أعمدة ومقالات

الحملة ضد الدكتور عمر القرّاي: المغزي والمرامي وخيبة المسعى! (4)

محمد جلال هاشم

بعد تحديد أهداف التّربية، يقوم المختصّون في علم تخطيط المناهج بتحديد المواد التي ينبغي تضمينُها في المناهج. بالطّبع هناك مواد عادةً ما تكون مضمّنة، مثل اللغات، الرّياضيّات، التّربية الدّينيّة، العلوم بفروعها .. إلخ. ولكن هناك مواد أخرى كثيراً ما تخضع للسّياسات المتّبعة في التّربية وما إذا كان من المهمّ تضمينُها أم لا. من هذه المواد، مثلاً، الفلسفة، الاجتماع، علم النّفس، التّربية الوطنيّة، المكتبة، الموسيقى، التّربية العسكريّة، التّدبير المنزلي (لمدارس البنات)، المواد العمليّة خارج ساعات الدّراسة (مثل المدوّنة الطّبيعيّة في زماننا حتّى نهاية السّتّينات)، وكذلك الجمعيّة الأدبيّة، والرّياضة، ثمّ الرّحلات والمعسكرات الخارجيّة بعيداً عن المدينة أو القرية .. إلخ).
وكما نرى، تضمين هذه المواد من عدمها لا علاقة له بضمير خبير المناهج. إذ يمكن أن نستعين بشخصيّة خبيرة في تخطيط المناهج على المستوى الدّولي لتحديد ما إذا كان من المهمّ تضمين أيّ مادّة من هذه المواد أم لا. هذا الشّخصيّة قد تكون مسلمة أو قد تكون مسيحيّة، أو يهوديّة أو بوذيّة .. إلخ، فهذا لا يهمّ طالما كانت المسألة علميّة. كيف؟ لأنّ هذه الشّخصيّة، في المفترض، لن تصدع برأيٍ يقوم على الهوى. فمثلاً، إذا أوصت بتضمين مادّة علم النّفس، فهذا سيكون جرّاء مسوحات اجتماعيّة نفسانيّة أشارت، مثلاً، إلى تحامي المجتمعات السّودانيّة للاستطباب النّفسي الحديث، مفضّلين في ذلك الشّيوخ وما شابه. هنا تجيء توصية الخبير بتضمين مادّة علم النّفس لتنوير الأجيال الصّاعدة بأهمّيّة هذا العلم ولكسر الحواجز النّفسيّة تجاه الاعتلالات والأمراض ذات الأساس النّفساني. وبالطّبع، مثل هذا الإجراء من المتوقّع له أن يؤتي بأُكُلَه بعد حوالي ثلاثة أجيال من دراسة المادّة، ما يعني ضرورة استمرار تدريس هذه المادّة لمدّة 15 إلى 20 عام. وهكذا، نرى أنّ تخطيط المناهج ليس عملاً يمكن أن ينجح فيه الإديولوق Ideologue (المؤدلج مثل الكيزان)، بعكس البيداقوقPedagogue (المربّي المتخصّص).
أدناه سوف نستعرض باقي أسس تخطيط المناهج وصياغتها.
المواد Materials والمحتوى Content
قاعدتان، تنبني عليهما قاعدة ثالثة، لا يفوز من تجاهلهم: القاعدة الأولى هي أنّ كل مادّة تحدّد محتواها بموجب طبيعتها العلميّة؛ ثمّ، القعدة الثّانية هي أنّ كلّ مادّة تحدّد محتواها بموجب مستوى دارسيها؛ أمّا القاعدة الثّالثة التي تنبني عليهما فهي أنّ هاتين القاعدتين لا تعنيان أيّ شيء إيجابي إذا لم يتمّ تأهيل كادر التّدريس بناءً عليهما! هذه ثلاث قواعد لا علاقة لها إذا ما كان خبير تخطيط المناهج مسلماً أم مسيحيّاً أم كافراً. القاعدةُ الأولى تعني عدم الخلط بين مادّةٍ وأخرى إلاّ بتأسيس علمي. فمثلاً، مادّة الجغرافيا تشتمل على نوعيّة علوم معروفة. ويعني هذا، مثلاً، ألاّ نقوم بتضمين نظريّة فيثاقورس في مادّة الجغرافيا، إلاّ إذا ثبُت علميّاً وجود علاقة بين المساقين، ثمّ توفّر عامل السّببيّة الخاص بالمادّة قيد التّخطيط. هذا في المراحل التّعليميّة من المدارس الأّوليّة إلى الثّانوي. إذ كلّما تقدّم المرءُ في العلم، كلّما اكتشف أنّ جميع العلوم تتّجه لوجهةٍ واحدة تلتقي فيها جميعاً، هو ما يسمّى بوحدة المعرفة. وبالطّبع، ما نعنيه بالجزئيّة الاشتراطيّة التّالية “إلاّ بتأسيس علمي”، فهو ما تتّبعه بعض المناهج بدمج مادّتين في مادّةٍ واحدةٍ. وقد اتّبعت دول الإنقاذ هذا المنهج في بعض المواد، من ذلك مقرّر الصّفّ الثّامن أساس: الإنسان والكون: نحن والعالم المعاصر (2010م ــــ 2011م). يقف هذا الكتاب، الذي سوف نستعرضه أدناه، كدليل على التّخليط بغير علم، بجانب الرّكاكة في اللغة، بجانب “الكلفتة”Mediocrity .
والقاعدة الثّانيّة تقضي أن يقوم تخطيط المناهج على تحديد الكمّ المعرفي في المادّة المعنيّة بطريقة متكاملة مع ما قبلها ومع ما بعدها حتّى يبدو الأمر أشبه بالسُّلّم يتدرّجُه التّلاميذ وهم، ليس فقط لا يشعرون بالتّعب، بل ويستفيدون ممّا درسوه في المادّة كمقدّمة لهم لفهم نفس المادّة في مستوى أعلى. أمّا القاعدة الثّالثة فهي ضرورة تدريب وتأهيل المدرّسين الذين يقومون بتدريس هذه المواد. لماذا؟ هل فقط للقيام بالتّدريس؟ لا! بل لأنّهم هم الذين يلعبون الدّور الأكبر في تقويم المادّة، ثمّ في إجراء المسوح الميدانيّة للتّوفّر على مردودات Feedback للعمليّة التّعليميّة بموجبها تتمّ عمليّة إعادة النّظر في المناهج وتعديلها أو إلغائها حتّى. وهذا أحد أخطر الجوانب التي تجاهلتها دولة الكيزان في العمليّة التّعليميّة. فبالنّسبة لهم، كان المعلّم هو غريمَهم وعدوَّهم بحكم أنّهم كانوا ــــ ولا يزالون ــــ لا يثقون إلاّ بمنسوبيهم المنظّمين معهم. وبالطّبع، غالبيّة المعلمين لم يكونوا كذلك، بجانب تحاشي كوتدرهم لهذا الحقل لما فيه من شقاء وقلّةٍ في الرّزق.
كلّ ما ذكرناه يُشير بوضوح إلى لأنّ هذه عمليّة علميّة تخضع للمراجعات العلميّة والحسابات الدّقيقة التي لا يقدرُ عليها إلاّ أهلُ الاختصاص فيما يسمّى بالتّجزئة المعرفيّة Knowledge Piecemealing. فقد يكون المرءُ معلّماً متمرّساً في مادّته، دون أن يكون قادراً على أن يفعل هذه االتّجزئة بكفاءة، ما لم تكون له خبرة طويلة في حقل التّدريس بحيث يكون قد شهد عدّة مراجعات للمناهج فتقلّب بينها، بجانب تلقّي الكورسات في مسيرة حياته العمليّة. وبهذا يمكن اعتمادُه كمتخصّص في تخطيط المناهج بالخبرة العمليّة. هؤلاء هم الذين يقومون بمراجعة المناهج ومقارنتها ببعضها البعض. ومن خلال المردود Feedback الذي يقومون به، بجانب نظريّات علم المناهج التي تشهد عادةً تطوّراً مضطرداً، تتمكّن إدارة المناهج من تقويم المناهج وإعادة تخطيطها وتطويرها. فعمليّة التّجزئة هذه تحتاج لمتخصّصين في ترسيم وتخطيط، ثمّ تصميم المناهج. من المؤكّد أنّ العديد من المدرّسين ذوي الخبرة الطّويلة يكتسبون هذه القدرة عبر الخبرة في تدريس مختلف المقرّرات التي تكون قد تغيّرت، ومت ثمّ تعاوروا وتعاقبوا عليها خلال سِنِيِّ حياتِهم. وهذه كفاءة جدُّ مختلفة عن كفاءة التّدريس. وهؤلاء هم الذين يُستعان بهم في تعديل المناهج تحت إشراف المتخصّصين الأكاديميّين في تخطيط المناهج في المادّة المعنيّة. وحتّى المتخصّصون الأكاديميّون، أمثال عمر القرّاي وغيره، لا يتمكّنون من ابتناء وتطوير نظريّاتهم إلاّ عبر التّجارب المدرسيّة، ولهذا تعتبر المدرسة هي المؤسّسة الأهمّ في سلك التّعليم واختطاط المناهج. وهذا ما يسمّى بالابتكار في المناهج curriculum innovation، وبهذا لا يصبح تخطيط المناهج علماً فحسب، بل فنّاً وإبداعاً وابتكارا. فأين كلّ هذا من ذوي النّفوس الظّلاميّة المريضة؟
الطّبيعة الشّخصانيّة للمتعلّمين Personalization والملاءمة Relevance
المتعلّمون، ولو كانوا في سنّ واحدة، ليسوا بنفس المستوى. والحديث هنا لا يتعلّق بدرجات الذّكاء فحسب، بل في إطار مستويات الذّكاء العامّة، تكون هناك اختلافات بين المتعلّمين من تلاميذ وطلبة تقتضي مراعاتها ووضعها في الاعتبار. فمثلاً هناك العقول التّحليليّة (الفهم)، تقابلُها العقول الاستظهاريّة (الحفظ)، وما بينهما عقولٌ تحليليّة وهي في نفس الوقت استظهاريّة. ولهذا انبنت قاعدة منهجيّة في التّعليم العام أساسيّة، ألا وهي ضرورة الموازنة بين هذه العقول الثّلاث. فهذا اسمُه “التّعليم العام” لهذا السّبب. فإذا مالت المناهج نحو المقرّرات ذات الطّبيعة التّحليليّة، تأثّر التّلاميذ ذوو العقليّة الاستظهاريّة سلباً، والعكس صحيح. ولهذا تقول القاعدة هنا بضرورة أن تنبني المناهج على المعدّل العام Average، طالما كان هذا في التّعليم العام. وإنّما لهذا جاءت فكرة إنشاء مدارس خاصّة لذوي القدرات الخاصّة، دُنُوّاً أو عُلُوّاً، فكانت المدارس الخاصّة لذوي الإعاقة بمثلما هناك مدارس خاصّة للمتفوّقين وهكذا.
هذا ما يقول به علم المناهج من حيث تخطيط وتصميم المناهج نفسها. وهذا لا علاقةَ له بضمير الشّخص الذي يخطّط هذه المناهج، أكان مسلماً أم هندوسيّاً أو مسيحيّاً، هذا طالما كان شخصاً متخصّصاً من ناحية أكاديميّة. هذه قاعدة! ثمّ بعد كلّ هذا، ليس هو الذي يقوم بنفسه بتغيير المناهج أو تعديلها، بل لا مناص من أن تنهض قراراتُه وتوجيهاتُه على كادر المعلّمين الذي يدرّسون هذه الموادّ. ولكن عندما تكون الدّولة ذات اتّجاه أيديولوجي بعينه، فعندها تقوم بكسر جميع القواعد في سبيل تحقيق أهدافها الأيديولوجيّة التي لا تستقيم مع علم تخطيط المناهج. من ذلك صرعة الحفظ التي شهدناها في التّعليم العام على حساب الفهم.
لي ابنة الآن في الجامعة. أذكر عندما كانت في مرحلة الثّانوي، أعطيناها رواية لتقرأها، تعويضاً عن غياب حصّة المكتبة في المدارس. ولكن، إذا بنا نراها في “الحوش”، والكتاب في يدها، وهي تحاول أن تستظهر نصوص الرّواية. فقد درست في المدرسة أنّ كلّ شيء ينبغي أن يُستظهر ويُحفظ عن ظهر قلب. ولهذا قرّرنا، أنا وزوجتي وكلانا تربويّان، أن نتدخّل في الواجبات المنزليّة التي يقرّرونها لأطفالنا في المدرسة. فكنّا نطلب منهم ألاّ يحفظوا جميع السّور، وألاّ يحفظوا جميع القصائد، وألاّ يحفظوا جميع الأحاديث، وكذلك كان الحال لأيّ مادّة كانوا يطلبون منهم حفظها. وكنّا في المقابل نحدّد لهم أن يحفظوا ربع ما هو مطلوب. وقد استدعتني المدرسة للاحتجاج على ذلك بدعوى أنّهم سيُنقصون لهم الدّرجات، فوافقت. ثمّ حاولتُ أن أشرح لهم، مبيّناً لهم أنّني تربوي وتخصّصي هو تخطيط المناهج وتصميمها في مجال اللغات. وكم سعدتُ عندما وجدتُ بالمدرسة العديد من أساتذة ما قبل عهد الإنقاذ، وعلى رأسهم أستاذ الأجيال، وأستاذي في المرحلة المتوسّطة بمدرسة الاتّحاد بالخرطوم جنوب، الأستاذ وناظر المدرسة وقتها علي أبو طويل. وقد نجم عن ذلك أن طلبوا منّي تقديم محاضرة عن كيفيّة التّوفيق بين مناهج التّدريس العلميّة في مقابل المناهج غير العلميّة التي يشتغلون عليها، فكان ذلك. وقد كانت حجّتُنا، أنا وزوجتي، في إنقاص حجم الواجبات المنزليّة هو أنّ الضّغط على عقول الأطفال واستنزافها يؤدّي لاحقاً إلى التّبلّد. عندها رأيتُهم يضربون لي العديد من الأمثلة للطّلبة المتفوّقين في مرحلة الأساس وكيف تبلّدوا عندما دخلوا الثّانوي وبعده الجامعة، هذا إذا تمكّنوا من دخولها أصلاً. ما فعلناه هنا، أنا وزوجتي، لم يكن رأياً ارتأيناه، بل قاعدة تربويّة التزمنا بها، وقد جنينا ثمارها نجاحاً باهراً لاحقاً. فهل هذا الموقف له علاقة بالدّين؟ وهل فعلنا ذلك لعدم إيماننا بالآيات والأحاديث التي منعناهم من حفظها كلّها وبذل السّاعات لاستظهارها؟ بالطّبع لا! فلو كنّا بوذيّين، لفعلنا نفس الشّيء، كما لو كنّا مسيحيّين أو لا دينيّين .. إلخ. وهذا ما نريد أن نلفت إليه النّظر. فعلمُ تخطيط المناهج وتصميمها لا علاقة له بالضّمير، أي بالعقيدة التي يتّبعها خبراء تخطيط المناهج.
إسمحوا لي أن أضرب لكم مثلاً حيّاً مررتُ به خلال مراحل تعليمي قبل المدرسي ثمّ المدرسي. كغيري من الجيل المولود من قبل إلى فترة الخمسينات، وربّما السّتّينات، درستُ لفترة، مع شقيقي وشقيقتي اللذين يكبرانني، في خلوة جدّي لأبي الشّيخ أحمد هاشم بجزيرة صاي، ذلك بُعيد وفاته بقليل، حيث كان يقوم بالتّدريس عمّي ابنُ أخته الشّيخ محمّد بكري كدود، وكنتُ وقتها دون الخامسة (وهي نفس الخلوة التي درس فيها خليل فرح وكذلك جيلي عبد الرّحمن). في ذلك أظهرتُ عدم قدرة كبيرة على استظهار الدّروس، القرآن والأحاديث والأناشيد منها على وجه الخصوص. ثمّ عندما التحقتُ بمدرسة موركي الأوّليّة بجزيرة صاي، عانيتُ من نفس المشكلة وكان خالي المرحوم محمود عبّاس هو النّاظر، فأوصى أن يأخذوني بالشّدّة في ذلك كعادة معلّمي ذلك الزّمن، فعانيتُ الأمرّين. وقد استمرّ الحال معي خلال كل مراحل دراستي. فبالرّغم من أنّ لي ذاكرةً فوتوقرافيّة تجاه الأحداث والأشخاص، إلاّ أنّها تُظهر عجزاً كبيراً في استظهار النّصوص. وقد قرضتُ الشّعرَ منذ شبابي الأوّل ولا أزال، ولكنّي لا أحفظُ منه أيّ قصيدة بخلاف الشّطرة أو البيت إلاّ أن يكون ذلك استثناءً. وهذا هو نفسُه الحال في الخلاوي، فيما عهدناها. فهناك من ينجحون في استظهار آيَ القرآن الكريم في فترةٍ وجيزة، وهناك من يستعصي عليهم الأمرُ فيذوقون الأمرّين بسبب هذا. في الخلوة لم ندرس شيئاً بادئَ أمرِنا سوى سور الفاتحة والنّاس وسورتين أخريين من قصار السّور من القرآن الكريم، ثمّ الحروف وبعض الجمل باللغة العربيّة، فالأعداد وشيئٍ من جدول الضّرب دون العدد خمسة. هذا المنهج الأهلي بالخلوة لا يقلّ في علميّته من أعظم المناهج التي أنتجها علمُ التّربية. ولا غرو، فهو حصيلة التّجاريب قروناً وقرونا. وهذا هو التّعليم قبل المدرسي التّقليدي الذي توارثناه من قبل أن يخلق اللهُ الكيزان.
الآن تعالوا ننظر إلى ما فعله الكيزان، ذلك بأن نقارن هذا مع ما فعلوه في التّعليم قبل المدرسي، حيث أثقلوا على الأطفال في الرّوضة بالآيات والأحاديث، يظنّون بذلك أنّهم يُحسنون صُنعا. ولكم عانيتُ وزوجتي من ذلك عندما كان أطفالُنا يتزمّرون ويحتجّون، مبدين رفضهم وعدم استعدادهم لحفظ تلك السّور والأحاديث وباقي الحشو اللغوي من مكالعة وأناشيد الذي كانوا يردفونه فوق ذلك. وبحكم اهتمامي بالعمليّة التّربويّة، درجتُ على أن اسأل أيّ أطفال بمرحلة الرّوضة تجمعني بهم المناسبات: “ماذا أعطوكم من أناشيد”؟ فيذكرون لي بعضها، فأسألهم: “ما هو أكثر نشيد تحبّونه”؟ فيذكرون لي بعضها، ثمّ أردف السّؤال: “وما هو أكثر نشيد لا تحبّونه”؟ ولكم كنتُ آسى وأحزنُ عندما يقول لي الكثير منهم “سورة كذا وسورة كذا”، يظنّونها أناشيد إذ لم يبلغوا بعد مبلغ أن يمايزوا بينها. في الحلقة الخامسة، سوف أتعرّض باقتضاب لأسس تخطيط مناهج مرحلة ما قبل الأساس. وليت كان في الوقت من متّسع، إذن لكنّا استفضنا في هذا الأمر.
يختلف التّلاميذ والمعلّمون في تشكيلاتهم النّفسانيّة والعقليّة في البلاد ذات المساحات الكبيرة باختلاف البيئات الجغرافيّة والتّضاريسيّة فيها. كما يختلفون باختلاف البيئات الثّقافيّة والسّياسيّة، الأمر الذي يقتضي مراعاة كلّ هذه الفروقات في المناهج. ففي إقليم يعيش فيه النّاس مع بعض الحيوانات المتوحّشة، لا يجوز الحديث عن الأسد (مثلاً) كما لو كان حيواناً أليفاً؛ وكذلك في أقاليم صحراويّة ليست بها خضرة وزراعات، لا يجوز أن يُضرب أيّ مثل بالتّفّاح (مثل: تاء تُفّاحة). فالتّلاميذ لن يتجاوبوا مع هذا بطريقة إيجابيّة، فضلاً عن إمكانيّة استهزائهم بالمقرّر، وهذه واحدة من مقاتل المناهج التّعليميّة، ذلك عندما يستهدفُها التّلاميذ بالسُّخريّة والاستهزاء. فهنا تسقط العمليّة التّعليميّة بكلّ زواياها ولا تفشلُ في بلوغ أهدافها فحسب، بل تحقّق نتائج عكسيّة.
فهل راعت دولة الكيزان هذه العوامل في تخطيطها للمناهج؟ لا بأبي أنت وأمّي! والأمثلة على ذلك كثيرة تستعصي على العدِّ والحصر. مثال واحد هنا سيكفي، ذلك عندما يكون ضمن المقرّر أن يقوم التّلاميذ بحياكة الملابس الدّاخليّة لصغار الفتيات (مادّة “ملبسُنا”)، فينجلي الأمر في صباح المدرسة عن “مسخرة” عامرة بالهُزء والسّخريّة. هذا يحدث في زمن عمد فيه الكيزان لفعل أيّ شيء للفصل بين الجنسين ولتكريس فوبيا الجنسانيّة Sexuality بين النّاشئة، فتصوّر!
السّعة Breadth
والسّعةُ هنا يُقصد بها سعةُ المادّة المقرّرة في المنهج بالنّسبة لاستيعاب التّلاميذ من ناحية، ولمقدرة المعلّمين على تدريسها من ناحيةٍ أخرى. ففي تخطيط المناهج لا ينبغي (لا ينبغي) أن تُحدّد سعةُ المادّة، أوّلاً، بمعزل عمّا يطيقُه التّلاميذ، وثانياً بمعزل عن قدرة المدرّسين ودرجة تدريبهم. هنا سوف نستشهد بثلاثة أمثلة، الأولى منها تتعلّق بمادّة اللغة الإنكليزيّة والثّانية بحجم المقرّرات بصورة عامّة والثّانية بالسّعة الأفقيّة في المقرّرات بما لا يتناسب والسّعة الأفقيّة (أي ما عمليّاً الحشو). الحالة الأولى عندما تمّ إلغاء المرحلة المتوسّطة ودمج العامين الأوّلين منها في مرحلة الأساس وإلغاء العامّ الثّالث ـــ كذا! وقد حدث هذا بلا أيّ تخطيط أو عقد مؤتمر علمي وتحت وزير تربية مهنتُه المحاماة ولا علاقة له بحقل التّعليم ولا تُعرفُ له أيّ اهتمامات في هذا المجال. مع هذا قرّرت دولة الكيزان بأن يتمّ تدريس اللغة الإنكليزيّة في كلّ فصول مدارس الأساس. فماذا فعلوا بخصوص تهيئة التّلاميذ لهذه النّقلة ثمّ بخصوص تدريب المعلّمين للقيام بهذا، بدءاً من تهيئتهم نفسيّاً إلى تأهيلهم فنّيّاً كيما يقوموا بهذه المهمّة على أفضل وجه؟ لا شيء! حرفيّاً، لا شيء! فماذا كانت النّتيجة؟ كانت أن اضطُرِرْتُ أنا شخصيّاً إلى تدريس كتب الـ Readers (مقرّرات المرحلة المتوسّطة في سبعينات القرن العشرين وما قبلها) لطلبة الجامعات المنضوين في شعب اللغة الإنكليزيّة، فتصوّروا!
من ذلك، ثانياً، ما جاء في مقرّر مادّة الكيمياء للسّنة الأولى في المرحلة الثّانويّة. فقد تضمّن المقرّر “أعداد الكم الأربعة” Four Quantum Numbers. هذا يعتبر، بحسب رأي خبراء منهج الكيمياء، خطأً شنيعاً في تخطيط المناهج. ففي السّنة الأولى بالثّانوي العالي يبدأ التّلاميذ لأوّل مرّة بدراسة الكيمياء كمادّة قائمة بذاتها. وبهذا يدرسون لأوّل مرّة “المادّة”، ومنها ينتقلون إلى الذّرّة وتركيبها، أيّ دراسات الجوانب العامّة في المادّة والذّرة. لكن أن تقفز بهم بالزّانة (وهم غير مدرّبين على القفز بالزّانة) لتقوم بتدريسهم واحدة تعتبر، نسبيّاً، من أدقّ تفاصيل علم الذّرّة، حيث يغوص المرء في مدارات الذّرّة الفرعيّة والثّانويّة لدرجة تدريس عدد توزيع الإليكترونيّات في هذه المدارات بحسب أعدادها الأربعة، فهذا ممّا لا يشكّل سُلّماً متدرّجاً للتّلاميذ يُتيح لهم الانتقال السّلس إلى أعلى. لا غرو أن أصبحت مادّة الكيمياء في الثّانوي هي “فرّاقةالحبايب”، حيث تتفرّق السّبُل بالتّلاميذ ما بين المساقين الأدبي والعلمي بسبب الضّعف في مادّة الكيمياء. وبهذا أصبحت هذه المادّة التي تشكّل أحد أعمدة الإبداع والابتكار العلمي مكروهة في زمن دولة الكيزان. ثمّ كذلك تدريس مادّة الكيمياء في الثّانوي بطريقة تجريديّة، دونما ربطها بمظاهر الحياة اليوميّة، الأمر الذي من شأنه أن يجعلها ملاءمةً للتّلاميذ وبيئتهم، بما يجعلُها مادّةً مُشوِّقة لهم.
أمّا المثال الثّالث فهو تكثيف الكمّ المعرفي في كلّ مقرّر بحيث لا يكون المقرّر مضمّناً في كتاب واحد، بل في كتابين، وأحياناً ثلاثة كتب. هذا في مرحلة الأساس لدرجة أنّ عدداً كبيراً من التّلاميذ انحنت ظهورُهم وهي تئنُّ تحت وطأة وزن الكتب التي يحملونها في حقيبة المدرسة. ومن الأسر من استأجرت عمّالاً وظيفتهم هي حمل الحقائب المدرسيّة لأبنائهم وبناتهم التّلاميذ. وبما أنّ عبقريّة دولة الكيزان المصابة بالغباء الأيديولوجي قد قرّرت إسقاط عام دراسي كامل، فيا تُرى ماذا فعلوا في مواجهة موادّ هذه السّنة التي أسقطوها؟ لقد وزّعوا بعضها على باقي السّنوات والبعض الآخر أسقطوه من الاعتبار نهائيّاً كما لو كان وزناً إضافيّاً في سفينة موشكة على الغرق. وعلى هذا، لم يعد العام الدّراسي كافياً لتغطية المنهج، الأمر الذي أدّى، أوّلاً إلى تكثيف الدّروس لدرجة إسقاط فترة الخمس دقائق التي تفصل بين الحصّة والحصّة التي تليها. كما تمّ، تبعاً لهذا، تكثيف الواجبات المنزليّة لدرجة أنّ التّلاميذ أصبحوا يقضون كلّ زمنهم في محاولاتهم المضنية لحلّ الواجبات المنزليّة دون أن يتمكّنوا منها جميعاً. فماذا كانت النّتيجة؟ كانت سقوطاً مريعاً في الامتحانات النّهائيّة بطريقة فاضحة. فماذا فعلت عبقريّة دولة الكيزان الغبيّة؟ أمرت المدارس بترفيع الدّرجات بما يجعل نسبة النّجاح كبيرة. وهذا كان من ضمن ما عُرفوا به ضمن ظاهرة الكذب الحكومي، وهذا جنس في الكذب الضّار ابتدعوه وبرِعوا فيها وفاقوا فيه سوء الظّنِّ كما هو العهدُ بهم دائماً.
فهل كلّ هذا التّصحيح والمراجعة سوف يقوم به الدّكتور عمر القرّاي لوحده وبنفسه؟ أم أنّه سوف يُشرف عليه، مستعيناً في ذلك بأهل الخبرة العمليّة من لفيف الأساتيذ الجهابيذ ممّن بقي لدينا من ذلك الجيل الألمعي، حتّى يتمّ إنجازُه بالطّريقة المثلى؟ ما لكم يا إخوان الشّياطين كيف تحكمون؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق