلبتُ من إحدى الطّالبات أن تُعيد على مسامع الفصل ما قلتُه أعلاه مع الشّرح (دون أيّ زيادة أو نقصان)، فتلعثمت وتدلّلت ثمّ تدلّعت، وتساءلت: الكلمة وُوريد word مش معناها العالم (world)؟ عندها تجمّلتُ بالصّبر حتّى أكملتُ الشّهر ثمّ قدّمتُ استقالتي للمدير. فقد كان ذلك فوق احتمالي.

هذه بعضُ أمثلة وقد نستطرد فيها ونتوسّع في كتابات لاحقة، لكنّا نكتفي بهذا في هذه العُجالة. لكن المهمّ في هذا الموضوع هو الإجابة على السّؤال التّالي: كيف انخفضت المستويات في اللغة الإنكليزيّة لهذا الحدّ في زمن الإنقاذ الذي أصبحت فيه مادّة اللغة الإنكليزيّة تُدرّس حتّى في مرحلة الأساس؟ إذ ينبغي أن يكون المستوى في الجامعة ولطلبة شعب اللغة الإنكليزيّة أفضل حالاً ممّا كان عليه الأمر قبل زمن الإنقاذ. وطبعاً الإجابة التي يعرفها الجميع (بما في ذلك الكيزان أنفسُهم لولا المكابرة والتّنطّع إذ عادةً ما تأخذُهم العزّةُ بالإثم) هي التّوسّع الكمّي على التّجويد النّوعي، بدءاً من التّعليم الابتدائي، الأمر الذي جعل التّعليم كالبنيان المتطاول لكن بلا أساسٍ منغرزٍ عميقاً في الأرض.

ولا يظُنّنّ أحدٌ أنّ مستوى اللغة العربيّة أفضل حالاً من الإنكليزيّة، وهذا سنأتي له في حينه في الحلقة الخامسة والأخيرة. وفي الحقِّ، فإنّ أكبر وأضخم سجن ومعتقل أقامته دولة الإنقاذ المارقة هو اعتقال أجيال بأكملها داخل سجن اللغة العربيّة دون أن تنال شرف تجويد معرفتهم بهذه اللغة نفسها. بهذا خرجت لنا أجيال بأكملها، في زمن العولمة حيث تتدفّق ما نسبتُه 90% من المعرفة باللغة الإنكليزيّة، وهي لا تعرف من الإنكليزيّة أكثر من الجمل النّمطيّة التي يعاظلونها في مشقّة، تظاهراً منهم بأنّهم ينتمون بدورهم إلى عصر العولمة. هذا في الوقت الذي كان فيها قادة الإنقاذ والكيزان بصورة عامّة يُدخلون أبناءهم وبناتهم في المدارس الخاصّة التي تُدرّس باللغة الإنكليزيّة. فعلوا هذا لأنّ لهم غبينةً ضدّ هذا الشّعب العظيم، ولا يغتبنُ ضدّ شعبه إلاّ خاسرٌ عاق لا يستحقُّ أن ينتمي لشعبه في الأساس.

تخطيط وتصميم المناهج

لعلّه لا توجد مادّة في محرّك البحث قُوقل Google يمكن أن تملأ مراجعُها أكبر الكمبيوترات سعةً مثل مادة “التّربية” Education، بتفريعاتها المساقيّة Disciplines المتعدّدة. فعلم التّربية بحرٌ زاخرٌ، بل هو محيط لا يُعرف له قرار كما لا يُعرف له ساحل. ولهذا يعمُر النّقاشُ في مجال التّربية بالرّياح المتضاربة والمتعاكسة من حيث التّمكّن المعرفي ونظريّاته، ومن حيث الدّوافع الفنّيّة والثّقافيّة في مواجهة الدّوافع السّياسيّة الأيديولوجيّة. ولكن، بالطّبع هناك أسس للعمليّة التّربويّة بحكم أنّ التّربية هي علم. وما يعنينا هنا في علم التّربية هو تخطيط وتصميم المناهج. وهذا نفسُه بحر متلاطم الأمواج، لا يُعرف له قرار، كما لا يُعرف له ساحل. أدناه استعراض عام ومختصر لأسس علم تخطيط المناهج قصدنا به أن يكون توطئة لما نحن بصدده.

المنهج الدّراسي يعني التّفاعل المُخطَّط للمتعلّمين مع متطلّبات التّعليم instructional requirements القائمة على المحتوى content، المواد materials، بما يؤدّي إلى تحقيق أهداف التّعليم educational objectives. هناك العديد من مبادئ تصميم المناهج التي ينبغي وضعها في الاعتبار، مثل الطّبيعة الشّخصانيّة للمتعلّمين personalization، السّعة breadth المتحقّقة للمتعلِّمين والمعلِّمين والمادّة، الملاءمة relevance التي ينبغي أن يشعر بها المتعلّمون إزاء المادّة التي يدرسونها، التّماسك coherence الموضوعي للمادّة داخل نفسها، ثمّ مع ما قبلها وما بعدها، روح المواجهة والتّحدّي challenge من قبل المتعلّمين إزاء ما يدرسونه، ذلك حتّى يحدث التّفاعل المطلوب مع المادّة، ثمّ أخيراً وليس آخراً ضرورة توفّر درجةٍ كافيةِ التّحفيز من الإمتاع enjoyment في المادّة من حيث تدريسها (المعلّم) وتعلّمها (الطّالب)، بما يجعل عمليّة التّعلّم تنطوي على الحافز القوي للتّقدّم إلى الأمام. وتتّصف عمليّة تصميم المناهج بالابتكار innovation، ما يستدعي التّقويم المستمر للموادّ، ولمن يقومون بالتّدريس، وكذلك من يخضعون للتّدريس، ثمّ المؤسّسة التي في داخلها تحدث العمليّة التّعليميّة، إدارةً وتدريساً. ولهذا يستدعي الابتكار في المناهج curriculum innovation إحداث التّغييرات الداخليّة باستمرار في قاعدة المؤسّسة التّعليميّة التي هي المدرسة. ولهذا يعتقد علماء التّربيّة أن إحداث هذه التّغييرات نفسها يعتبر ابتكاراً في حدّ ذاته. ويمكننا أن نملأ الصّفحات بأسماء المراجع السّلطويّة في هذا المجال لولا أنّنا لا نُريد أن نُثقلَ على القارئ.

هذه هي بصورة عامّة الأسس التي ينبني عليها علم تخطيط المناهج. وهذه صيغة سيقع عليها كلّ من يبحث عن هذا الموضوع في قوقل، وقد قمنا بترجمتها بتصرّف. أدناه سوف نستعرض بعض وجوه مناهج التّعليم الابتدائي والثّانوي في زمن الإنقاذ ممّا لا يزال معمولاً بها في المدارس وهو عين ما تعمل إدارة المناهج الآن على تغييرها تحت قيادة الدّكتور عمر القرّاي.

أهداف التّعليم Educational Objectives

لا تعليمَ بلا أهداف عليا! فما هي الأهدافُ العليا للتّعليم في بلاد العالم وعبر التّاريخ؟ بصورة عامّة هي تأهيل النّشء من مرحلة ما قبل المدرسة انتهاءً بالجامعة وما فوقها، أوّلاً، لتوسيع مداركهم بغية تكريس نضجهم بما يجعلهم قادرين على إدارة بلادهم وشئون شعبهم والتّقدّم به إلى الأمام. ثانياً، اكتساب المعارف والفنّيّة التي ستجعلهم قادرين على تحقيق الهدف الأوّل بما يعني التّمكّن من الابتكار جماليّاً وأخلاقيّاً، ثمّ تقنيّاً، تذليلاً للصّعاب في مواجهة عناصر الطّبيعة بصورة عامّة، والبيئة التي تُحيطُ بهم بصورة خاصّة، ثمّ بالشّعوب التي تُحيط بهم بصورّة أخصّ، تحقيقاً للرّفاهيّة للشعب والبلد، بما يجعل بلدَهم وشعبَهم قادراً على حماية مكتسباته وسيادة دولته على أرضه واستقلاليّته، ثمّ بما يدعم عمليّة السّلام العالمي درءاً للحروب والفتن، ودرءاً للكوارث التي تهدّد حياة الإنسان على كوكب الأرض.

هذه هي الأهداف العليا للتّعليم على مستوى العالم المتحضّر وعبر التّاريخ، حتّى قبل أن يعرف علم تخطيط المناهج! فهل كانت هذه هي فعلاً أهداف التّعليم لدى دولة الكيزان البائدة؟ هذه الدّولة التي بدأت أيّامَها وهي تتوعّد الدّول العظمى بدُنُوِّ عذابِها (أمريكا روسيا قد دنا عذابُها)؟ هل كانت هذه هي أهداف التّعليم لدى دولة الكيزان التي استهدفت كلّ من لا ينتمي لفكرها فحرمتهم من العمل في مؤسّسة الدّولة، هذا كما لو كانت الدّولة فيئاً غنموه في الحرب، حربهم ضدّ شعبهم؟ هل كانت هذه هي أهدافُهم عندما أعلنت دولة الكيزان الجهاد على مواطنيها في الجنوب فكان أن أدّى ذلك إلى فقدان البلاد ثلث أراضيها بانفصال الجنوب، ثمّ استمرّت تفعل نفس هذه السّياسات في جبال النّوبة والنّيل الأزرق حتّى أصبح مطلب تقرير المصير أحد أهمّ شروطهم لتحقيق السّلام إذا لم يتمّ تضمين عَلمانيّة الدّولة في الدّستور؟ هل كانت هذه هي أهدافُهم للتّعليم وهم الذين فرّطوا في سيادة البلاد، فقامت دول الجوار باحتلال أراضينا، ثمّ لم يكفهم هذا فقاموا باستقدام شُذّاذ الآفاق من دول الجوار الغربي فسلّحوهم ليقتلوا المواطنين السّودانيّين ويجلوهم عن قراهم؟ هل كانت هذه هي أهدافُهم للتّعليم وهم الذي “مرمطوا” اسم السّودان لدى دول قمنا بتأسيسها وتعليم أبنائها حتّى أصبح السّودان “ملطشة” بين شعوب هذه الدّول؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن ينشغل بها من يطالبون بإقالة الدّكتور عمر القرّاي بموجب أوهام اصطنعوها بسس الغرض وسوء الطّويّة، هذا قبل أن يعرفوا ماذا سيفعل الرّجل.

وقد حاكمناهم بما انتهت إليه سياساتُهم لأنّها في الحقيقة ناتج التّعليم. فكلُّ عمليّة سياسيّة توزنُ من حيث النّجاح والفشل بنتائجها النّهائيّة، لا بالنّوايا المُعتَملة في النّفوس لحظة تخطيطها. فلو كان التّخطيط للتّعليم من قبل دولة الكيزان قد استهدف هذه الأهداف من حيث النّوايا والإعلان عنها، بينما خانهم التّطبيق، فعندها أيضاً لا عبرةَ بهذه النّوايا في مجال السّياسة. فالشّعوب ليسوا فئران تجارب معمليّة تقبل ممارسة تجربة الخطأ والصّواب Trial and Error. فالعملُ في هذه الدّنيا، من حيث سياسات الدّولة، بنتائجه، لا بنواياه الطّيبة. فهل كان هذا هو حال دولة الكيزان؟ لا وأيمِ الله! فهم لم يستهدفوا هذه الأهداف السّامية، بل أعلنوها بصراحة (وبالطّبع من غير “اختشا”) أنّهم جاؤوا لربط قيم السّماء بالأرض ولصناعة الشّعب المسلم العابد التّقي (كما لو لم يدخل الإسلام قلوب السّودانيّين قبل حكمهم)، ذلك بتوهّمهم ازايد ارتياد عامّة النّاس بالعشرات والمئات والآلاف والملايين للجوامع، وبدالّة حفظ التّلاميذ للأجزاء بعد الأجزاء من القرآن، ثمّ حفظ الأحاديث بعد الأحاديث ولو كان ذلك على حساب باقي المواد، من لغة عربيّة وإنكليزيّة وفيزياء ورياضيّات .. إلخ (كما سنرى أدناه في الحلقة القادمة). لكم صدق المثل السّاخر الذي قال عنهم إنّهم قد دفعوا النّاس إلى الجوامع، وعندما جاء دورُهم، فرّوا من الجوامع ودخلوا الأسواق لينهبوها ويأكلوا مال الشّعب سُحتاً وحراما.

وقد أثبتوا في هذا أنّه ليس هناك خطّ أحمر لا يمكن لهم تجاوزه. فمن يأكل مالَ السُّحت، ثمّ يمشي بين النّاس متبختراً كما لو صعد إلى القمر، ينطبق عليه المثل القائل “ومن لم يستحِ، فليفعل ما يشاء”. ولو أنّهم درّجوا أطفالَهم، أبناءَهم وبناتِهم، في المدارس التي قاموا بشيطنتها ومن ثمّ تدميرها، عندها لحفظنا لهم هذا الصّدق مع النّفس؛ ولكنّهم فعلوا هذا بأبناء وبنات الشّعب، ثمّ دفعوا بأطفالهم لارتياد المدارس الخاصّة، ولاحقاً الجامعات بالدّول الغربيّة التي وصموها بالكفر وتوعّدوها. وفي الحقِّ، لم يترك الكيزان موبقةً على الأرض لم يقارفوها حتّى شرع النّاس يستذكرون الحديث الشّريف الذي يقول “سَيَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أَحْدَاثُ الأسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأحْلَامِ يقولونَ مِن خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ، يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، … إلخ” (صحيح مسلم). لقد فعلوا بالبلاد ما لم يفعله المستعمر الذي، برغم استعماره، إلاّ أنّه بنى وعمّر. وكما قلنا، كلّ هذا فعلوه باسم الدّين الإسلامي والإسلامُ من أفعالهم بريئ.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق