أعمدة ومقالات

لعبة المانشيتات الماكرة

د. وجدي كامل

لا تزال مانشيتات كثير من الصحف اليومية تحرّض على إحداث البلبلة، وخلق المزيد من الارتباك لشرائح القراء والمتابعين للصحف السودانية.

ومما لا شك فيه التأثير البالغ لمحتوى ورسالة المانشيتات في الرأي العام الذي يكتفي قطاع عريض منه في عصر السرعة بالقراءة والتناول لها، بدلاً من القراءة التفصيلية، المتأنية، الفاحصة للموضوعات الصحفية.

وتكاد الذاكرة الجمعية السودانية تحتفظ حتى اللحظة بتأثيرات المانشيتات السالبة التي عملت عليها عدد من الصحف المتحدثة باسم الجبهة الإسلامية القومية في الديمقراطية التي سبقت انقلاب الثلاثين من يونيو١٩٨٩م، ودورها في نشر وإذاعة الإثارة السياسية، والتنديد بالديمقراطية، والايحاء والتهديد بالانقلاب عبر صحيفتي الراية وألوان.

بل إن من المعلوم للقاصي والداني أن مراحل الانتقال السياسية، وخاصة في بلدان خرجت للتو من ديكتاتوريات مستوطنة تحمل من الصفات الهشة والخصائص المرتبكة؛ مما يقتضي العمل المشترك، والمساهمة الحصيفة الحكيمة لخلق المزيد من التماسك والتمتين لها، بدلاً عن الإسهام في هدمها وتصوير أحوالها بالنحو الذي يسمح بعدم الثقة، والتشكيك في جدواها.

إن صحفاً كثيرة وأقلاماً لا حصر لها تنشط، ومنذ بداية الثورة، في الدفع بالشكاوى والرسائل المفخخة الوخيمة المحتويات التي تصل إلى حد الابتزاز والإساءة أحياناً للثورة، والتشكيك في جدوى التغيير، مرسلة حنيناً غامضاً سائلاً للعودة إلى مربع الإنقاذ.

يساعد على ذلك – بلا أدنى شك – وضع التهاون والصمت الإعلامي الحكومي من صياغة السياسات والموجهات الداعمة لأمن الثورة، وتأمينها؛ بسبب غلبة المفاهيم الضارة لدى قطاع من الإداريين والمسؤولين الحكوميين الذين يظلون على اعتقاد جازم ونهائي بأن التعريف الأصوب لمرحلتنا السياسية هذه هو الديمقراطية، وليس المرحلة الانتقالية، التي لها أعباؤها ومهامها في فلاحة الأرض، وتهيئة التربة السياسية؛ لزرع الديمقراطية الحقة، والتبشير بقيمها وثقافتها.

عبر الاعتماد على المفاهيم الطائرة، والأفكار الموحشة القائلة بمعانقتنا الديمقراطية تُفتح الأبواب على مصاريعها للعواصف، وقوافل الملوثات؛ كى تدخل وتدمر ما ينخرط فيه الناس حالياً من محاولة إعادة البناء الوطني، وتأسيس منصات التأسيس.

وضع السياسات الإعلامية التأمينية للثورة وأهدافها ومصالحها يصبح أحد الواجبات الملقاة على عاتق وزارة كالاعلام ووزيرها دون أدنى تلكؤ وتأخير؛ حفاظاً على ما تبقى، ويتبقى من مكاسب ثورية.

في هذا الخصوص يجب ألا نكتفي بتوجيه اللوم والنقد لحملة الاقلام السامة، والعقليات الإعلامية الضارة للنيل من المرحلة، ولكن بإبعادهم تماما عن المشهد، وتوجيه التهم والاتهامات القانونية المباشرة لهم بالعمل على تقويض حكومة الثورة.

لقد أطلق أصحاب المصالح السياسية القديمة مفاهيم خبيثة بان الثورة لا يمكن أن تأتي بما سبق أن أتت به الانقاذ من عسف، وقهر، وتمكين، وإن الثورة تتعامل بالقانون والسلمية في تحقيق أهدافها، وهذا لعمري هو الإسفاف والإساءة للثورة في ذاتها، وميسم شخصيتها، بأن يتم تجريدها من أهم أغراضها، وهو التغيير والانتقال من ميراث الخيبة السياسية الى مضمار النهضة.

فكيف لثورة أن تحقق التمكين لقواها وسياساتها، من دون حماية إعلامية؟ هذا يعني أن تسير مفتوحة الأزرار، منزوعة الأطراف، منتهكة الأعراض على قارعة طريق سياسي وعر ومخيف.

كيف لنا ان نشرك ونتعاون مع من عملوا على عدم إشراكنا بالأمس، وساندوا الطاغية وزمرته ونظامه في الغدر بالشعب، ونهب ثرواته، وتمريغ أنفه، وتمزيق كرامته؟

كتابة المانشيتات تظل واحدة من الحساسيات الصحفية والإعلامية المهمة في هذه المرحلة السياسية المسخنة بالتحديّات، والمتخمة بالالغام، وكنت أظن أن التوازن في صناعة المانشيتات هو المطلوب في هذه المرحلة الدقيقة من تطورنا الانتقالي؛ لقطع الطريق أمام العقليات الإعلامية المغامرة ذات الحنين إلى الديكتاتوريات البغيضة المدمرة، التى تختبئ تحت أقلامها، وأحياناً تحت سطور محاور برامجها التلفزيونية السياسية، وغيرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق