أعمدة ومقالات

الخطابة الوعرة

لا ريب أن الخطابة فن، وهي فصيل أدبي له تاريخه المضيء ووجهه الوضاح منذ الجاهلية مروراً بصدر الإسلام، والدولة العباسية، إلى الراهن المعاصر الذي ازدهرت فيه الخطابة، وفتحت أبوابها ونوافذها لهواء الفلسفة، وأفكارالعلوم السياسة والاقتصادية، فأصبح الخطيب المفوه مرسلاً نافذاً ومؤثراً في أغراض الإقناع، والاستمالة، وقبول الأفكار، وأسواق الرأى.

وعرف السودان الخطابة بأرفع درجاتها ارتباطاً بتطورات الحركة السياسية والجماهيرية منذ اشتعال المقاومة الوطنية للاستعمار الإنجليزي إلى ما بعد الاستقلال، فبزغ فيها نجوم وشخصيات سياسية، مثل: السادة محمد أحمد محجوب، ومبارك زروق، وعبدالخالق محجوب، وقاسم أمين، ومحمد ابراهيم نقد، وعمر الحاج موسى، ومحمود محمد طه، والشريف حسين الهندي، وحسن الترابي، والصادق المهدي، وحالياً عمر يوسف الدقير.

طريقة الخطابة الجماهيرية المرتجلة التي اعتدناها من رجال النظام السابق، وعلى رأسهم الرئيس المخلوع، لا يستحقها الشعب السوداني مرة ثانية.

إنها خطابة سوقية، عدوانية، وبائسة لم تخدم الوعي، بل سعت إلى رعى القطيع، ورأت أن في ذلك جوهر الرسالة التي أرادت نشرها وتوصيلها.

إنها رمى الكلام على عواهنه، والعبارات بشحومها، وندوبها، وثقوبها، وما تحمله من عاهات وكدمات. أكثر من ذلك، فإن خطاباتنا في الثلاثين عاماً المنصرمة قد اصيبت بأأراض الوعي الثقافي العام ذاتها، وانحدرت وانحطت إلى أرذل المستويات، بأن غدت تعمل على تعريف عمل كونه مجرد انفعالات مرسلة، وأن الأقلام والرتب العسكرية لا تزيل البلم الذي من الحمق والحماقة كما عَرفَتها قواميس العربية الفصحى.

نتمنى من المسؤولين الحاليين من عسكريين ومدنيين، وفي هذه المرحلة الحرجة من تاريخنا، عدم اتخاذ ذلك مثالاً يقتدى، ويحتذى به. كما نرجو مخلصين التخلص من بعض المظاهر السالبة، مثل: حمل العصا، والهزّ بها، وضبط لغة الجسد، واتقاء الله في العباد المساكين من حجارة الكلام التى يرمون بها على رؤسهم ووجوههم دون أدني ذنب اقترفوه سوى مجيئهم للاستماع  للمسؤول المحروس بالبنادق، والمسدسات، وحفنة من رجال الأمن – الأدوات التى تمنعهم من التبرم والتذمر والاعتراض على ما تسمعه آذانهم.

لقد كان المسؤولون في العهد البائد يضطرون إلى الهروب بخطاباتهم إلى أماكن ريفية نائية عادة ما توصف بمناطق الوعي المنخفض؛ لبث سموممهم الخطابية، وإجراء تمارين السب واللعن، وإرسال الشتائم ذات الدفع الرباعي، من “الحس كوعك” إالى “غير الزارعنا ما بقلعنا”.

كما نلتمس راجين اتباع سياسة التباعد اللفظي قدر الإمكان من مفردات مناداة موروثة، وغير لائقة مثل: يا اخوانا، ويا جماعة، وغيرها من مفردات خطب الود في الأسواق الشعبية ودلالات العربات، كما عبارات التهديد والاتهام بعبارات من شاكلة: من تسول له نفسه، وأعداء الوطن والله.

بيننا وبينكم حسن الأدب و سمو الآداب، ورفعة الخطاب، وصالح الأفعال والأعمال، والسلام عليكم، وعليكم

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق