تقارير وتحقيقات

أزمة الدواء معركة خفية بين الحكومة الانتقالية والنظام البائد والرابح تجار الشنط

“ماعندنا” ستسمع هذه العبارة إذا ذهبت إلى الصيدليات لشراء الأدوية ليس في قلب العاصمة السودانية فقط بل إن الأزمة تستفحل كلما إبتعدت عن وسط الخرطوم وتكاد الأزمة تعصف بحياة المرضى.

ويقول المواطن “حسن إسحق ” 44 عامًا أثناء بحثه للدواء في صيدليات جوار مستشفى إبراهيم مالك بالخرطوم مساء الجمعة لـ”التغيير الإلكترونية ” :”مررت على العديد من الصيدليات من أقصى جنوب الخرطوم في حي يثرب ولم أجد حبوب تنظيم السكر (سي تافيا أو تريفيا ) .

وأضاف :”أتنقل من صيدلية إلى أخرى بوسيلة نقل (رقشة) وهي أيضا مكلفة ودفعت لسائقها ألف جنيه نظير هذه الخدمة لأنني لا أستطيع الاستغناء عن الدواء .. لقد اشتريته الشهر الماضي بـ 700 جنيه “.

أزمة الدواء في السودان قديمة وجديدة بدأت ملامحها في العام 2011 عندما تآكلت قيمة  العملة الوطنية أمام الدولار الأمريكي ولكنها استفحلت في السنوات الأخيرة.

وأطلت الأزمة مجددًا في مايو 2020 إثر تعطل إتفاق بين وزير الصحة أكرم علي التوم ومصانع الأدوية وشعبة المستوردين على قائمة الأسعار حيث يطالب المستثمرون في هذا القطاع بزيادة نسبتها 160% لأنهم يشترون النقد الأجنبي من السوق السوداء أو وضع هامش ربح على الأسعار حال منحتهم الحكومة النقد الأجنبي بسعر الصرف الرسمي 55 جنيهًا للدولار الواحد وتوفيره بإستمرار عبر إجراءات نافذة وفعالة.

منذ إيقاف وزير الصحة أكرم علي التوم تسعيرة أصدرته المجلس القومي للصيدلة والسموم بدأت مصانع الأدوية وشعبة المستوردين في إيقاف وتخفيض عمليات التوزيع حتى وصلت مرحلة الشح الدوائي في مطلع يونيو الجاري وشغلت الازمة الرأي العام السوداني لدرجة إطلاق وسم عن الأدوية على الشبكات الإجتماعية.

الحكومة من جانبها عقدت إجتماعًا رفيعًا بين رئيس الوزراء عبد الله حمدوك ووزير المالية ووزير الصحة ووزير الصناعة لبحث الأزمة وتوفير 55 مليون دولار شهريا إستجابة لمطالب المصانع والمستوردين لكن الإجتماع الذي عقد الأربعاء الماضي تمكن من إقناع وزير المالية بتوفير 20 مليون دولار وسداد ديون الشركات الخارجية بواقع 5 مليون دولار شهريًا على أن تسدد المالية 35 مليون في هذه الجدولة.

تبقى 35 مليون دولار تبحث عنها الحكومة الانتقالية لسد هذا الباب الذي ما أن يغلق بـ”المسكنات” التي إعتادت عليها حكومة المخلوع عمر البشير  حتى يعود مجددًا يفتح على مصراعيه جالبًا السخط إلى الحكومة الانتقالية بسبب أهمية توفير الأدوية في بلد يعاني من توفير السلع الأساسية.

المشكلة غير المنظورة بحسب المحلليين أن القطاع الصيدلاني من أشد القطاعات خطورة على خلفية الأرباح الهائلة التي تجنيها الشركات والمصانع وإمكانية التلاعب في إخفاء الأدوية وتخزينها والدخول في “معركة العظام” مع الحكومة الانتقالية التي تجد نفسها في مفترق الطرق إما بتوفير النقد الأجنبي أو مواجهة الخنق في وقت تبحث فيه عن طوق نجاة من أزماتها المتعددة.

ويوضح الطبيب الصيدلاني محمد بشير لـ”التغيير الإلكترونية” أن ما رفضه وزير الصحة في مايو سيبحث عنه حاليًا ولن يجده لأن الأزمة متسعة جدا فالصيدليات خالية من الأدوية خاصة المنقذة للحياة مثل السكري والضغط والملاريا والقلب والصرع والمسكنات “.

وتقدر إستثمارات القطاع الدوائي بـ 1.2 مليار دولار في السودان ويعتقد بعض المحللين في هذا القطاع أن أغلبها مملوكة لأنصار النظام السابق خاصة مصانع الأدوية حيث شهدت سباقًا لامتلاكها في تسعينيات القرن الماضي بعد إقصاء شركات وطنية مثل كمبال الطبية وغيرها بالتالي هي تعلم مدى حاجة الحكومة إلى توفير الأدوية لذلك من الأفضل أن يبرم صانع القرار اتفاقًا مرنا مع هذه المجموعات طبقًا لمحللين تحدثوا إلى “التغيير الإلكترونية”.

ويؤكد الخبير في الصناعات الدوائية محمد عبد الرحمن عبد الناصر لـ”التغيير الإلكترونية” أن مصانع الأدوية لم تتوقف لكنها أوقفت توزيع منتجاتها في السوق الصيدلاني المحلي وتلبي طلبات الدول الافريقية في الوقت الراهن لأنها وقعت عقودات مع دول مثل جنوب السودان وارتريا واثيوبيا.

ويشير عبد الرحمن إلى أن مصانع الأدوية تنتظر قرار الحكومة بالموافقة على التسعيرة التي أصدرها مجلس الصيدلة والسموم في مايو الماضي بزيادة أسعار الأدوية بنسبة تتراوح بين 100% إلى 160% والتي ألغاها وزير الصحة.

ويضيف “بمجرد موافقة الحكومة على توفير 55 مليون دولار شهريًا وإجازة التسعيرة المتعطلة ستتوفر الأدوية في السوق المحلي السوداني لأن الإنتاج متوفر نسبة لزيادة تشغيل سعة المصانع لمقابلة التدابير الصحية بسبب كوفيد 19 المنتشر عالميًا”.

ويحذر عبد الرحمن من إستمرار ” الخلافات” بين المصانع وشعبة المستوردين والحكومة لأنها تخلق ضررًا فادحًا في القطاع الدوائي الذي لايحتاج إلى تعميق أزمته في ظل التدابير الصحية لمكافحة فيروس كورونا موضحًا أن الحل معالجة الاقتصاد الكلي على المدى الطويل وفي الوقت الراهن للخروج من حالة الشح ينبغي توفير النقد الأجنبي جنبًا إلى جنب مع توفير ملايين الدولارات لإستيراد القمح والوقود لأن الأدوية لاتقل أهمية عن هذه السلع إن لم تكن تفوقها أهميًة.

ويكشف عبد الرحمن عن إيقاف شركات طبية مستوردة للأدوية أعمالها منذ مايو الماضي نسبة لعدم وجود إستعداد لشراء النقد الأجنبي من السوق الموازي بـ144 جنيهًا وبيع الأدوية في نفس الوقت بالسعر القديم لأنها ستعرض رأسمالها إلى التآكل.

 وتابع :”أخطرت بعض الشركات عمالها وموظفيها بالبقاء في المنزل مع دفع رواتبهم إلى حين معالجة أزمة التسعيرة مع الحكومة”.

الأزمة أيضًا ضربت مئات الصيدليات في العاصمة السودانية وتؤكد إحصائيات وجود ثلاثة ألف صيدلية. وكشفت معلومات أدلى بها أطباء وملاك صيدليات لـ”التغيير الإلكترونية” إقتراب 500 صيدلية من حافة الإفلاس جراء شح الدواء واستمرار تكاليف التشغيل.

بينما يواجه وزير الصحة أكرم علي التوم إنتقادات بسبب عدم صرف المنح الدولية لمجابهة فيروس كورونا على القطاع الصحي الذي يعتبر القطاع الصيدلاني جزًء منه لكن مسؤول اقتصادي من مجلس الوزراء  اشترط حجب إسمه كشف لـ”التغيير الإلكترونية” أن الأموال التي تبرع بها البنك الدولي وبنك جدة والتي تقترب من الـ140 مليون دولار أجرت الحكومة معالجات اقتصادية على ملفات أخرى لا تقل سخونة عن ملف القطاع الصحي سيما وأن البلاد تعاني من شح العملات الصعبة مع الإغلاق الكلي للعالم.

وأكد المصدر أن “وزير الصحة أكرم علي التوم يعمل على معالجة ملف الدواء بمناقشة التسعيرة المعقولة مع رئيس الوزراء عبد الله حمدوك ووزارة المالية ووزارة الصناعة وأن الوزير لم يتوقف عن السعي لعلاج هذه الأزمة”.

خلال الساعات القادمة ستشهد الأزمة إنفراجًا كبيرًا بحسب هذا المسؤول لكن في ذات الوقت تعاني الصيدليات من الشح الدوائي ويصطف المواطنون أمام الصيدليات ليسمعوا عبارة ” ماعندنا ” وتنامي ظاهرة “الحقائب المتجولة بالأدوية” أحياء العاصمة السودانية والمسشتفيات وهذه الظاهرة جاءت بالتزامن مع أزمة الأدوية حيث يشتري بعض التجار الأدوية من الصيدليات بكميات كبيرة وأسعار أعلى وبيعها بأسعار مضاعفة للمرضى المضطرون للشراء بأي سعر حتى ولو دفعوا آلاف الجنيهات في دواء كان سعره مئات الجنيهات.

وأكد مواطنون لـ”التغيير الإلكترونية” أنهم إشتروا الدواء من “تجار الشنط ” الذين يتجولون في العاصمة السودانية ويتم الإتصال بهم عبر الأرقام التي توزع على نطاق واسع في الشبكات الإجتماعية.

لكن يبدو أن الأزمة تقترب من الحل كشف الطبيب الصيدلاني محمد بشير أنه تلقى إخطارا من شركة شانغادي المصنعة للأدوية في العاصمة السودانية لبدء توزيع شحنات الأدوية لصيدليته إعتبارًا من غدا الأحد بعد توقف دام قرابة الشهر بسبب هذه الأزمة وأضاف :”مسؤول التوزيع بالمصنع أكد لي أن الأزمة في طريقها إلى الإنفراج”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق