تقارير وتحقيقات

   تقرير حول الصراع الاهلي بمدينة كسلا (مايو 2020)

شهدت مدينة كسلا (العاصمة التاريخية لشرق السودان) صراعاً بين مجموعات من سكانها مطلع شهر مايو (2020) نتج عنه مقتل وجرح وفقدان الكثيرين لممتلكاتهم.

جذور الصراع قد تعودُّ إلى إنتشار الجريمة والإتجار والتعاطي بالمخدرات والسرقات مع الفقر المدقع وإنتشار العطالة والامية بين أهالي المناطق التي كانت مسرحاً للصراع وهي الاحياء السكنية الواقعة شمال شرق المدينة ومن أهمها (كادوقلي) و (مكرام)  و (واو نار) ، ولكن لم تكن المشكلات الناتجة عن الجريمة (التقليدية) في الماضي تتعدى اطراف المشكلة.

بعد سقوط النظام السابق (ابريل 2019) وماتبعه من إنهيار وتراخي الشرطة والاجهزة الامنية بدأت معدلات الجريمة وماينتج عنها من نزاع وغضب أهلي تتزايد، ومنذ يوليو 2019 كان من الممكن ان تتطور إلى احداث عنف واسعة لولا مجهود حكماء ولجان المقاومة من احياء (مكرام وكادوقلي) بمساندة قيادات من احياء مجاورة. وقد نفذت هذه اللجان مناشط ثقافية ورياضية مشتركة نجحت في العبور بالمنطقة الى سلام.

وفي (مارس 2020) شارك رئيس الوزراء السوداني د.عبدالله حمدوك بمدينة كسلا في إحتفال توقيع صلح بين قبيلتي البني عامر والنوبة لمعالجة الاحداث التي كانت قد شهدتها مدينة (خشم القربة – يونيو 2019) وهو ما اعطى إحساساً بان كسلا تجاوزت إحتمالات الصراع.

مجريات الاحداث:

بدات شرارة الصراع يوم (5 مايو 2020) وذلك بمشاجرة بين شباب من حي مكرام (بني عامر) وكادوقلي (نوبة) في مخبز بحي (مكرام) أدت إلى طعن شاب من (البني عامر). وجرت اتصالات ووساطات نتج عنها تسليم الجاني نفسه الى الشرطة في اليوم الثاني. إلا انه ومساء نفس اليوم (6 مايو) تم طعن شاب من منطقة (كادوقلي) كان يستقل سيارة مواصلات عامة ولم يتم العثور على الجناة. ووجه النوبة الإتهام لشباب البني عامر بالمسؤولية عن ذلك وبدأت بذلك دائرة النزاع تتسع.

وشهد يومي (7 و 8 مايو) اشتباكات بين الطرفين اسفرت عن وقوع جرحى وعمليات حرق للمنازل.

وبتاريخ (9 مايو) قُتل (3) من البني عامر وبلغ مجمل المصابين (79) جريح.

ويوم (10 مايو) تحولت احياء (مكرام وكادوقلي وواو نار واجزاء من الختمية الجديدة وشمال الحلنقة وشارع الوالي) إلى ساحات مواجهات مفتوحة مع غياب كامل للشرطة في بعض المناطق وضعف ادائها في مناطق اخرى.

وبنهاية يوم (11 مايو) وحسب مصادر رسمية فقد بلغ العدد الإجمالي للقتلى (22) شخصا: (11) من البني عامر و (8) من النوبة و (3) من مجموعات أخرى. فيما تم القبض على أكثر من (250) شخص مشتبه بتورطه في الاحداث تم إطلاق سراح العدد الاكبر منهم.

ماوراء الصراع؟

يمكن إرجاع اسباب الصراع إلى:

– حملات الكراهية التي تم تنظيمها منذ اسابيع من الصراع في مواقع التواصل الإجتماعي بواسطة افراد اغلبهم معروفون بالعلاقة مع النظام البائد. وكانت قد وردت إشارات وتحذيرات من ان انصار النظام البائد يخططون لجر الولاية الى الفوضى بالتركيز على التناقضات الإجتماعية. ويرى البعض انه كانت هناك خطة لفوضى شاملة ويستدلون بانه في نفس ايام الاحداث خرج بعض سكان غرب مدينة كسلا في مظاهرات برز في قيادتها اسماء معروفة بصلتها الوثيقة بالنظام البائد ودمروا معمل بجامعة كسلا، وفي نفس اليوم كادت مجموعة من ابناء منطقة السواقي ان تدخل في صراع مع مجموعة من الرشايدة.

– تقاعس الاجهزة الامنية عن القيام بواجباتها في حفظ النظام وتواطؤ بعضها برفض تنفيذ التعليمات (هناك انباء عن وضع ضباط قيد الحبس بسبب رفض تنفيذ تعليمات وكيل النيابة بإطلاق النار في الهواء والفصل بين المتصارعين).

– هناك معلومات من مصادر غير رسمية ان بعض الاحياء التي شهدت الصراع تحولت منذ فترة إلى ملاذ لمجرمين هاربين من مدن أخرى وان هذه المجموعات تفرض جو من الإرهاب على السكان القدامى، وأنها هي من أشعلت الوضع وقادت الصراع.

– الحظر المفروض بسبب مرض (الكورونا) ساهم في تاجيج الصراع حيث ان سكان هذه المناطق من الرجال والنساء جميعهم تقريبا من العمال ذوي الدخل المحدود والذين يعتمدون على العائد المادي من العمل اليومي وحتى الشباب غير العامل منهم ينتشرون يوميا في مقاهي المدينة الممتدة ، وقد ساهم الحظر في تضييق الخناق على هذه القوى العاملة والشابة ووفر الجو لوجود اعداد كبيرة من البشر الذين لديهم الوقت والطاقة (مع وضعية الإحباط والإحتقان) للمشاركة في اي صراع.

– من الاسباب المساعدة الفقر المدقع للطرفين (النوبة والبني عامر المقيمين في الاحياء التي شهدت الصراع) وارتفاع مستويات العطالة والامية، وإنتشار الجريمة وإدمان المخدرات.

الاقتصار على تفسير الصراع بانه قبلي غير دقيق:

–  فمثلاً عندما اجتمع الطرفين بلجان الوساطة تساءلوا بالتزامن : ماذا يريد البني عامر منا وماذا يريد النوبة منا؟ وكلا الطرفان مندهشين من حدوث الصراع ولم يجدوا له مبررات قوية. لانه لايوجد صراع على ارض او اي موارد او وظائف او سلطة ..الخ.

–   البعض يسال لماذا النوبة والبني عامر في كل مكان؟ الإجابة يمكن ان تكون ان المجموعتين تقيمان في معظم مدن الشرق وتتجاوران السكن في اطراف المدن، وخلقت سنوات التداخل الطويلة صلات عميقة. ولكن هناك اشياء تستحق الدراسة والتحليل وبينها طريقة تكون المدن في السودان والازمات المصاحبة لهذا التكوين من فقر وانعدام مقومات الحياة للقطاع العريض من السكان الذين يقيمون في أطرافها، وبالتالي فإحتمالات إنفجار هذا الصراع في مدن أخرى واردة.

وبمعنى آخر ليس النوبة والبني عامر إستثناء بل الغالب أنهم مقدمة لصراعات قد تشهدها مدن سودانية أخرى في حال إستمرار الإنهيار الإقتصادي وتقاعس الاجهزة الامنية عن القيام بواجباتها.

–   الكثيرون في الخرطوم ومواقع التواصل يميلون إلى إلصاق صفة القبلي بالصراعات التي تشهدها الاقاليم لان هذا يعفيهم من تحمل التبعات ويرمي الكرة في ملعب الآخرين الذين يقتتلون فيما بينهم لاسباب واهية! وذلك إعتماداً على عناوين عريضة يركز عليها الإعلام ومن ذلك مثلاً تفسير الصراع في دارفور بأنه بسبب “جمل” ، فيما يتم التغاضي عن تحليل جذور الصراع من حروب ونزوح وفقر وعطالة …الخ وماتتسبب فيه من نتائج على ضحاياها، او التغاضي حتى عن الشرارة المباشرة للصراعات وهي على سبيل المثال المياه في القضارف والخبز في كسلا.

الوضع الانساني:

هنالك شح في المياه والغذاء ، لان معظم مناطق الصراع ليس فيها شبكات مياه إضافة لشح المياه التقليدي في فصل الصيف. وفقدت اعداد كبيرة من الاسر ممتلكاتها والكثير منها في العراء.  اعداد كبيرة من النازحين تقيم في (3) مواقع ولكن بدا بعضها يعود لمنازله. 

العلاقة بالصراعات السابقة التي جرت في بورتسودان والقضارف وخشم القربة:

ليس هناك رابط مباشر ومسببات المشكلة في كسلا مختلفة. لكن الصراعات في المدن الاخرى وفرت الجو النفسي للصراع في كسلا، ونظار وشيوخ الطرفين يشيروا في احاديثهم بإستمرار الى الاحداث السابقة.

 علاقة الصراع بمسار الشرق في مفاوضات جوبا:

ليس هناك رابط ملموس، لكن المراقبين يؤكدون ان مسار جوبا عكر الاجواء في كل الشرق، واتاح الفرص للايدي التي في مصلحتها العبث بإستقرار الإقليم.

المبادرات الاهلية لحل الصراع:

ظهرت مبادرة الصلح بقيادة عمدة مدينة كسلا واسهمت في التواصل والحوار. وهناك مبادرات اغاثة من بعض المنظمات مثل غرفة طوارئ الكورونا ورابطة جبال النوبة والإشراق.

الوضع الحالي:

الاوضاع الامنية لازالت هشة وتتحمل كل شيء رغم توقيع صلح اهلي من الطرفين (قلد) بحضور اعضاء من مجلسي السيادة والوزراء القومي. لكن في المقابل بدات بعض مظاهر الحياة تعود. 

إمكانية إندلاع صراع جديد:

واردة . لان اسبابها موجودة في كل انحاء الولاية، مشكلات فقر مدقع واحساس بالتهميش وحوادث النهب والاراضي والزراعة ..الخ.

مقترحات لمعالجات في المدى القصير المتعلقة بالجوانب الامنية والادارية من الحكومة:

– نشر قوات كافية تفصل بين الاطراف المتنازعة لفترة زمنية طويلة.

– الإسراع بنشر نتائج لجان التحقيق وتقديم المتورطين في الاحداث للمحاكمة.

– الإسراع بتعيين مدير جديد لجهاز المخابرات بالولاية، وتعيين امين عام مكلف لحكومة الولاية إلى حين تعيين الوالي المدني.

– إنشاء فرع لنيابة جرائم المعلوماتية بالولاية ومده بكافة المطلوبات ومن بينها خبراء حاسوب، وتاسيس وحدة امنية لمتابعة الصفحات (كان الجهاز قديما يقوم بمهمة تتبع مواقع التواصل الاجتماعي) .

– القبض على ناشري خطاب الكراهية بمواقع التواصل الاجتماعي وتقديمهم الى محاكم عاجلة.

– تفعيل دور الشرطة في مكافحة الجريمة والعصابات وتعاطي المخدرات المنتشرة في بعض المناطق التي شهدت الصراع.

– الإسراع بإنشاء جهاز الامن الداخلي بواسطة كوادر وطنية محترفة، ليعمل بالتعاون مع الشرطة في حفظ الامن وجمع المعلومات وتحليلها. المعلومات الان غائبة عن الحكومة المدنية والمجتمع المدني والإعلام بسبب سيطرة افراد النظام البائد على الاجهزة المسؤولة من توفير المعلومات.

– تفعيل دور الإعلام والمجتمع المدني والتعليم ورجال الدين والإدارة الاهلية في التوعية ضد خطاب الكراهية والعنصرية.

– إرسال مساعدات إنسانية عاجلة للمتضررين.

– تقديم مساعدات مباشرة للاسر الفقيرة في أطراف مدينة كسلا ومدن الولاية الاخرى إلى حين إنتهاء الحظر الصحي المفروض وعودة الحياة إلى طبيعتها.

المجتمع المدني

مقترحات لاولويات التدخل على المستوى المحلي:

  •  مواجهة خطاب الكراهية عبر التوعية وتقديم العون القانوني للمساعدة في القبض على ناشري خطاب الكراهية بمواقع التواصل وتقديمهم الى المحاكمة.
  • إرسال مساعدات انسانية عاجلة للمتضررين.

  اولويات التدخل على المستوى القومي:

– فضح المؤسسات والافراد الذين لازالوا على علاقة مع خلايا النظام السابق وخصوصا العناصر المنتشرة في الشرطة والمخابرات والمليشيات المختلفة (الامن الشعبي والدفاع الشعبي والخدمة الوطنية والشرطة الشعبية ..الخ).

– استكمال هياكل السلطة الإنتقالية بكاملها في الولاية والإنتقال الى السلطة المدنية.

– تفعيل آليات التواصل مع الحكومة المدنية ومؤسساتها والضغط لتقوم بواجباتها كاملة في حفظ الامن والوصول إلى السلام.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق