أعمدة ومقالات

السلام الغائب والوحدة الهشة والسلام المفقود

بدون مقدمات , أقول بكل وضوح إنّ الفرصة التاريخية التي أتاحتها ثورة الوعي الأخيرة ربما كانت في تقديري السانحة النهائية للسودانيين لتصحيح المسار المغلوط الذي  سارت عليه البلاد منذ الإستقلال وحتى الآن .  ولعل د. عبدالله حمدوك  كان محقا عندما أشار  في أول خطاب له ٍ بعد أدائه القسم رئيسا لمجلس الوزراء في الفترة الإنتقالية التي مدتها 39شهرا , أشار إلى ضرورة  العمل على بناء مشروع وطني جديد ! ثم عاد وكرره في لقائه الأخير  مع تلفزيون السودان في حوار الزميل شوقي عبد العظيم . وهو من مطلوبات الحاضر بكل تأكيد حتى يتسنى  لبلادنا أن تؤسس مسارا صحيحا لمستقبل الأجيال .

إنّ جيل الآباء الذين كافحوا من أجل تحقيق الإستقلال , قد نالوا مبتغاهم من ناحية إجرائية , ولكن هل تمّ بناء مشروع وطني هادي ومرشد للأجيال التالية ؟ هل تمّ تأسيس وطن بحق وحقيقة بحيث يجد فيه كل فرد غرفته ؟ والعبارة مما كان يقول به الراحل د. جون قرنق , هل الحال الذي نعيش فيه الآن يرضي المواطنين السودانيين , لا أقصد غلاء المعيشة وضنك العيش بصورة خاصة ولكن الغلاء والضنك بكل تأكيد من نتائج غياب ذلك المشروع الخلاق , فقد بدت الدولة السودانية في أفضل حالاتها لا تعدو غير مطية لتحقيق مكاسب شخصية ,  ولعل تفشي الإنقسامات وسيادة منهج الخلافات , وعدم الإتفاق أو إبرام الإتفاق بصورة انتهازية ريثما تلوح سانحة نقضه , هذه الظواهر السائدة في حياتنا العامة بكل ضروبها , السياسية والمهنية وحتى الإبداعية ( عقد الجلاد نموذجا) تشير إلى خلل كبير في الوعي . إذ من غير المعقول الا ينجح أي تحالف سياسي مثلا , غياب الوعي ناتج من فقدان البوصلة الوطنية الهادية , سياسات تناسب الواقع الإجتماعي , تحفظ حقوق كل  المجموعات , بإختصار مشروع بناء قومية سودانية تعكس حقائق الوجود البشري على هذه الأرض .

لقد رزئت بلادنا منذ قبل الإستقلال , بوعي منقوص بحقائقها , ولهذا لم يتم تأسيس مشروع وطني شامل , ولعل ملاحظة  الأخ الباشمهندس إبراهيم الزين في محلها وهي  عدم وجود ما يمكن وصفهم بالآباء المؤسسين , كما هي الحال في نماذج دول أخرى , مثل جورج واشنطن  في أمريكا , ونهرو وغاندي في الهند  , ومانديلا  في جنوب إفريقيا .. إلخ فمجمل ذلك الوعي لم يتجاوز حدود العرق (العربي) والديانة (الإسلام) وقد ظل  هذين العنصرين يسمان  مسار البلاد , التي أهمل أمر بنائها حتى باتت الآن في هذا الوضع البائس , بيد أنّ هذا المسار الأعرج قد اكتسب قوة وحدة خلال ال37سنة الماضية على وجه الخصوص عندما أعلن الرئيس الأسبق وطبق زبانيته ما عرف بالشريعة الإسلامية , وقد وصفها هو بنفسه في لقاء إعلامي في دولة الإمارات ب(الخازوق), في حين كان الأستاذ محمود محمد طه قد دفع حياته ثمنا لمناهضته لذلك التشويه الذي حلّ بالإسلام كدين سماوي ومعتقد روحي محترم ومقدّس ,  والطريف أنّ إمام الأنصار الصادق المهدي رئيس حزب الأمة قد قال قولته الشهيرة (قوانين سبتمبر لا تساوي ثمن الحبر الذي كتبت به) وعندما  أصبح رئيسا للوزراء منتخبا في انتخابات 1986م ارتد على عقبيه عندما طولب بإلغاء قوانين سبتمبر الهزيلة , وبات يتحدث عن ( عدم إيذاء مشاعر المسلمين في السودان , وعن الترتيبات الدستورية لإلغائها ) , فأين كانت مشاعر المسلمين السودانيين هولاء , والنميري يصك قوانين لقمع حركة المعارضة والمقاومة ضده , وهي لا تساوي ثمن حبرها كما في تعبير الإمام ؟ وهل كان ابتداع تلك القوانين أصلا دستوريا حتى تكون هناك ترتيبات دستورية للإلغاء . الشاهد , أن غياب المشروع الوطني المرشد للسياسة والحياة العامة منذ الإستقلال هو النقص الذي جعل الدولة هشّة , وأفقدت السودانين الشعور الحقيقي بأنّها دولة تمثلهم وتجمع شملهم , فبات الفرد يتوسل بأسباب ما دون الدولة للحصول على أدنى حق ولو كان في استخراج مستند مثل جواز السفر لابد من الواسطة الأسرية أو غيرها , حدث هذا في سياق تطور دولة اللامواطنة السودانية عبر عقود من فقدان البوصلة . وقد آن الأوان أن يكون التغيير جذريا وشاملا , وهو ما نسميه بناء المشروع الوطني الجديد , فالسلام المنشود ما يزال غائبا وليس ميسور الطريق عبر ذات الدرب القديم , والوحدة الوطنية ؛ أعني بها فقط الوحدة الترابية أي الحدود السياسية المعترف بها حاليا , هشّة ومهددة بإعادة الترسيم , ودوننا تجربة 2011م القريبة عندما تم (شرتمة) خريطة السودان التقليدية وصارت الآن أصعب مما كانت تجري به أقلامنا عندما كنا طلابا في المدارس والجامعات . الطريق المفضي لتأسيس الوحدة الوطنية هو المشروع الوطني الجديد الذي يحقق السلام والوحدة والرفاه ويحفظ الدين كله والمعتقدات جميعها في حيزها الطبيعي كحاجات فردية لكل بشر وما يشاء , ولتكن الدعوة والتبشير بها عملا طوعيا يبتغي فيه صاحبه ما يروم من ثواب , أمّا أن تسبح الدولة ترسا ضمن تروس مؤسسات دينية أيّا كان هذا الدين , فهذا بكل وضوح من هوادم البلاد , ولعلنا تابعنا ما كشفته لجنة إزالة التمكين من هول التمكين الذي تنطوي عليه مؤسسة دينية مثل (منظمة الدعوة الإسلامية) صاحبة اليد الطولى في دولة الشريعة الإسلامية الإنقاذية المبادة , وبهذه المناسبة علينا أن نتذكر جيدا أنّ الشهداء الذين سقطوا برصاص دولتي الشريعة المايوية والإنقاذية , في انتفاضتي أبريل 1985م وديسمبر 2018م لم يكونوا  يهتفون ب (شريعة قوية ولا نموت الإسلام قبل القوت) كما لم تردد حناجرهم وهم يثورون ضد البطش والرصاص ( لن نصادق غير الصادق) , مثلما لم يرددوا هتافهم الداوي (سايرين سايرين في طريق لينين) أو ( عاش أبو هاشم ) ولا ( أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة ) صحيح أنهم نادوا بسودان جديد على طريقتهم وليس بالضرورة طريقة د. جون , وإن كان ما نادى به مما يعتد به حقا ,( ما يوحدنا كوننا سودانيين , لسنا عربا أو أفارقة أو مسلمين هذه كلها لا توحدنا )  وأي مشروع بناء وطني جديد يتنكب هذا الطريق لن يفلح في خلق السلام والوحدة وبقاء الوطن . آن الأوان في هذا الوقت أن نعتبر من سيرة وتجربة أكثر من 6عقود من التيه الوطني لنبدأ من جديد في التأسيس الصحيح لوطن بالفيهو نتساوى نحلم نقرا نداوى كما في حداء الجميل محجوب شريف , وهذا الوطن  حتى لا نواصل الخداع لن يكون إلاّ دولة ديمقراطية علمانية دون زوغان أو تحجج فات أوانه ,  لحسن الحظ لت دولة الشريعة تحكم ل37سنة كما أسلفنا وأسقطها الشعب في مناسبتين , فلا عذر لمن يتذرع الآن بالشعب ومشاعره ,  ليس من حق أي فصيل سياسي أو عسكري الزعم بأن الشريعة خيار الشعب الشعب قال كلمته حرية سلام وعدالة ولن تنطلي عليه الاعيب بعد اليوم . ونواصل إن كان في العمر بقية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق