أعمدة ومقالات

الباقر العفيف يكتب: هل نحن على أعتاب الردة عن الثورة؟

يتعرض أصوب قرار اتخذه المجتمع السياسي السوداني عقب الثورة لتهديد حقيقي. ألا وهو قرار تشكيل حكومة كفاءات لإدارة الفترة الانتقالية وتواثق أحزاب قوى إعلان الحرية والتغيير على عدم المشاركة المباشرة فيها والاكتفاء بالمساهمة في ترشيح من تراهم من الكفاءات التي تثق بها.
لذلك جاء تكوين الحكومة في المجلسين وفق هذا الالتزام. وأنا أعلم أن البعض يعتبر ان ترشيحات الحكومة الانتقالية خضعت للمحاصصات الحزبية، ويشيرون في ذلك للانتماءات السياسية لبعض أعضاء المجلسين. ولكن هذه تهمة لا تنهض على ساقين لأن جميع أعضاء الحكومة كان معيار اختيارهم الأول هو الكفاءة وليس الانتماء الحزبي. فإن صادفت الكفاءة انتماء حزبيا معينا فهذا لا يطعن في صواب الاختيار ولا يجعل من المرشح مرشحا حزبيا، ولا يخرج الحكومة عن طبيعتها كحكومة كفاءات. ومن الطبيعي أن يكون من بين الكفاءات من ينتمي لأحزاب ومن يتعاطف مع حركات أو أيديولوجيات أو أي خلفيات أخرى خصوصا في بلدنا حيث تنخرط الغالبية المطلقة من المتعلمين في العمل السياسي.
وأكاد أجزم أن جميع أعضاء الحكومة الحالية ما كانت ستتاح لهم الفرصة في تنسم مواقعهم الحالية لو كانت هناك محاصصة سياسية، أو لو كانت الأحزاب هي التي ترشح عضويتها. كنا رأينا كبار القادة، وكانوا باعوا فينا واشتروا. هذا على الأقل لم يحدث من أعضاء هذه الحكومة. فهم كلهم أمناء وأطهار. وإن كانت هناك حسنة واحدة في هذه الحكومة فهي أنه لم تُسَجَّل عليها شبهة فساد واحدة.
وكان من الممكن أن يستمر الحال على هذا المنوال، وأن يكون لدينا معيارا واحدا ينطبق على الجميع. كان من الممكن لقادة الجبهة الثورية أن يرشحوا كفاءات من مناطقهم أو من حركاتهم للانضمام للحكومة. ولكنهم يصرون على المحاصصة السياسية في الحكومة بمجلسيها وليس فقط في المجلس التشريعي كما اتفقت أحزاب قوى إعلان الحرية والتغيير.
فقادة الجبهة الثورية، وما أكثرهم، يريدون المناصب لأنفسهم، لا لكفاءات يرشحونها. وقد شهدنا التوم هجو وهو يلهث وراء المنصب ويعوي في طلبه كما يعوي الذئب الجائع. وأكثر من ذلك هم يطالبون بتعديل الوثيقة الدستورية، التي تمنع من يتولى منصبا في الحكومة الانتقالية من الدخول في الانتخابات. فهم يريدون أن “يأكلوا خريفين”. وبكل أسف فقد أصابت الجبهة الثورية أهم سمة من سمات الفترة الانتقالية في مقتل. وفعلت ذلك باسم “استحقاقات السلام”. وقد وجدت أمامها في طاولة المفاوضات وفدا كأنما أرسله لهم البشير. كل ما يعرفونه عن السلام هو “التقسيم”، تقسيم السلطة وتقسيم الثروة وتقسيم البلد.
ويبدو أن هذه المعاملة التفضيلية للجبهة الثورية أغرت حزب المؤتمر السوداني وأسالت لعابه لمناصب الفترة الانتقالية. وطالما ستُعدّل الوثيقة الدستورية لتستثني “ناس استحقاقات السلام” من النزول في الانتخابات بالرغم من مشاركتهم في حكومة الفترة الانتقالية، فلماذا لا تستثني الجميع.
وهكذا بينما سدّدت الجبهة الثورية طعنة نجلاء للوثيقة الدستورية ولمفاهيم الثورة في عدم المحاصصة يأتي حزب المؤتمر السوداني ليُجِهز عليها نهائيا. وطبعا حزب الأمة في الطريق (ده كمان عايز نص حكام الأقاليم، ومافيش حد أحسن من حد). فهل ستتحول حكومة حمدوك من حكومة كفاءات لحكومة أحزاب؟ هل نحن نمضي في طريق حكومة جبهة الهيئات؟ وبعد أن يدخل الفيلة الملعب، هل سيجد الشباب أمثال الكنداكات ولاء ولينا ونصر الدين ومفرح ومدني أنفسهم في الطريق الشاقي ترام أكرم؟ غايتو الله يكضب الشينة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق