أعمدة ومقالات

مسرحية عازة (مسرحية سياسية واقعية رمزية تبحث عن مؤلف لامنتمي)

عيسى ابراهيم

مدخل:

تدور أحداث هذه المسرحية في الخرطوم حاضرة السودان وبعض المدن الاقليمية في الشرق والغرب والشمال والجنوب (قبل الانفصال وأثناءه وبعده)، والوسط وموعدها هنا والآن (ما قبل 1955 – موعد اعلان الاستقلال من داخل البرلمان، والوعد للجنوبيين بالفيدرالية والنكوص عنها – مروراً بالعهود الحزبية 56 / 58 – و64 / 69 – ثورة أكتوبر وانتكاستها – و85 / 89 – ثورة أبريل وانتكاستها – 18 / 19 – ثورة 19 ديسمبر 2018 – والانتقالية المدنياااو المطعمة بالعسكر، – لابد بالضرورة ذكر الفترات الانتقالية بعد الثورات الثلاثة، سر الختم الخليفة، وسوار الدهب، وابنعوف، البرهان، حميدتي، حمدوك – ومروراً بالعهود العسكرية 58 / 64 – عبود تسليم من عيدالله خليل وتسلم من عبود – 69 / 85، – 25 مايو نميري واليسار -، و89 / 19 – الترابي، البشير، الانقاذ، الاسلامويون)..وجميع أشخاص المسرحية أحياء (بمعنى تعاقب الأحياء في المواليد والتوارث الجيني مع تطورات تتواءم مع أحداث المسرحية)، ويمارسون أدوارهم وحياتهم في تلقائية يحسدون عليها، وإن كانوا لايدرون عن قصد هذا المؤلف اللامنتمي الذي يسعى إلى تجسيد حياتهم ومواقفهم واتفاقاتهم واختلافاتهم، وتقاربهم وتباعدهم، وابرازهم على سطح المسرح..

شخوص المسرحية:

عازة محمد أحمد: فتاة في مقتبل العمر بازخة الجمال، ملفوفة القوام، جمالها (في طور التكوين) تلخيص كامل وموفق للجمال السوداني المزيج من الجمال السودانوي في الشمال والجنوب والشرق والغرب والوسط، معشوقة بافراط من جميع شباب الحي، كل منهم يكتم حبه لها، ولا يصرح به حتى لأعز أصحابه المقربين، خوفاً من المنافسة، والحسد، والغيرة، ومع جمالها الفائق الفتان، فهي موعودة بثروة ضخمة من أراض زراعية مهولة غير مستثمرة، بكرة، تقع على ضفاف أنهار النيل المتعددة، من مداخيله إلى مغادرته أرض السودان، يجري كالشرايين والأوردة في جسد السودان العامر بالخيرات، وهي موعودة بمناجم للذهب، والنحاس، واليورانيوم، والحديد، وكثير من المعادن، التي لا حصر لها، ولا عدد،واكتشافات بترولية واعدة، إذ كان والدها (يرحمه الله)، من كبار أثرياء البلد، ولم ينجب غير عازة..وقد كانت عازة محمد أحمد تمتاز بقدر كبير وفائق بالعقلانية والذكاء والصبر والرزانة والتروي في الأمور، ولكنها – مع ذلك – كانت مشغولة بعريس المستقبل، ولها شروطها الخاصة، والقاسية، بمواصفات العريس المرتجى، والتي لا تتساهل مطلقاً في تجاوزها، أو التهاون في طلبها، ولا تعطي مساحة من المرونة للاخلال بها، وأولى هذه الشروط بالرعاية الصارمة، أن يقوم عريس المستقبل باستثمار الثروات الضخمة، الظاهرة والباطنة، وألا يعتمد قط على الدخول الطفيلية، التي تعتمد على السمسرة، أو بيع المياه، في الأسواق، وترفض الاستدانة، من الجيران أو غيرهم!!..

سر الختم تاج السر: شاب ممتلئ الجسم، هادئ الطبع، مسالم، لا يميل إلى العنف قط، من عائلة ميسورة الحال، أكمل تعليمه بالقاهرة، وكان يسكن في حي الميرغنية، وتخرج في كلية الشريعة والقانون، جامعة الأزهر، وكان مدمناً زيارة السيد الحسينوالسيدة زينب، وباختصار جميع الأضرحة، وكان يقضي أوقات فراغه متنقلاً بين جي السيدة زينب والموسكي والعتبة الخضراء، ويركب مترو الميرغنية، مواصلاً بعض ذوي قرباه الذين يسكنون بجواره في الحي بمصر، وبالرغم أنه تخرج في جامعة الأزهر إلا أنه فضل العمل في التجارة مهنة أسرته من عصور تطاولت، ويستفيد من مخزوناته العلمية في خطبه ومحاضراته في مسجد والده في الخرطوم بحري، ويعمل في أوقات فراغه في خلاوي أسرته المنتشرة في أنحاء البلاد، ولد بالشمالية في قرية (مقاشي)، ودخل الخلوة لحفظ القرآن في قرية منصوركتي، وقضى جميع سني حياته في دراسات ما قبل الجامعة في شرق السودان، بين بورتسودان وسواكن وطوكر وسنكات، حيث تلقى تعليمه الأولي والأمتوسط والثانو بتلك المناطق، يرتدي دائماً جلابية بيضاء لها “ياقة”!!، يحب المديح النبوي وخاصة “شس لله ياحسن، ويارب بهم وبآلهم عجل بالنصر وبالفرج”، ويتذكر كثيراً وينظر باعجاب إلى أيام اشتراكه في شباب الختمية، وبالرغم من أنه لحظ بطرف خفي حييالجمال المصري، الذي قال فيه الامام الشافعي: “ليس محصناً من لم يتزوج مصرية”؛ “سنون يمة زي شخب الحليب الصافي يرهج في الكبابي”، ولكنه لم يأسره قط فقد كان يهيم بعازة، التي تمتلكه من جميع أقطاره،أحب عازة بعمق شديد الغور، ولكنه لم يستطع أن يبوح لها بحبه، ومكنونات قلبه، ولم يستطع أن يظهر لها حبه وهيامه بها، بأي تعبير..كان عندما يلتقيهايسلم عليها بيد مرتجفة وفم متلعثم، ولا تخرج كلماته إلا بصعوبة، وتطفر على صفحة وجهه حبيبات العرق التي يمسحها بكم جلبابه، ولا يدري لماذا تزداد خفقات قلبه حينما يراها، وكان قلما تقع عيناه في عينيها الواسعتين، العسليتين، لأنه كان عندما يلتقيها في الشارع أو في منزل الأسرة يطأطئ رأسه حياءً، ويسلم عليها متمتماً..له لحسة خفيفة، وتربطه صلة قرابة بعازة،فهو ابن خالها “لزم”، كانت عاطفة عازة تجاهه غير محددة وتشوبها مسحة من العطف!!..

حسن سيخة: شاب نحيف الجسم، مستطيل الوجه، أفطس اللأنف، وسيم، له لحية دائريةكبيرة تخفي جزءاً كبيراً من ملامحه، وله شارب كث، يغطي مساحة واسعة من فمه، يبتسم ابتسامة سريعة (مثل لمعة الفلاش) مقتضبة، إن لم تراقبها بدقة لا تراها، له تقطيبة مستمرة على مقدمة وجهه، سريع الغضب، كثير الهياج، لأتفه الأسباب، وكثيراً ما يستعين بما هو أمامه لحسم الأمور حين يستبد به الغضب، لذلك ولحوادث أخرى (خاصة حادثة رقصة العوجكو) التق به لقب “سيخة”..أكمل جامعة الخرطوم، كلية الآداب، وبعث لتفوقه الأكاديمي إلى انجلترا حيث حخصل على الماجستير في شعر “تأبط شرا”، ورجع إلى السودان لفترة ممارساً العمل في الجامعة، ثم ابتعث مرة أخرى إلى فرنسا لنيل درجة الدكتوراة – دكتوراة الدولة – في الآداب، وحصل على الاجازة في أطروحته “أثر الأدب الجاهلي في تحريك حماس الشباب”، كان مشغول الخاطر واللب بعازة، ويعتقد اعتقاداً جازماً أنها ستكون من نصيبه، لذلك لم ينشغل كثيرا بالتقرب أو التودد إليهاً، وإن كان في دخيلة نفسه يتمنى أن يرتمي ليقبل قدميها (ويمنعه غروره)، ويبلغها أحاسيسه، ويبثها شجونه، ولكن نفسه الكبيرة تأبى ذلك..وقد كان ممزقاً بين اعتداده بنفسه، ومناوشات قلبه، وحسابات عقله، وقد زاد ضرام الصراع وحدة التمزق،الثروة الهائلة، الموعودة والمرتجاة، كان عندما يلتقي عازة يحدثها في الشعر والقصة ويظهر تفوقه الأكاديمي، ويسألها عن اجتهادها الدراسي وتطلعاتها التعليمية..كانت تشتاط غضباً وتكره وصايته عليها وتزمته حين يبدي رأيه في اختلاطها بالآخرين، وكان دائم الانتقاد لزيها البسيط والمحتشم في رأيها الفطري، وكما جرىالعرف من جولها، ولذلك كانت تخفي في صرامة عواطفها الحقيقية تجاهه، اتقاءً لغضبه، وكانت حينما يستثيرها بملاحظاته المستمرة على اختلاطها وملابسها، وتوجيهاته المستمرة المتعالية لها بالاحتشام، تعانده أكثر، فهي قوية الشخصية، وكانت كثيراً ما تتقصد ألا تلبس ثوبها، حينما يأتي لزيارتهم نكاية به، واختباراً لتماسكه، وكانت تقابله بالفستان فحسب، وتتظاهر كأنها فوجئت بوجوده، وكثيراً ما لحظت عينيه وهي تغوص متلصصة في مفاتنها، كان “حسن سيخة” انطوائياً، وينتقي أصدقاءه بحذر،  ولعلمها بتلك الخصائص، كانت تتقصده عازة باظهار مفاتنها، وكانت ترى عيونه الشبغة التي تجوس خلال طيات جسدها، وتتلذذ بتعذيبه..حينما ظهرت تجربة المصارف الاسلاربوية استثمر كل أمواله فيها ضارب ورابح وشارك ونمت أمواله بشكل كمبير، كان يحتفظ بملف لكل منافسيه على قلب عازة، يسجل فيه عيوبهم الخلقية والخلقية، تحسبأ للملمات!!..

محجوب الشفيع: كهل في بداية عقده الخامس، درس الاقتصاد، والعلوم السياسية بجامعة القاهرة الأم، مربوع القامة، يميا إلى القصر، ممتلئ الجسم في اعتدال بلا افراط، يتمتع برشاقة، وخفة في الحركة، له جلحات تنبئ بأنه سيكون أصلع الرأس، نظراته نافذة، يشع ذكاءً، وفطنة، ولمَاح..دقيق في كمل شيئ، طاردته المخابرات المصرية لنشاطه السياسي المشبوه عندهم، دائم الحركة والنشاط، يهتم بالفقراء، ويعطي اهتماماً زائداً لظاهرة الافقار الناتجة من النشاط الرأسمالي الساعي للربح بكل سبيل، قرأ الرأسمال لماركس، واهتم باسقاطات فائض القيمة، لم يستطع اكمال تعليمه الجامعي بسبب المطاردات الأمنية المتواصلة، ولاتخاذها القرار الأخير بابعاده من مصر إلى بلاده السودان، مع حظر دخوله إلى الأراضي المصرية..عمل موظفاً بوزارة العمل والتأمينات الاجتماعية، إدارة القوى العاملة، وتدرج حتى وصل مدير إدارة، وأصدر عدة قرارات لصالح تأمين مستقبل القوى العاملة وتحسين ظروف العمل والعاملين، وتهيئة البيئة الصحية، ودرء أمراض المهنة..وأصبح رئيساً للنقابة العامة (بالاجماع وبلا منافس لصمامته ومقدرته الفائقة وايمانه العميق بضرورة انصاف العاملين ولأنه اشتراكي بالفطرة) لموظفي العمل والعاملين بالوزارة، لعدة دورات متتالية، وتم تصعيده ليكون رئيساً لاتحاد الموظفين والمهنيين، له آراء خاصة عن تمثيل القوى العاملة في الجمعية التأسيسية في اطار القوى الحديثة..اشترك بفعالية ضد النظام المايوي المباد (خاصة بعد أحداث انقلاب هاشم العطا) واعتقل لعدة أعوام بسجن كوبر، قبيل الاطاحة بالنظام المايوي في أبريل 85، له نقاشات حادة مع حسن سيخة كانت كثيراً ما تنتهي بالتشابك بالأيدي، فبينما كان محجوب يصر على تسمية الانتفاضة بانتفاضة “مارس أبريل”، كان حسن سيخة يصر باطلاق مسمى ثورة “رجب” عليها..كانت المنافسة للحصول على قلب عازة على أشدها بينهما وتأخذ طابعاً تراجيدياً مأساوياً، وأحياناً يتخللها تيار من العنف اللفظي والبدني..كان حب محجوب لعازة حباً من نوع خاص، كان يشعر بالفاصل الطبقي الحاد بينهما، فبينما كانت أسرة عازة تعيش في بحبوحة من العيش الرغد والرفاهية اللا متناهية، كانت أسرة محجوب الشفيع متواضعة في معيشتها ويبدو أن والد محجوب الذي كان يعمل عامل دريسة بالسكة حديد عطبرة، كان له أثر في مستوى الأسرة المعيشي، مما شكل المناخ النفسي لمحجوب، وصبغ أفكاره بشيئ من التطرف، كانت عازة تميل قليلاً نحو محجوب أكثر من ميلها نحو سيخة، وذلك لالتقائهما كليهما (عازة ومحجوب) في محبتهما وتعلقهما بالفقراء ومحدودي الدخل والكادحين والعمال، ومن جهة أخرى كانت تعيب عليه تدخينه السجائر بشراهة وانشغاله بالعمل النقابي والسياسي عنها!!..لمحجوب آراء واضحة ومحددة ومضادة للتجربة المصرفية الحديثة التي غزت البلاد في سبعينيات القرن الماضي والتي باركها وفتح لها المجال النظام المايوي، وكان يصر على تسميتها ببنوك العيش، إذ كانت تضارب وتترابح في قوت المواطنين من ما فاقم أسعارها وعقد حياة الطبقة الدنيا في المجتمع، وكره استغلالها للعاطفة الدينية، ويعتقد أن لها تأثيراً كبيراً في زيادة التضخم وتدهور القيمة الشرائية للجنيه السوداني، واتجاه الناس للدخول الطفيلية غير الانتاجية سريعة العائد وهجرهم للانتاج الحقيقي وخلخلة البنية الثقافية للمجتمع السوداني، واذكاء روح الصراع الطبقي والقبلي والطائفي..

آدم المهدي عبدالرحمن: من مواليد أمدرمان، تربى وترعرع في حي ود نوباوي، وتلقى تعليمه الابتدائي والأوسط والثانوي بأمدرمان الموردة وبانت، وعشق حي أبوروف وبيت المال وود درو، وسوق أمدرمان والعرضة..طويل القامة نحيف الجسم، له جسم رياضي، وله لحية وعلى جبهته ثفنة واضحة، وفي وجهه علامات الدعة، والراحة، فأسرته ميسورة الحال من استثماراتها المتعاظمة في الزراعة في الجزيرة أبا، درس الاقتصاد في اكسفورد، وكان مولعاً بقراءة الكتب التاريخية التي تشرح نضال أجداده، مما جعله يهجر تخصصه الجامعي ويعمل أستاذا للتاريخ في المدارس الثانوية بعد أن التحق بكلية الآداب جامعة القاهرة فرع الخرطوم قسم التاريخ وحصل على شهادته منها، يجيد تاريخ السودان في الفترة من 1881 (تاريخ فتح الخرطوم) الى بداية تكوين الأحزاب السودانية..تعرف على عازة أكثر عندما كانت طالبة بالمدرسة الثانوية، التي يعمل بها أستاذاً لمادة التاريخ، حادثها عدة مرات، وكان موضوعه المحبب إلى نفسه التاريخ الذي يحفظه عن ظهر قلب، حدثها كثيراً عن المهدية ونضال الامام المهدي، جده، أخذت عليه تحيزه غير المحدود لتاريخ السودان الحديث، واعتداده المفرط بأجداده، ولكنها تمكنت بعد فترة من تحييده – نوعاً ما – بل واستطاعت بعد فترة على ترويضه وتحييده وساعدها على ذلك المشاكل التي أحاطت به من جراء التنازع القبلي والجهوي في منطقته أن تجعله ينظر إلى الماضي بشيئ من الريبة والشك..يعتبر أن له صلة قرابة قديمة بأسرة عازة وقد تزوج والده بوالدة عازة بعد وفاة والدها ولكنه لم ينجب منها!!، ومن هذه النقطة بالذات فقد ورث أدم ود مهدي مسحة من الوصاية على عازة الأمر الذي كان يضايقها ويجعلها دائمة التمرد على تطاوله عليها، كما أنها كانت تكره فيه تعلقه بماضي أجداده من ما يجعله “عظامياً” لا “عصامياً”، وكانت تردد أمامه وبقصد بيت الشعر: “ليس الفتى من يقول كان أبي إنما الفتى من يقول ها أنذا”، آدم كان يعشق ارتداء الجلابية “جناح أم جكو” والعمة “أم عزبة”1..

أغبش الزين محمد أحمد: شاب في مقتبل العمر متوسط الطول والحجم أسمر اللون خشن المظهر، وإن كان وجهه ينضح طيبة ومحبة لكل الأشياء والأحياء (كان صورة طبق الأصل من شباب وكنداكات ثورة ديسمبر 2018)، لم يستطع مواصلة تعليمه بعد المرحلة الثانوية لضيق ذات اليد، رغم أنه حصل على “بوكسنق” يدخله بارتياح كلية الهندسة جامعة الخرطوم (الجميلة ومستحيلة) ولكنه فضل العمل لمساعدة والدته واخوانه بعد وفاة والده ليواصل أخوانه تعليمهم خاصة وهو الأخ الأكبر سناً في العائلة، عمل في جميع الأعمال اليدوية، ويعشق العمل اليدوي لدرجة الوله، كان يعمل في فترات الاجازة المدرسية في أعمال البناء أحياناً، والنجارة، أو الحدادة، كما أنه عمل راعياً لفترة وورث عن والده وأجداده تعلقهم بالأرض وعدم التفريط فيها فأحب الأرض وهام بها لذلك كان عقله مثقفاً وكذلك عينه ويده مثقفتان..كان عميق التدين وإن كان مظهره الخاص لا يفر عن هذا الأمر لكراهيته المظهر والشوفونية الخادعة كان لا يبادل امام جامع الحي الود لعلمه بأنه يتاجر في العملة ويبحلق كثيراً في عازة، وفي بنات الحي، كما أنه كان يتحفظ في تعامله مع سر الختم وحسن سيخة ومحجوب وآدم مهدي لجعجعتهم المستمرة وعدم تفاعلهم مع مشاكل الحي، ومشاكل قاطنيه، كما أنهم ينافسونه على قلب عازة، ويخشى أن يسبقوه إليها لتفوقهم الأكاديمي وامتلاك بعضهم للحياة الرغدة الهنية، ولكنه يعلم يقيناً أنهم ثرثارون لا أكثر، مع قلة في العمل، كان حينما يلتقي عازة أو تلتقيه تتعطل بينهما لغة الكلام (وتعطلت لغة الكلام وخاطبت عيناي في لغة الهوع عينيك) وتنبعث لغة القلوب فيتخاطبان بلغة عميقة لا يدرك حروفها غيرهما، كانا يشعران بعاطفة جياشة تلفهما في جناحها حين يلتقيان،وإن كان الصمت دائماً ما يكون سيد الموقف، كانت تحلم به وتعلم يقيناً انه فتى أحلامهاومن يحقق لها طموحاتها، في استثمار ثرواتهاالكامنة في باطن الأرض، والظاهرة على أديمها، ولكنها كانت تخشى عليه من شباب الحي؛ سيخة، ومهدي، وسرالختم، ومحجوب، إذ كانوا لا يبادلونه الود، وكان كل منهم يعمل منفرداً وبطريقته الخاصة على ازاحته من طريقه ليخلو له المجال تجاه عازة، كانت عازة تخشى أن تظهر عواطفها تجاه أغبش إمعاناً في المحافظة عليه، وكانا (أغبش وعازة) يتبادلان روايات الطيب صالح ويهيمان برواية عرس الزين، ومريود ويعشقان قصة “حفنة تمر”، و”نخلة على الجدول”، ولطالما غرقا سوياً في تحليل وسبر أغوار شخصيات ما يقرآن من تلك الروايات، وأحياناً ينتقلان إلى استعراض ما قرءا لنجيب محفوظ ثلاثيته؛ السكرية وقصر الشوق وبين القصرين، كما استطاعا قراءة أولاد حارتنا لنجيب محفوظ، كانا متعلقين بتطوير التشريع الاسلامي عند محمود محمد طه واطلعا على كتابه أسس دستور السودان، ومعجبان بمعيار المواطنة عنده بديلاً للتفرقة الدينية في معيار مسلم وذمي.. كانت عازة تأخذ على “الزين” – هكذا  تناديه – كتمانه لعواطفه تجاهها  وخوفه من مصارحتها بحقيقة مكنونات قلبه، كانا يدركان بعمق ما حدث لاختطاف ثورتي أكتوبر 64 وأبريل 85 من القوى الحزبية الطائفية وقناعة الثوار بفرضية إزالة النظام القاهر دون العمل على احلال البديل المنسب للاصلاح، وكانا يصران على فرادة ثورة ديسمبر 2018 ولابد لها أن تمكن لشعاراتها “حرية سلم وعدالة والثورة خيار الشعب”لذا صمما أن تستكمل الثورة بنيانها بالبديل المناسب الصالح..

خيارات لنهاية المسرحية:

المؤلف اللامنتمي له مطلق الحرية أن يختار النهاية التي يراها لمسرحيته “مهر عازة” وهذه مجرد مقترحات غير ملزمة نقترح عدة خيارات هو في حل أن يأخذ بها أو يتركها ويختار ما يشاء..فيمكن أن تنتهي المسرحية على الخيارات الآتية:

أولاً: تنتهي بالتوافق بين عازة وأغبش وإقامة الحكومة الانتقالية البديلة التي تعمل على اصلاح معيشة الناس وتعزيز موقف الجنيه السوداني أمام الدولار، وازالة الفوضى، والسعي نحو الانتاج، وارجاع المفصولين، وتفكيك النظام المباد، ومحاكمة رموزه، واسترداد الأموال المنهوبة، ومحاكمة الذين تسببوا في فض الاعتصام أمام القيادة بالقوة المفرطة، وتعظيم شهداء الثورة، ومعاجة الجرحى، وازالة آثار التعذيب وفقدان الذاكرة للمفقودين، وكان الثوار قد توصلوا لصيغة فكرية جامعة لحزب سياسي ديمقراطي اشتراكي يجمع بين وسطية اليسار واليمين وانهاء التشاكس المذهبي، واعتماد الفيدرالية للأقاليم الخمسة في الشرق والغرب والجنوب والشمال، وكانت الفرحة عارمة يوم عودة الجنوب إلى حضن وطنه القديم السودان الموحد بكونفدرالية مرتضاة، واقامة توازن حقيقي بين المجالس التشريعية الولائية والمجلس التشريعي المركزي واعتبار التنوع العرقي واللغوي والديني مصدر قوة لا مصدر ضعف..

ثانياً: تنتهي بتوسط عازة لخشبة المسرح ويتم تركيز الضوء عليها وتظهر في حيرة شديدة لأنها تعجز عنالاختيار بسبب الخوف أو عدم الوضوح ويجلس خلفها في الجهة المظلمة من المسرح “أغبش” وعلى جانبي الخشية يظهر حسن سيخة، ومهدي، على الجهة يمين الخشبة ويكون النور خافتاً ومن الجهة اليسرى يظهر سر الختم، ومحجوب..

ثالثاً: يمكن أن تنتهي المسرحية باختيار عازة لأغبش، وانتصارها على الحيرة والخوف من وصاية شباب الحي..

رابعاً: تنتهي المسرحية بانقسام سباب الحي إلى فريقين؛ فريق تحت قيادة حسن سيخة، وآخر على رأسه محجوب وهروب سر الختم إلى مصر، وآدم مهدي إلى ليبيا وقيام أغبش ومجموعة من عقلاء الحي بدور الأجاويد..

في جميع أشكال النهايات المقدرة تنتهي المسرحية بأغنية عازة في هواك:

عازة في هواك عازة نحن الجبال

وللبخوض صفاك عازة نحن النبال

عازة ما سليت وطن الجمال

ولا ارتضيت بديل غير الكمال

وقلبي لي سواك ما شفتو مال

أظنو ود قبيل وكريم الخصال

خذيني باليمين أنا راقد شمال

يشترك الجمهور ومجموعة الممثلين في أداء الأغنية!، وينكسر الحاجز الوهمي بين الممثلين والجمهور، ويرددون اأغنية الخالدة ويتحركالجمهور نحو خشبة المسرح ويمتزج الجمهور بالممثلين وعازة، وأبش، ويختفي باقي الممثلين ويعلو صوت خفيض من جنبات حلقات الامتزاج “عصينا عصيناوشلنا عصينا على الحرية منو بوصينا” ويعلو رويداً رويداً ويتمازج اللحنان “عصينا وعازة” حتى ينفرد هتاف “عصينا عصينا” ويسيطر على جنبات المسرح..

eisay1947@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق