أعمدة ومقالات

السودان وحيدا وحيدا

مهند حاج علي

3 مسارات تضع التجربة السودانية الفريدة في خطر خلال الأيام والأسابيع المقبلة. الأولى هي خذلان المجتمع الدولي، للسودانيين في مؤتمر المانحين. ذاك أن رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك أعلن في أكثر من مناسبة حاجة بلاده إلى ثمانية مليارات دولار خلال سنتين لإعادة بناء الاقتصاد، منها ملياران يجب توفيرهما بصورة عاجلة من أجل وقف تدهور سعر صرف الدولار، وتأمين الواردات الضرورية.

والحقيقة أن طلب الحكومة السودانية من المجتمع الدولي، وتحديداً أوروبا والولايات المتحدة والمنظمات الدولية، يأتي في سياق محاولة درء الخطر الأكبر، وهو عودة الإسلاميين والعسكر للاستئثار بالسلطة، وإفشال ما حققته ثورة ديسمبر، من خلال استغلال تردي الوضع الاقتصادي (وهو مسار كان بدأ في آخر سنوات نظام البشير وتسارع حتى الانتفاضة ضد حكمه).

لكن ماذا فعل المجتمع الدولي؟

عملياً، تعهد مؤتمر “شركاء السودان” في برلين الأسبوع الماضي بتوفير دعم يتراوح بين المنح والقروض، بقيمة اجمالية هي 1.8 مليار دولار أميركي، أي أقل من ربع المبلغ المطلوب للنهوض بالاقتصاد السوداني. تخيلوا أن 50 دولة وجهة تمويلية، قدمت هذا المبلغ مجتمعة، ومنها 312 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي و356 مليوناً من الولايات المتحدة. لن تكفي هذه المبالغ لانتشال السودان من ورطته الاقتصادية، سيما في ظل الضغوط المتزايدة ومنها حقيقة أن حزب “المؤتمر” المنحل (الحاكم سابقاً) يطل برأسه مجدداً ويُحاول تخريب العملية الانتقالية للافساح في المجال أمام عودة للسلطة. وهذه العودة تعني أيضاً تخريباً للمصالحات وعمليات السلام الجارية في الأقاليم السودانية لتكريم حالة السلم وانهاء الحروب التي طبعت عهد البشير وتسببت بعقوبات دولية أصابت الاقتصاد السوداني بمقتل.

بكلام آخر، خذل المجتمع الدولي السودان والشعب الذي انتفض ضد سلطة ديكتاتورية لم تتورع في استخدام العنف والقتل سلاحاً لوقف التغيير. هل يُفضل المجتمع الدولي عودة الدكتاتورية والاسلاميين والحروب العبثية الى السودان، على دفع بضعة مليارات إضافية لإنقاذ اقتصاده؟ أسئلة كثيرة يطرحها هذا السلوك الغربي.

المسار الثاني هو عودة الشارع كأداة ضغط ولتأكيد الخيار الانتقالي، رغم تصاعد بعض الانتقادات لأداء حمدوك وحكومته.

ساعات تفصلنا عن “مليونية 30 يونيو” في السودان. ولن يحول حظر التجول في الخرطوم ولا الكورونا، عن مشاركة كثيفة في المسيرة التي تُحاكي مواكب 30 يونيو العام الماضي التي أرغمت المجلس العسكري حينها على العودة لطاولة المفاوضات مع قوى الحرية والتغيير، ومن ثم ساعدت في الوصول الى اتفاق سياسي على تقاسم السلطة في فترة انتقالية لـ39 شهراً. وهذا التاريخ (30 يونيو) رمزي أيضاً للسودانيين إذ هو ذكرى انقلاب 30 يونيو عام 1989، والذي جاء بعمر البشير إلى السلطة.

هذه المسيرة تدعم الخيار الانتقالي في السودان، رغم مطباته والصعوبات الماثلة أمامه من تردي اقتصادي أو أخطاء في أداء الوزراء ورئيس الحكومة نفسه. ليست العودة للوراء مقبولة.

المسار الأخير هو محاولات عودة عناصر النظام القديم من إسلاميين ومسؤولين سابقين. وهذه العودة تأخذ شكلين اثنين. الأول تنظيمي مع عودة مناطقية لأزلام النظام السابق بتوجيه مركزي. والثاني هو عبر المحاولات التخريبية، كمثل المؤامرة الأخيرة التي اتُهم بها إسلاميون (عمليات تخريب خلال مسيرة يوم الثلاثاء). نظام البشير لم ينته بعد، ويحُاول تخريب العملية الانتقالية الهشة.

دروس السودان وعمليته الانتقالية كثيرة ومتتالية، وآخرها أن الغرب ليس حليفاً يُعتد به في أي تجربة ديموقراطية وليدة. ليس للسودانيين ومن يحذو حذوهم في المنطقة، سوى أنفسهم ليعتمدوا عليها في بناء بلادهم واقتصادهم ونظامهم السياسي على أسس مستدامة.

‫2 تعليقات

  1. مقالك في قمة الروعة… واخص بالتركيز على النقطة الاخيرة… لن ينهض السودان بدون استغلال ثرواته الجبارة… كما فعلت الصين واليابان وغيرهم… ان لم تساعد نفسك لن يساعدك احد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق