أعمدة ومقالات

خطابات الدكتور حمدوك ومأزق البعثة الدولية: السودان من اليوناميد (UNAMID) إلى اليونبيمز (UNPPIMS)

عبد الرحمن الغالي

(1)
حقيقتان:
لا ينتطح عنزان في أن التدخل الدولي ووجود القوات الدولية في السودان كان بسبب نظام الانقاذ الاجرامي الذي لم يتورع عن إبادة مواطنيه.
ولا خلاف على أن السودان عضو في المجتمع الدولي ويسعى لاستعادة مكانته كدولة طبيعية ويسعد بكل عون لتخطي ظروفه الصعبة في مجالات المساعدات الانسانية والتنموية والفنية.
(2)
حقائق:
في 22 أكتوبر 2019 بعث الدكتور عبد الله حمدوك خطاباً للأمين العام للأمم المتحدة يطلب منه تمديد بعثة اليوناميد، وبناءً على طلبه قرر مجلس الأمن تمديد أجل البعثة إلى 31/10/2020. ومن المعلوم أن نطاق البعثة يقع تحت الفصل السابع.
وفي 27/1/2020 أرسل الدكتور حمدوك خطاباً للأمين العام للأمم المتحدة يطلب فيه من الأمم المتحدة أن تطلب تفويضاً من مجلس الأمن بإنشاء بعثة سياسية تحت الفصل السادس تشمل ستة مجالات هي:
1) دعم تطبيق الاعلان الدستوري والمراقبة المنتظمة لتطبيق المعالم الرئيسية ( النقاط المرجعية الأساسية) فيه.
2) دعم المساعي الحميدة لمفاوضات السلام الجارية الآن ودعم تطبيق اتفاقيات السلام. يجب إعطاء اهتمام خاص لعملية السلام بجوبا ولتطبيقها في دارفور وجنوب كردفان وولاية النيل الأزرق عندما يقتضي الحال. المراقبة والدعم الفني لنزع السلاح وإعادة الانتشار والدمج للمقاتلين السابقين ومراقبة وقف اطلاق النار وجمع الأسلحة الصغيرة.
3) المساعدة في حشد الدعم الاقتصادي الدولي وتسهيل تنسيق مساعدات إنسانية فعالة في كل السودان.
4) دعم فني في صناعة الدستور والإصلاح القانوني والقضائي وإصلاح الخدمة المدنية وإصلاح قطاع الأمن.
5) تعزيز المكاسب في دارفور عبر بناء السلام والمساعدات الانسانية ومبادرات التنمية واستعادة سلطة الدولة مع التأكيد الاضافي والمشاركة في النيل الأزرق وجنوب كردفان. دعم الاستمرارية والتوسع في آليات مكاتب اتصال الأمم المتحدة الولائية في دارفور وكذلك أجزاء السودان الأخرى حسب مقتضى الحال.
6) دعم إعادة توطين وإدماج النازحين واللاجئين والمصالحات المجتمعية ودعم مكاسب السلام والعدالة الانتقالية وحماية المدنيين وبناء قدرات قوات الشرطة القومية ويشمل ذلك نشر مستشاري شرطة من الأمم المتحدة والاتحاد الافريقي وغيرهما حسب مقتضى الحال. وكذلك مراقبة حقوق الانسان وبناء القدرات للمؤسسات الوطنية.
على أن يوسع حجمها ونطاقها ليشمل كل السودان.
(3)
وفي 27/2/2020 أرسل الدكتور حمدوك خطاباً آخر ذكر فيه ضمناً أن الخطاب الأول لم يشترك في كتابته شركاء الحكم الانتقالي وعليه فقد حدد الخطاب ( ما استقر عليه رأي حكومة السودان حول الدعم المطلوب من الأمم المتحدة في المجالات التالية:
1. توفير الدعم لمفاوضات السلام الجارية في جوبا بين الأطراف السودانية
2. المساعدة في تعبئة المساعدات الاقتصادية والتنموية بما في ذلك عبر مؤتمر المانحين القادم.
3. تنسيق وتسيير المساعدات الإنسانية ودعم جهود بناء القدرات وإصلاح الخدمة المدنية
4. تقديم الدعم التقني والمادي وتسهيل عمليات نزع السلاح والتسريح وإدماج المقاتلين السابقين في المجتمع.
5. المساعدة في توطيد المكاسب التي تحققت في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق من خلال جهود بناء السلام.
6. دعم عودة النازحين واللاجئين وإعادة إدماجهم وتحقيق المصالحات بين المجتمعات المحلية ودعم برنامج العدالة الانتقالية.
7. المساهمة في الانتقال من العون الانساني إلى دعم برامج السودان لتحقيق التنمية المستدامة.
8. توفير الدعم لعمليات الاحصاء والسكان والانتخابات.)
(4)
الملاحظات والتعليق على الخطاب الأول:
1) إجرائياً أرسل الدكتور حمدوك خطابه الأول منفرداً دون التشاور مع شركاء الحكم من مجلس سيادي وحاضنة سياسية ممثلة في قوى إعلان الحرية والتغيير وبالطبع لم تشترك أية قوى مجتمعية (مجتمع أهلي في مناطق النزاعات ومجتمع مدني وقوى شبابية ا, نسوية الخ) في المشورة في أمر في غاية الأهمية.
2) وسع الخطاب من نطاق البعثة ليشمل كل السودان بدلاً من انحصار البعثات السابقة على مناطق النزاع. على أمل أن يكون التوسع تحت البند السادس.
3) جعل الخطاب البعثة شريكاً كاملاً في كل الأمور السياسية والاقتصادية والعسكرية والتنموية.
4) فوض البعثة لتكون مراقباً وراصداً وضامناً وليس فقط شريكاً في تطبيق الوثيقة الدستورية.
5) خلا الخطاب من الاشارة للانتخابات والاحصاء السكاني.
6) غلبت على الخطاب روح الانهزامية والعجز عن مواجهة التحديات لا سيما حديثه عن الفشل الاقتصادي والتدهور في كل المناحي الاقتصادية.
ولذلك لم يجد الخطاب الأول قبولاً من الشركاء الوطنيين فتم تدارك معظم المآخذ وتم إرسال الخطاب الثاني.
(5)
قبول مجلس الأمن خطابات حمدوك وتحويلها للفصل السابع مع تجاهل الخطاب الثاني.
في 19/3/2020 نشرت وكالة الأسوشيتدبرس مشروع قرار لدعم جهود السودان جاء فيه أنه استناداً على خطابي حكومة السودان في 27 يناير و27 فبراير من العام 2020 قرر المجلس إنشاء بعثة سياسية ولدعم السلام وبناء السلام تسمى ( بعثة الامم المتحدة المتكاملة السياسية وبناء السلام )
United Nations Political and Peace building Integrated Mission in Sudan (UNPPIMS)
لتحقيق الأهداف الاستراتيجية التي تشمل ضمن ما تشمل:
• الانتقال السياسي والحوكمة الديمقراطية والسلام المستدام : وفي هذا العنوان: مساعدة ودعم الجهود السودانية لتطبيق الاعلان الدستوري ويتضمن ذلك المراقبة المنتظمة والتقرير حول التقدم في تطبيقه.
• تقديم دعم فني لعملية صياغة الدستور والتحضير للانتخابات والاصلاح القانوني والقضائي وفي القطاع الأمني.
التفويض:
• ذكر مشروع القرار أن البعثة تعمل تحت الفصل السابع وأنها بذلك مخولة لخلق بيئة تحمي المدنيين إذا تعرضوا للعنف البدني. وأنها تخول نشر ما لا يزيد عن 2500 من أفراد الشرطة وكتيبة واحدة من الجنود لتكوين قوة رد الفعل السريع.
• وأنها ستخلف اليوناميد عند انتهاء أمدها في 31/10/2020 وأنها ستنسق وتتعاون معها .
• وأنها ستتعاون مع بعثات الأمم المتحدة في الإقليم: مع اليونسفا ( في أبيي) وبعثة جنوب السودان وبعثة ليبيا وبعثة أفريقيا الوسطى.
(6)
مساوئ مشروع القرار
من الملاحظ أن مجلس الأمن يتعامل مع السودان متجاهلاً التغيير الذي تم في السودان ويشير بصراحة إلى أن الوضع في السودان ما زال يهدد السلم والأمن الدوليين وعليه يبني تعامله بتمديد لجنة الخبراء المسؤولة عن العقوبات وبعثة الحماية الخ.
1) أن مشروع القرار استند إلى طلب السودان ولكنه تجاهل أن يكون الطلب تحت الفصل السادس وأصر على الإبقاء عليه تحت الفصل السابع.
2) أن ولايته تشمل جميع السودان وليس فقط مناطق النزاع.
3) أنه يشمل إنشاء بوليس دولي وجنود دوليين. فبالنسبة لحماية المدنيين فإن الحل يكمن في المساعدة في إحلال السلام وفي التسريح ونزع السلاح والدمج وليس في استمرار الحرب وحماية المدنيين لا سيما وأن الحركات المسلحة كانت جزءاً من التغيير الحاصل في السودان.
4) أنه يتعدى التعاون في الشأن الانساني والتنموي والفني ليدخل في الشأن السياسي والعسكري السوداني حيث ينصب نفسه رقيباً على تنفيذ تطبيق الوثيقة الدستورية والاصلاح القانوني والقضائي واصلاح الأجهزة الأمنية الخ. وهي كلها قضايا محلها الحوار الوطني السوداني عبر أجهزة الفترة الانتقالية ومؤسساتها من مفوضيات وغيرها إلى آليات مثل المؤتمرات الدستورية والاقتصادية إلى الحوار المجتمعي من منظمات شبابية ونسوية ومنظمات مجتمع مدني وهكذا.
(7)
موقف الحكومة
• أعلن مندوب السودان لدى الأمم المتحدة رفضه لإنشاء بعثة تحت الفصل السابع أو نشر عناصر أمنية أو عسكرية.
• كما أصدرت وزارة الخارجية بياناً أوضحت فيه أن النظام السابق هو من تسبب في وجود السودان تحت الفصل السابع وأن هدف الطلب كان لإخراجه من ( إلزامية وقهر الفصل السابع) حسب البيان
والشاهد أن مشروع القرار الحالي يتناقض مع طلبي الحكومة الأول والثاني ويمضي في إدراج البلاد تحت الفصل السابع. وللأسف فقد استند في انشاء البعثة على طلبات الحكومة.
(8)
إمكانية التلاقي الوطني القومي حول الموضع وتلافي القرار
يعد خطاب رئيس الوزراء الثاني بعد اجتماعه مع المجلس السيادي والمكونات الأخرى خطوة تصحيحية تقرب الشقة بين المكونات السودانية.
لا شك ألّا أحد يرفض الدعم التنموي والانساني والمساعدة في إحلال السلام وتعبئة الدعم الاقتصادي الدولي وتعزيز ما تحقق في مناطق النزاع ودعم جهود عودة النازحين واللاجئين وإعادة دمجهم وتحقيق المصالحات الأهلية وغيرها من القضايا المشابهة مما ورد في المشاريع المتداولة سواء بالطلب من الحكومة أو الرد بالموافقة في مشروع القرار المقترح.
ولكن تفويض الصلاحيات الوطنية في المجال السياسي ( مثل مراقبة تنفيذ الوثيقة الدستورية أو وضع الدستور الذي يمثل إرادة الأمة – أية أمة-، ومنح ذلك الحق لبعثة سياسية خاضعة لمجلس الأمن وهو جهة سياسية تمثل في الغالب مصالح دوله دائمة العضوية، لن يكون مقبولاً لأنه يمثل استقالة وطنية عن مهام هي بحكم الوثيقة الدستورية – وبحكم أي منطق وطني- حصرية على أجهزة الدولة السودانية.
وكذلك التدخل في قضايا الاصلاح الأمني لا يمكن أن تقبله دولة ذات سيادة، إذ هي خاضعة للحوار القومي ومخرجاته وأهل السودان أدرى بمكامن الخلل والأذى في تلك الأجهزة.
أما حماية المدنيين عسكرياً فهي قضية تم تجاوز أغلبها في ضوء التغيير السياسي الحالي في البلاد حيث تلتزم حكومة الثورة الآن وقف اطلاق النار منذ سقوط النظام البائد وهي ليست عدوة للمواطنين بل ولا للحركات المسلحة.
أما الحركات المسلحة فقد كانت شريكاً في إسقاط النظام السابق وهي منخرطة في محادثات سلام فإن تأخر السلام أو شاب عمليته القصور فإن الواجب هو المساعدة في تصحيحه وتسريع انجازه وليس البناء على غيابه بتشكيل قوات حماية دولية . هذا إذا أخذنا في الاعتبار فشل تجربة اليوناميد في حماية المدنيين، وما استقالة السيدة عائشة البصري الناطق الرسمي باسم اليوناميد ببعيدة عن الأذهان ولا مقالها في مجلة فورين بوليسي الأمريكية في 9/4/2014.
وبهذه المناسبة والشيء بالشيء يذكر فقد ذهبنا في وفد من حزب الأمة لدارفور لتقديم واجب العزاء في الوالد الحبيب عبد السلام آدم رئيس الحزب بكتم حوالي 2009 إن لم تخني الذاكرة وكان لا بد من استغلال مروحيات اليوناميد من الفاشر لكتم وكان لدهشتي الشديدة ألا طائرة تقلع إلا بإذن النظام البائد وبعدها علمنا من المواطنين أن أفراد بعثة الحماية الدولية يتخندقون في قلاعهم ليحموا أنفسهم أما المواطنون فقد تُركوا لأقدارهم.
هذا فضلاً عن أن استمرار الفصل السابع يمثل استهانة بالتغيير الذي تم وبالثورة الشعبية السودانية.
بقيت نقطة أخيرة وهي أن تصارح حكومة حمدوك الشعب بالحقيقة ولا تلوذ بالصمت كعادتها ولا تتخندق حول حجة أن طلبها كان تحت الفصل السادس، فقد حدث واقع جديد وهو تجاوز مشروع القرار لطلب الفصل السادس وقبل توسيع النطاق ليشمل كل البلاد الحزم هو أن تسعى الحومة نحو اجماع وطني يتدارك ما حدث.
إذا حصل إجماع وطني على حدود هذه البعثة ففي الإمكان تدارك الخطر الوشيك بفرض الأمر الواقع على البلاد وليس ذلك – الاجماع الوطني –بغريب على السودانيين في كبريات القضايا.
أما إذا تم التراخي فإن عين التاريخ تنظر ويده تكتب والله غالب على أمره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق