أعمدة ومقالات

الليبرالية في مواجهة العنصرية

معاذ زكريا المحامي

أكثر من شهر مضى على مقتل جورج فلويد المواطن الأمريكي من أصل أفريقي على يد الشرطة في مدينة منيابولس بولاية مينيسوتا الأمريكية ، ولا تزال الإحتجاجات التي خلفها مقتله مستمرة ، ويزداد يوماً بعد آخر عدد المؤيدين لها والمشاركين فيها.

لم يشهد المجتمع الأمريكي مثيلاً لهذه المظاهرات في قوتها وعنفوانها منذ عشرات السنين ، ربما منذ إغتيال الدكتور مارتن لوثر كينغ في العام ١٩٦٨م ، رغم أن هذه الإحتجاجات لم تكن الأولى من نوعها وقطعاً لن تكون الأخيرة ، فقد إنطلقت مظاهرات مشابهة لها بعد مقتل عدد من المواطنين السود على أيدي الشرطة الأمريكية أمثال تامير رايس ومايكل براون.

وفي سابقة فريدة من نوعها لم يقتصر تأثير هذه الإحتجاجات على الدولة الأمريكية – باعتبار أن الجريمة وقعت أحداثها هناك ، وباعتبار أن الجاني والمجني عليه ومن وثق الحادثة بكاميرا موبايله المحمول ، جميعهم مواطنون أمريكيون – بدل إمتدت حالة السخط على الحادثة لتشمل مدن وعواصم مختلفة حول العالم.

فالحادثة أوجعت الضمير العالمي ، وحركت مشاعر الغضب الكامنة في نفوس الكثيرين ، ووحدتهم حول هدف واحد كما لم توحدهم أهداف أخرى من قبل.

القوانين وحدها لا تكفي لمناهضة العنصرية ، وإلا لما كانت الولايات المتحدة تعانى منها اليوم ، رغم إمتلاكها لقوانين تحرم وتجرم بشكل صارم مثل هذه الأفعال والممارسات ، هذا إلى جانب الدستور الأمريكي الذي يعتبر من أفضل الدساتير حول العالم من حيث إقرار مبدأ المساواة بين المواطنين وعدم جواز التمييز بينهم على أساس النوع أو اللون أو العرق أو الدين.

العنصرية شئ كريه وبغيض ، ولا يجب السكوت عنها ، بل يجب تسليط مزيد من الضوء عليها بغية الوصول لمعالجات تنفذ لجذور المشكلة ، كما يجب توسيع دائرة المناقشات حول ظاهرة العنصرية من حيث الأسباب والدوافع ودراسة تأثيراتها على المجتمعات المختلفة خاصة التي تتميز بالتنوع العرقي والثقافي.

وللفنون بمختلف ضروبها كالموسيقى والشعر والقصة القصيرة والرواية والرسم والنحت دور كبير في شحذ همم الناس ومشاعرهم ضد العنصرية ، كما كان للسينما الأمريكية إسهاماتها المقدرة في عكس معاناة السود في بلاد العم سام ، منذ رحلة الآلام الأولى عندما أستجلب الأفارقة من قراهم النائية ليعملوا كخدم وعبيد للرجل الأبيض.

ومن حسنات هذه الإحتجاجات أنها إستطاعت الضغط على صانعي القرار في الولايات المتحدة من أجل إعادة النظر في الصلاحيات الممنوحة لرجال الشرطة ، مثال ذلك توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أمر تنفيذي لإصلاح جهاز الشرطة، يهدف إلى تحقيق الإلتزام بأعلى المعايير المهنية في تعامل الشرطة مع المواطنين ، لتفادي وقوع مثل هذه الحوادث مستقبلاً.

ونحن في السودان معنيون كغيرنا بأمر العنصرية ، لا سيما وأن مجتمعنا لا يزال يعاني من عنصرية متجذرة فيه ، ينكرها البعض ، ويقر بها البعض الآخر ، نسمع عنها ونتندر بها في مجالسنا ، وأحيانا تطفو للعلن ونرى تمظهراتها كما حدث في واقعة زواج لاعب المريخ السابق عصام عبدالرحيم ، ورغم أن الزواج شأن خاص يتعلق في المقام الأول بالزوجين وعائلتهما ، إلا أن البعض أبى إلا أن يحشر أنفه في الأمر ، ويبديء إعتراضه على الزيجة ، بل ذهب البعض لأبعد من ذلك وأخذ يكيل الشتائم العنصرية للعروسين ، وكأنهما قد إرتكبا جريمة لا تغتفر ، متناسين أمر الرسول الكريم لنا: ( فليقل خيراً أو ليصمت ).

وفي إعتقادي أن القيم الليبرالية كالمساواة والإخاء والتسامح ربما تساهم بشكل جيد وفعال في محاربة العنصرية وتغيير السلوكيات الشخصية تجاه الأقليات وتجاه الأفراد بعضهم البعض ، باعتبارهم أفراد مختلفين ومتمايزين يعيشون في كنف دولة واحدة ، وهو ما شاهدناه في مظاهرات الولايات المتحدة الأمريكية ، التي شارك فيها طيف واسع من المتظاهرين من عرقيات مختلفة من البيض واللاتين والسود والمهاجرين ، الكل توحد خلف هدف واحد وهو رفض العنصرية ، فالمجتمعات الليبرالية لا تتسامح ولا يتسامح مواطنوها مع مثل هذه الانتهاكات ذات الطبيعة العنصرية ، لذلك تجدهم يرفضونها ويشجبونها ويسيرون المظاهرات للتنديد بها ، متحدين شبح كورونا المتربص بهم منذ أشهر.

يفعلون ذلك رغم إقرارهم بوجود عنصريون بينهم كالشرطي القاتل ، والذي تغافل بسبب أفضلية متوهمة عنده عن حقيقة مفادها أن الجميع متساوون في الدولة التي يعيش فيها ، لا فرق بين أبيض وأسود ، ولا فضل لمواطن على مواطن آخر إلا بجهده الشخصي وما يقدمه للمجتمع من إسهام ، وما يبذله للناس من إحسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق