أعمدة ومقالات

الحملة ضد الدكتور عمر القرّاي: المغزي والمرامي وخيبة المسعى!(5)

محمد جلال هاشم

مواصلةً لما قلناه في الحلقة الماضية (الحلقة رقم 4)، نستعرض هنا ما تبقّى من عناصر تخطيط وتصميم المناهج التّربويّة. وقبل أن نمضي في هذا، نُشير إلى أنّ هذه العناصر مترابطة مع بعضها البعض بطريقة يصعب أحياناً التّفريق بين عنصر وآخر. وهذا ما قد يبدو على أنّه تكرار لبعض وجوهها. ولكن هناك خيطاً رفيعاً يفرّق ويمايز بينها. فليُلاحَظ هذا أثناء القراءة.

التّماسك Coherence
أكثر ما عاب تخطيط المناهج في عصر دولة الكيزان هو عدم التّماسك. وكعادتنا التي اتّبعناها في الحلقات السّابقة، لا نُريد أن نخوض كثيراً في شرح وتفسير واستبيان وجوه التّماسك من عدمه من النّاحية النّظريّة. لذا سنكتفي ببعض ملامح، ثمّ نردفها بضرب الأمثلة، إمّا من المناهج التي اختطّتها دولة الكيزان البائدة، أو من بعض ضروب المناهج الرّشيدة التي سعت دولة الكيزان لقتلها واستبدالها بما هو عكسُها.
يُعرّف التّماسكُ Coherence بترابط الصّياغة Drafting مع حدود Premises النّص Text. ما هي حدود النّصّ؟ دعونا نضرب مثلاً، ولتنظروا معنا في النّصّ التّالي حيث نضع خطّاً مائلاً بين كلّ حدٍّ وآخر: [بعد أربع سنوات من انطلاقتها / في الجزيرة أبا يوم 12 أغسطس 1881م / تمكّنت قوّات المهديّة / في يوم 25 ديسمبر 1885م / من اقتحام تحصينات مدينة الخرطوم / وذلك من الجهة الغربيّة التي تقع الآن ما بين كوبري أمدرمان وكوبري الفتيحاب / وهكذا سقطت دولة الاستعمار المصري التّركي]. بالطّبع، هذه سبعةُ حدود لهذه النّصّ. وبالطّبع يمكن تقسيم حدود هذا النّصّ إلى أكثر من هذه الحدود. فالمسألة تتوقّف على ما يقرّرُه الشّخص المسئول من تحديد النّصّ. ولكن تأمّلوا معنا نفس هذا النّصّ مصاغاً على النّحو التّالي: من الجهة الغربيّة التي تقع الآن ما بين كوبري أمدرمان وكوبري الفتيحاب / في يوم 25 ديسمبر 1885م / سقطت دولة الاستعمار المصري التّركي / عندما تمّ اقتحام تحصينات مدينة الخرطوم / وقامت بذلك قوّات المهديّة / وذلك بعد أربع سنوات من انطلاقتها / في الجزيرة أبا يوم 12 أغسطس 1881م /. بينما يمكن ملاحظة أنّ النّصّ في صيغته الأولى جاء متماسكاً، مترابطاً ما بين صياغته وحدوده، يمكن بسهولة ملاحظة أنّ نفس هذا النّص قد فقد صفة التّماسك في الصّيغة الثّانية، دون أن يفقد أيّاً من حدوده. وهذا في أحسن أحوال عدم تماسك النّصّ.
شرط آخر من شروط التّماسك هو البناء الصّحيح للفقرة Proper Paragraph Construction الذي بدونه لا يمكن أن يُفهم الكلام على الوجه المراد منه. كيف هذا؟ تتكوّن الفقرة ممّا يُعرف بالجملة الافتتاحيّة Opening Sentence، أو الجملة المفتاحيّة Key Sentence، أو رأس الجملة Head Sentence، وبالطّبع هي الجملة التي تبدأ بها الفقرة. ثمّ بعد ذلك تعقبُها سلسلة من الجمل التي تشتمل بداخلها على علامات التّرقيم من شولة وفاصلة وشبه الشّولة .. إلخ، وتنتهي بالنّقطة التي تفصل بين الجملة والأخرى. تكمن مهمّة جميع هذه الجمل التي تعقبُ الجملة المفتاحيّة في شرح وتفصيل ما اشتملت عليه الجملة المفتاحيّة من كلام، وهي ما نسمّيها توابع الجملة المفتاحيّة. وعلى هذا، لا يجوز أن نقرأ في داخل الفقرة جملةً لا علاقة لها بما ورد في الجملة المفتاحيّة، كما، بالضّرورة، لا ينبغي أن تكون هناك فقرة مكوّنة من جملة واحدة. فهذه الفقرة الواحدة لو أخذناها على أنّها الجملة المفتاحيّة، إذن فأين باقي الجُمل (توابع الجملة المفتاحيّة) في الفقرة، أي التي تشرح لنا وتُفصّل الجملة المفتاحيّة؟ وبالمثل، إذا أخذناها على أنّها جزء من توابع الجملة المفتاحية، فأين باقي أخواتها من الجمل، بل أين هي الجملة المفتاحيّة ذاتها؟ ولهذا، لا يمكن أن نقع أبداً في الكتابات المستوفية لشروط الكتابة الرّصينة على جملة واحدة تمثّل فقرةً قائمة بذاتها، أللهمّ إلاّ في مناهج تدريس اللغات للمبتدئين، تحديداً مستوى العام الأوّل لأيّ لغة. وهذا باب كبير لا مجال للخوض فيه هنا.
ثمّ هناك الشّرط الثّالث للتّماسك، ألا وهو التّسلسل الزّمني Chronology، بمعنى أن تتعاقب التّواريخ بترتيبها الزّمني، أي الأقدم فالأحدث. ولعلّنا جميعاً لاحظنا ذلك في الجملة أعلاه التي ضربناها مثلاً، فقد جاء التّوريخ (يوم 12 أغسطس 1881م) سابقاً للتّوريخ الذي يعقبُه (في يوم 25 ديسمبر 1885م)، هذا بينما لم يلتزم النّص الذي أوردناه كمثال بهذا لعدم تماسكه. ومُناطُ التّماسك هنا هو أنّ التّلاميذ سوف ينتقلون بسلاسة عبر التّسلسل الزّمني الصّحيح، ذلك لأنّه يتماشى وقانون تقدّم الزّمن، بينما سيُصابون بالتّشويش عندما يختلط قانون تقدّم الزّمن مع ترتيب التّسلسل الزّمني. هذا لأنّ التّواريخ تعتبر إحدى معضلات التّذاكر لدى التّلاميذ، الأمر الذي عادةً ما يُضطرُّ معها المعلّمون إلى دفعهم لاستظهارها. فكيف إذا كانت هي في قوامها مُشَوَّشة ومُوشَوِّشة في نفس الوقت؟
أمّا الشّرط الرّابع والأهمّ فهو وحدة الموضوع! فكما رأيتم في المثال الذي ضربناه أعلاه، الموضوع كلُّه عن نجاح قوّات الثّورة المهديّة في اقتحام الخرطوم وإسقاط الحكم الاستعماري بعد أربع سنوات من انطلاقتها. فكلّ الجمل الواردة في الفقرة تتحدّث عن هذا، دون أن تخرج منه إلى حدّ Premise آخر لا علاقة له باقتحام قوّات الثّورة المهديّة، مثلاً كأن نقول في منتصفها / وهنا يبرز دور القائد العسكري المهدوي ود نوباوي الذي قتل غردون وقطع رأسَه /؛ فهذا لا علاقةَ له بالحدود المتماسكة للجملة والمتناسقة توريخاً ودلالةً. وبالطّبع، كلّ هذه الشّروط لا تعالج عدم صحّة المعلومات في النصّ؛ فهذه خطيئة، وليست مجرّد خطأ!
عنصر التّماسك، من حيث اتّساق الصّياغة مع الحدود والبناء الصّحيح للفقرة والتّسلسل الزّمني بجانب وحدة الموضوع، ضروري للغاية في كلّ الموادّ، لكن بصورة أخصّ في الموادّ الأدبيّة مثل التّاريخ والجغرافيا والأدب وخلافها. وهذه إحدى شروط التّعليم، بمعنى أنّه لا يجوز بالمرّة (نكرّر: بالمرّة) أن يتخرّج طلبة المرحلة الثّانويّة وهم عاجزون عن القيام بتحقيق شرط التّماسك لدى صياغة أيّ نصّ. فما بالُك إذا كان المعنيّون هنا هم خبراء علم تخطيط المناهج في زمن دولة الكيزان؟ الآن سوف نأخذ مثالاً للعبث الذي قامت به دولة الإنقاذ في المناهج من حيث عدم قدرة خبرائها المزعومين في تدبّر أمر الصّياغة. هنا سوف نأخذ الكتاب المشار إليه آنفاً (الإنسان والكون: نحن والعالم المعاصر، الصّفّ الثّامن، مرحلة الأساس، المركز القومي للمناهج والبحث التّربوي، الطّبعة المنقّحة، 2010م ــــ 2011م)، حيث نقرأ في صفحة الغلاف الدّاخليّة أسماء 12 شخص ما بين خبير تربوي من حملة ألقاب الأستاذيّة والدّكتوراة، بجانب الفنّيّين، ممّن كتبوا وصاغوا وراجعوا هذه الطّبعة التّعيسة. والكتاب يعتبر مزجاً ما بين الجغرافيا والتّاريخ، ذلك من باب التّقليد لبعض تقليعات المناهج في الدّول المتقدّمة. ولاحظوا أنّ عنوانه يشي بهذا (ونحن والعالم المعاصر)، كما لو كانت دولة الكيزان تحترم المعاصرة. وبما أنّنا ننشرُ هذه المقالات عبر الوسائط الاجتماعيّة، من فيسبوك وواتساب إلخ، فإنّنا سوف نمايز أدناه كلّ فقرة من الأخرى في المثال الذي سننقلُه نقل مسطرة من الكتاب أعلاه بحاصرتين […]. وما نرجوه من القارئ أن يتكبّد معنا بعض الشّقاء ويتمثّل حالة خبراء المناهج ليرى مستوى وقدر العبث الذي قامت به دولة الكيزان. ولا تنسوا أنّ هذا الكتاب مخصّص للفصل الثّامن من مرحلة الأساس. وردت في صفحة 67 الفقرات التّالية:
[أدخلت الكهرباء في عام 1903 م، وتمّ إنشاء محطّة بري ، كما أسست شركة النّور في عام 1925 م، وأنشئت شبكة المواصلات الداخلية بإدخال الترام عام 1928م ،وأنشئ كبري النيل الأبيض الذي يربط الخرطوم بأمدرمان.] [وتطورت إدارة السودان في عام 1910م بقيادة مجلس الحاكم العام للمشاركة في مسئولية الحكم ، ويتكون هذا المجلس من : … إلخ].
قبل أن نقول أيّ شيء عن التّخليط والفوضى العامرة في هذين النّصّين، نحبّ أن ننبّه إلى أحد أخطر مظاهر العجز والفشل، ألا وهي الجانب الفنّي في تنضيد النّصّ. فالقاعدة الأساسيّة في هذا الجانب تقتضي ألاّ تكون هناك مسافة بين آخر كلمة في الجملة وما يليها من علامات التّرقيم أو الأحرف الاختصاريّة. انظروا معي إلى هذا (المسافة ما بين التّوريخ وحرف الميم): / في عام 1903 م،/؛ /في عام 1925 م،/؛ ثمّ انظروا معي إلى هذا (المسافة بين أخر كلمة والشّولة): /عام 1928م ،وأنشئ /؛ / في مسئولية الحكم ،/. وبالطّبع، الكتاب عامةًّ عامر بهذه الفوضى. ولكن ما يهُمُّنا هنا هو، أوّلاً، ورود فقرتين كاملتين تتكوّن كلُّ واحدة منهما من جملة واحدة؛ ثانياً، انتفاء أيّ عنصر من العناصر العلميّة الأساسيّة في تكوين الجملة من جملة مفتاحيّة إلى توابعها .. إلخ. ثالثاً، انعدام التّسلسل الزّمني، إذ ينتقل النّص من 1903م إلى 1925م، ليعود القهقرى ثمّ 1928م ليعود منها إلى 1910م. رابعاً، انعدام أيّ وحدة موضوعيّة للنّص، فالجملتان تشتملان على أشتات جمل لا علاقة بينها البتّة. خامساً، فوضى التّنضيد الكمبيوتري، سادسا، وأخيراً، الرّكاكة الطّافية على النّصّ كما لو أنّ الذين قاموا بصياغته لم يتلقّوا أيّ تعليم في اللغة العربيّة. سادساً، خطيئة المعلومات غير الصّحيحة. فماذا نفهم من هذه الجملة: [أدخلت الكهرباء في عام 1903 م، وتمّ إنشاء محطّة بري ، كما أسست شركة النّور في عام 1925 م، وأنشئت شبكة المواصلات الداخلية بإدخال الترام عام 1928م ،وأنشئ كبري النيل الأبيض الذي يبرط الخرطوم بأمدرمان] بخصوص توريخ بناء كبري النّيل الأبيض؟ بالطّبع سوف نفهم أنّ الكبري قد بُني متزامناً مع دخول قطار التُّرام في عام 1928م. إلاّ أنّ هذا غير صحيح، إذ إنّ الكبري قد بُني في عام 1924م. فالمعلومة الواردة في هذه الفقرة فقط إمّا ملتبسة أو غير صحيحة، وهذا كما قلنا ليس مجرّد خطأ، بل هو خطيئة، ذلك لأنّه يضلّل الأجيال الغضّة التي لا يخطر بخيالها أنّ من يضعون المناهج لا علم لهم بوضع المناهج. وهكذا يمشي بنا النّصّ من التّوريخ 1903م > 1925م > 1928م > 1924م > 1910م. فهل عرفتم لماذا كان قطار دولة الكيزان يمشي إلى الوراء؟
تكمن المشكلة في مثل هذا النّصّ أنّه لا مجال لاستذكاره لأنّه في الحقيقة ومن ناحية علميّة لا يوجد نصّ أصلاً. فماذا يفعل التّلاميذ إزاء عبث الكبار الجهلاء بمصائرهم بهذا المستوى غير المسئول؟ لا مجال أمامهم غير استظهار هذا النّصّ بوصفه كلمات ليس إلاّ، بحيث يتوجّب عليهم أن يحفظوها بقضّها وقضيضها. وما أحكيه هنا ناجم من تجربة عشتُها مع ابنتي عندما أرادت أن تستعين بي في مذاكرة هذه الجزئيّة من هذا الكتاب الملعوب به بالتّحديد. وقفتُ إزاءها حائراً، غاضباً، ثمّ رفعتُ يديَّ إلى السّماء أطلب من الله المدد صبراً على الأذى في أطفالنا وأطفال الشّعب السّوداني.
فهل نحتاج لمسلم كيما يقوم بتصحيح هذا الخطأ؟ أوليس في مقدور نصارى الشّام الضّالعين في اللغة العربيّة وعلوم التّاريخ أن يقوم بتصحيح هذه الجريمة النّكراء التي ارتكبها مسلمون في حقّ أجيال بأكملها؟ لقد كان أستاذ الأجيال، الشّاعر الفطحل الضّخم، تادرس يعقوب الفرشوطي، ضمن طاقم معهد بخت الرُّضا، ذلك خلال خمسينات القرن العشرين (المعهد الذي وضع أسس التّعليم الحديث في السّودان والذي أسّسه البريطاني المسيحي قريفيث في عام 1934م ــــ المسيحي وليس المسلم). وكان معه وقتها الدّكتور أحمد الطّيّب والبروفيسور عبدالله الطّيّب وآخرين (طيّب الله ثراهم جميعاً)، وكلُّهم كانوا مسئولين عن المناهج، تقويمها، وتخطيطها، ثمّ صياغتها، بما في ذلك اللغة العربيّة والأدب العربي. فهل كان ذلك كفراً بواحاً أن يُعهدَ بتخطيط المناهج لمسيحي مثل أستاذنا الفرشوطي الذي بلغت به سماحتُه وحسنُ أخلاقه وسموُّ وطنيّته أن هنّأنا، نحن السّودانيّين، مسلمين وغير مسلمين، بالعيد عندما أنشد في سماحةٍ وسعة علمٍ وأخلاق قائلاً:
يا فرحةَ العيدِ جوبي أرضَ وادينا ** وباركي أهلَه السُّمْرَ الميامينا
انظروا كيف يعرّف أهله بالسُّمْر الميامين، وهو القبطي الفاتح اللون؟ لقد كان ينظر إلى نفسه كأفريقي أسود، فتأمّلوا! ألا أين نحن من هذا اليوم ونحن نعيش تحت جائحة الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة التي زيّفت وعي الأفارقة المستعربين بحقيقة هويّتهم فأصبحوا لا يكرهون شيئاً كما يكرهون الأفارقة السّود. إنّهم يكرهون أنفسهم وما دروا! ألا ما أرحم جائحة الكرونا!
ذلكم كان هو نفسه تادرس يعقوب الفرشوطي المسيحي الذي قال، مخاطباً صديقه وزميله أحمد ببخت الرُّضا عندما جاءه التّلغراف وهم جميعاً جلوس، ينقل له خبر ولادة ابنته “رُقَيّة”، فأشاح أحمد بوجهه غاضباً غير راضٍ:
زَفُّوا له بُشرى رُقَيّة ** فأشاحَ من ذِكْرِ البُنَيّة
يا أحمدُ استغفر وتُبْ ** لله غفّارِ الطّويّة
كم من فتىً في العلم أو ** في الدّينِ فاقته فُتَيّة
لكِ يا رُقيّةُ في بنات المصطفى قِدْماً سَمِيّة
وأبوك أحمدُ فافخري بأبيك ذي النّفس الأبيّة
سبّاقِ كلّ مُفاخرٍ عند النّدى والأريحيّة
إلى آخر القصيدة. وهو نفسُه تادرس يعقوب الفرشوطي القائل، منتصف سبعينات القرن العشرين وهو إذّاك معلّمُنا وأستاذُنا بمدرسة المقرن الثّانويّة، في قصيدةٍ كسينيّة البُحْتُري (تـلـك يـا صـاحبي الحيـــاة)، نعى فيها انحلال الأخلاق، وهو في آخر العمر إذ يُستَحضرُ:
واسِ غيري وخلنّي رهنَ بؤسي ** أنا يا صاحِ لا أُريدُ التّأَسّي
قد أَلِفْتُ الهمومَ فهي خديني ** حين أغدو وصاحبي حين أُمسي
ثمّ يستعرض النّاس عبر وظائفهم، واحداً فواحدا، ليخلص قائلاً:
قد خبِرْتُ الحياةَ في كلِّ حالٍ ** وبلوْتُ الرّجالَ منْ كُلِّ جنــسِ
فإذا الكلُّ بينَ وغدٍ خسيــسٍ ** ولئيمٍ نذْلِ الطِّباعِ أَخَسِّ
ثمّ تبلغُ به شجاعتُه وأمانتُه مع نفسه ومع التّاريخ، فيقولُ بعد هذا:
وأنا واحدٌ تحدّر منهم ** فمن الظُّلمِ أنْ أُبَرِّئَ نفسي
عندها، وأنا في بين يديه أقوم بتسجيل القصيدة على آلة تسجيل، لم أتماسك نفسي عن أن قلتُ من وحي اللحظة، وتلك كانت أوّل مرّةٍ أسمع فيها القصيدة، إذ درج على مناداتي لتسجيل قصائده الجديدة:
بيد أنّي صدعتُ بالحقِّ جهراً ** ومن النّاس من يُقرُّ بهَمْسِ
فما تمالك هو نفسَه أنْ هتف قائلاً:
ــــ اللهُ أكبر! اللهُ أكبر!
قالها بصدقٍ وإيمان وهو المسيحيُّ النّصرانيُّ، فأين من إيمانه هؤلاء الكيزان المنافقون الذي يقولونها رافعين معها السّبّابةَ وما يعلمون أنّها والله لتسُبّهم وتلعنهم وسوف تشهد على نفاقهم وكذبهم يوم القيامة في حضرة مليكٍ مقتدر. هتف قائلاً “اللهُ أكبر”، وبيننا أستاذُ الأجيال كمال سليم، فردّدها معه وهو يشرب قهوة الصّباح.
تلك كانت مدارسُنا الثّانويّة! فأين منها مدارسُ اليوم وقد تسلّط على البلاد والعباد أراذلُنا، قومٌ لا يخشون الله ولا يُحبّون غير الدّنيا، ثمّ بعد كلّ هذا لا يعرفون غير تدمير الدّنيا دون أن ينجحوا في تعمير أُخراهم. قومٌ يسرقون المال، يأكلونه سُحتاً حراما، ثمّ بعد كلّ هذا يمشون في الأرض مرحا.
ألا رحمةُ الله على ذلك الجيل الألمعيِّ من الأساتيذ الجهابيذ، ثمّ رحمةُ الله على أستاذنا مربّي الأجيال تادرس يعقوب الفرشوطي. لكأنّما قرأ المستقبلَ في قصيدته تلك عندما قال:
ويُنادي للدّين راهبُ دَيْرٍ ** سَتَـَرْت فُسْقَــه عباءةُ قَسِّ
ويَؤُمُّ الرِّجالَ في غير طُهْرٍ ** أزْهَدُ النّاسِ في إقامةِ خمْسِ
فما بالُه لو أنّه شهد الزّمن الذي لم يعتلِ فيه تُجّارُ الدّين المنابرَ كذباً ونفاقاً فحسب، بل اعتلوا حتّى كراسي الحكم، فكانوا كالقَرَدَةِ سيطروا على السّيّارة لكن لم يتمكّنوا من قيادتها وهيهات!
***
وبعد؛ كنّا قد قصدنا إلى كتابة ثلاث حلقات عن الحملة الشّعواء التي شنّها الكيزان والخلايا النّائمة للأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة ضدّ قرار تعيين الدّكتور عمر القرّاي في منصب مدير إدارة المناهج بوزارة التّربية والتّعليم. ثمّ ها هي الحلقات قد تمدّدت لتصبح خمس حلقات وأكثر، وما نحن بنادمين على هذا. فوالله تالله لنُداوِمنّ على كتابة هذه الحلقات حتّى يحكمَ الله بيننا وهو خيرُ الحاكمين، فتجفُّ الأقلامُ دوننا وتُرفعُ عنّا الصّحف. فالقرّاي، بحكم التزامه الأخلاقي تجاه وظيفته الحاليّة بوصفه موظّفاً عامّاً، قد أصبح مغلول اليدين، غير قادرٍ على الدّفاع عن نفسه بقلمه الممشوق كالسّيف البتّار، وهو هو من تعرفونه، وإلاّ فسَلُوا عنه النّشاطَ وميدانَ الآداب والأركانَ تُخبرُكم، وكذلك سوحُ العلمِ والقلمُ. وليحمدوا اللهَ، لا هُم حامِدِينَه حقّاً ولا هُم شاكِرِينَه، أنّنا نحن الذين نكتبُ عن القرّاي، لا هو من يكتب عنّا. وإلاّ “كان صقّارها حام”!
ونستمرُّ، نستمرُّ!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق