أعمدة ومقالات

لسنا في حاجة إلى مجمَّع فقهي: التشريع ما قال الله ورسوله – موقع الاجتهاد!!

ركن نقاش

عيسى إبراهيم

مجمع الفقه التابع لوزارة الشؤون الدينية والأوقاف أحال لهم الوزير مُفَرِّح كتاب الصف الأول الابتدائي الجديد الذي وصله من وزارة التربية والتعليم، لابداء ملاحظاتهم حوله،  فهل أباح لهم نشر ملاحظاتهم ورأيهم في العام؟!، وقد انتقدت وزارة التربية والتعليم في السودان  – حسب سودان تربيون نت – تدخل مجمع الفقه (التابع لوزارة الشؤون الدينية) في عملها، وقالت إن المقررات الجديدة للطلاب لن تخضع لأي مساومة من أي جهة، لأن إصلاحها مستمد من الوثيقة الدستورية التي تحكم الفترة الانتقالية.

ونحن هنا بصدد تقويم الفقه الاجتهادي وموقعه من ما قال الله وقال الرسول، وموقع الرأي الاجتهادي في التشريع..

توقف الاجتهاد

عزا الدكتور عبد الحليم عويس توقف الاجتهاد إلى خضوع الفكر الإسلامي لما خضعت له سائر العلوم من جمود وتحجر نتيجة الكسل العقلي الذي أصاب الأمة الإسلامية في صميم نشاطها العقلي والوجداني وبالتالي تخلف الفقه وتوقف الاجتهاد (يرى الدكتور عمارة أن اغلاق الاجتهاد ناتج عن احساس الفقهاء بقصورهم عن الاجتهاد يقول: ورأينا الذين أرخوا لمسيرة الامة على هذا الدرب بعد أن اعلنوا بالقصور والعجز واغلاق باب الاجتهاد يتوقفون عن ذكر الأسماء الجديدة في تلك السلسلة من ائمة التجديد- محمد عمارة – دكتور – تجديد الفكر – مرجع سابق- ص9.) .

ويضاف إلى هذا السبب الأساس أسباب أخرى حصرها العلماء في الأسباب الآتية:

1/ تدوين المذاهب: فقد تم تدوين الفقه وسجل علماء كل مذهب اجتهادات الأئمة في الحوادث التي افتوا فيها، واعتقد العلماء أن ما دون كافٍ لسد حاجة المسلمين، فوقفوا أنفسهم على ما بأيديهم من كتب الائمة المجتهدين.

2/ التعصب المذهبي: فقد التزم كل عالم من العلماء مذهباً خاصاً، عنى بدراسة وحفظ أصوله، وترتيب فروعه ودعوة الناس إلى المذهب الذي اختاره، واعتقاد الحق فيما جاء به مذهبه وحده.

3/ زاد من تعطيل عجلة الاجتهاد أن كتب علماء المذاهب مليئة بالتهجم على أئمة المذاهب الأخرى، انظر مثالاً ما قاله الغزالي في كتابه “المنخول” وما قاله الجصاص الحنفي في كتابه “أحكام القرآن” وما قاله الإمام ابن حزم الأندلسي في كتابه “المحلى” وغيرهم.

4/ كان من أسباب الصراع بين المذاهب أن القضاة في بعض العصور كانوا يعينون للقضاء على مذهب معين يلتزمونه في أحكامهم، ولا يجوز لهم الخروج على منصوصات علمائه، وكان التعصب للمذهب والاستشهاد بذلك من عوامل تقديم الفقيه وتزكيته.

5/ شيوع الحسد بين العلماء مما جعل الكثير منهم يحجم عن الاجتهاد خوفاً من أن يكيد له اعداؤه ويرمونه بالابتداع فوقفوا عند أقوال الأئمة المتقدمين ((2)   عبد الحليم عويس- دكتور- الفقه الاسلامي بين التطور والثبات – ص 137.).

ويعزو الشيخ ابو الحسن الندوي قفل باب الاجتهاد وتوقف النشاط العقلي إلى الغزو التتاري المغولي الذي تعرضت له الأمة الإسلامية بعد سقوط بغداد، والذي جفف منابع الذكاء والثقة بالنفس وتخوف العلماء من توقع انحراف الاجتهاد لمؤازرة الحكام أو امكان تسببه في تحريف الدين يقول الندوي: (ولقد اعترى هذه المؤسسة – مؤسسة الاجتهاد بمعناها العصري- شئ من الذبول والضعف بعد الهجوم التتاري الذي جفف منابع الذكاء والثقة بالنفس والصمود امام الزحف المسلح وغير المسلح في نفس الشعوب التي وقعت تحت نفوذ الحكم التتاري المغولي فرأي علماء المسلمين- خصوصاً في القسم الشرقي من العالم الإسلامي- الحد من نشاط الاجتهاد، وفي هذه الحقبة من الزمن ((3)   يعتقد بعض المفكرين انه لو قيض للاجتهاد أن يستمر على فاعليته في مجابهة تطورات الحياة المستجدة ولم يتوقف البتة لكان الحال غير الحال، ولكانت الدعوة إلى التحقق بحضور اجتهادي فعال في قرننا هذا امرا ممكنا وميسورا، ويطرح هؤلاء المفكرون معضلة الانقطاع الاجتهادي لفترات زمنية متطاولة كحاجز يقف امام استعادة الحركة الاجتهادية قدرتها على الفعل والتعصير والاستمرار، ويجعلون همهم ووكدهم كيفية تجاوز هذا الفراغ بين الماضي والحاضر، ويتساءلون هل من المحتوم ملء هذا الفراغ لكي تكون انطلاقتنا الجديدة متحققة بشروط التواصل المطلوب؟ وألا يمكن أن يعتبر المجتهد المعاصر “حرا” في أن يبدأ من جديد لمجابهة التحديات الجديدة كما بدأ سلفه؟ كأن المعضلة في نظرهم هى هذه الفترة من انقطاع حركة الاجتهاد.. انظر في ذاك عبد الحليم عويس- دكتور- مصدر سابق- ص174.) مخافة أن يكون في صالح الحكام، خاضعاً لمصالح سياسية وفردية فيضر أكثر مما ينفع، وقد يكون سببا لتحريف في الدين أو انحراف جماعي في سير هذه الأمة، وقد كان مؤقتاً ومؤسساً على مبدأ تقديم الضرر على جلب المنفعة ((4)   عبد الحليم عويس- دكتور- المصدر السابق- ص 168).

الاجتهاد ليس على الحقيقة تشريعاً

ليس للتشريع مصدر إلا الكتاب والسنة، يقول الشيخ محمد علي السايس: إن التشريع الإسلامي بمعنى سن الاحكام وانشائها لم يكن إلا في حياة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومنه هو فقط، اذ لم يجعل الله لأحد غير نبيه سلطة التشريع، وأن يعتمد فيه على الوحي المتلو وهو القرآن. وغير المتلو وهو السنة، أما اجتهاده (صلى الله عليه وسلم) فمرده إلى الوحي لأنه لا يُقر على الخطأ، فاقراره على اجتهاده وعدم تنبيهه إلى الخطأ تصويب له منزل منزلة الوحي (محمد علي السايس- نشأة الفقه الاجتهادي واطواره- مجمع البحوث الإسلامية – شوال 1389- يناير 7- رقم الايداع 1571 لسنة 1970) ويقول أيضاً: فليس للتشريع مصدر إلا الكتاب والسنة، وأما الاجتهاد في عصر التنزيل فلا يصح أن يكون مصدراً مستقلاً من مصادر التشريع ((6)   المرجع السابق.).

ويقصد بذلك الاجتهاد ما تم بعد ارتفاق النبي (صلى الله عليه وسلم) بالرفيق الأعلى. يقول الشيخ علي السايس: “ومن ذلك يتضح أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يفارق هذه الحياة إلا بعد أن تكامل بناء الشريعة، فما كان بعد وفاته مما ثبت باجتهاد الصحابة والتابعين فليس تشريعاً على الحقيقة، وانما هو توسيع في تبسيط القواعد الكلية وتطبيقها على الحوادث الجزئية المتجددة، واستنباط للأحكام بفهمها والقياس عليها فيما لم يرد فيه نص” ((7)   محمد علي السايس- نشأة الفقه الاجتهادي – مرجع سابق.).

اما اجتهاد الصحابة في حضرته الحياتية فهو تشريع لاحق بالسنة النبوية المطهرة، انظر اليه يقول: “واما اجتهادات الصحابة فما كانت تحصل منهم غالبا إلا في الحالات التي لا يتيسر لهم فيها رجوعهم إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) لاستفتائه في الأمر بسبب بعد الشقة بينهم وبينه أو خوف فوات الفرصة وكان لابد لهم أن يرجعوا بعد ذلك اليه فيقف بهم على حقيقة الأمر ويصوبهم أو يخطئهم ويكون مرد هذا إلى السنة”.

الاجتهاد والرأي

كان الصحابة رضوان الله عليهم يطلقون كلمة الرأي على إعمال الفكر في الوصول إلى الحكم فيما ليس فيه نص، والرأي عندهم هو مايراه القلب بعد فكر وتأمل وطلب لمعرفة وجه الصواب مما تتعارض فيه الامارات ((2)   المرجع السابق.).

يقول الدكتور عبد الحليم عويس: “يستعمل في مجال “الاجتهاد” غير “القياس” مصطلح الرأي ويقصد به الاصوليون مايقابل “الأثر” والأثر هو النص من الكتاب والسنة، والرأي هو الاجتهاد بالعقل على ضوء النص، وهو لا يختلف كثيراً عن الاجتهاد، وهو أعم من القياس والرأي معاً” ((3)   عبد الحليم عويس- دكتور- الفقه الاسلامي- مرجع سابق.).

ومع استعمال الصحابة للرأي فيما لم يرد فيه نص من قرآن أو سنة فلم يجرؤ أي منهم أن يجزم بأن ما وصل اليه هو حكم الله، وأنه الحق والصواب وما عداه خطأ (المرجع السابق) فسيدنا ابو بكر الصديق يقول: هذا رأيي فإن يكن صواباً فمن الله وإن يكن خطأ فمني واستغفر الله وقد روي فيما ورد أن كاتباً لسيدنا عمر بن الخطاب كتب في فتيا لعمر “هذا ما رأى الله ورأى عمر” فقال له: “بئسما قلت، هذا ما رأى عمر فإن يكن صواباً فمن الله وإن يكن خطأ فمن عمر” ثم قال” السنة ما سنه الله ورسوله لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة” وفي رواية عنه أخرى: “يأيها الناس إن الرأي كان مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مصيباً لأن الله كان يريه، وانما هو من الظن والتكلف، السنة ما سنه الله ورسوله، لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة” (المرجع السابق).

وروى الطبري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه – وهو خليفة – لقي رجلاً له قضية فسأله: ماذا صنعت؟ فقال: قضي عليٌّ بكذا، قال عمر: لو كنت أنا لقضيت بكذا، قال الرجل: فما يمنعك والأمر اليك؟ فاجابه عمر: لو كنت أردك إلى كتاب الله أو سنة رسوله لفعلت، ولكني أردك إلى رأي، والرأي مشترك ولست أدري أي الرأيين أحق عند الله (محمد علي السايس- نشأة الفقه – مرجع سابق.).

الاجتهاد في عهد الصحابة

تميز الاجتهاد في الصدر الأول من الإسلام، في عهد الصحابة، بميزتين جوهريتين أساسيتين، الأولى التورع عن الفتوى، والثانية استنباط الأحكام لما ينزل بهم من الحوادث، فلم يكونوا يتخيلون مسائل لم تحدث أو يقدرون حوادث لم تقع فيبحثون لها عن أحكام، فطريقة التشريع في الصدر الأول من الاسلام لم تقم على فرض الحوادث بل كانت سائرة مع الواقع، ومبنية على أن المسلمين إذا عرض لهم أمر يقتضى بيان الحكم رجعوا إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فيفتيهم تارة بما أنزل الله عليه من الكتاب، وتارة بالحديث، وقد كان استنباط الصحابة للأحكام في هذا العصر مقصوراً على ما ينزل بهم من الحوادث فلم يكونوا يتخيلون مسائل لم تقع ويقدرون وقوعها ويبحثون عن أحكامها كما كان ذلك فيما بعد، بل اقتصروا في الافتاء فيما يقع لهم، وكانوا يتورعون عن الفتوى، ويحيل بعضهم على بعض خشية الزلل والخطأ (السايس – مرجع سابق).

eisay1947@gmail.com

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى