أعمدة ومقالات

يسرا فؤاد تكتب عن ولاية الرجال على النساء: ولي الوالي!*

غيابٌ تامٌ لمناقشة مفهوم ولاية الرجال على النساء، وسط تصاعُد المُطالبات بتعيين ولاة نساء.

منذ بداية الفترة الانتقالية، تعالت مطالب المجموعات النسوية بتمثيل النساء في كافة مستويات السلطة، وهي مطالب مشروعة ومستحقة، وفي الخطاب الأول لرئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك، أمّن على استحقاق هذه المطالب وأنه لن يقبل بتمثيل ضئيل للنساء في حكومته وان استدعى ذلك إعادة قوائم الترشيح لقوى الحرية والتغيير. لقرابة العام لم تتعدَ الوعود بالتمثيل العادل للنساء في صناعة القرار، الأقوال.

وكما حَدَثَ في أغلب الثورات وحركات التحرير بمُجرّد انتهاء مرحلة المُقاومة المُباشرة للعدو (سواء كان مستعمراً أو نظاماً قمعياً) والتي في العادة تشارك فيها النساء بفاعلية، يطلب منهن العودة للفضاء الخاص والتركيز على أدوارهن الإنجابية والمنزلية وترك فضاء السياسة للرجال. والدليل على ذلك، التمثيل الضعيف للنساء في الحكومة، غياب النساء من وفود مفاوضات السلام، لجان التحقيق في الانتهاكات، وأخيراً معركة ترشيح الولاة المدنيين المُستمرة لأشهر.

يبدو جلياً أنّ الأحزاب المكونة لقوى الحرية والتغيير لا تقبل بترشيح النساء لمنصب حاكم إحدى الولايات الـ(18)، في السابق استهلكت مبررات الكفاءة، وأن الاختيار للمناصب “خاصة عندما تتطلع امرأة للترشح” يصبح أساساً للجدال، أما الآن ووفقاً لتصريح الأستاذ فيصل محمد صالح المتحدث باسم مجلس الوزراء، تعترض المجموعات السياسية بوضوح على ترشيح النساء لمنصب الوالي بسبب القبول وأعراف المجتمع، في مفارقة تامة لأدبيات الثورة التي لقّبت النساء الثائرات بالكندّاكات، حاكمات مملكة كوش في قديم الزمان.

إن احتلال النساء للفضاءات العامة وبالأخص مراكز صناعة القرار مطلب مشروع وأهميته تكمن في ترسيخ مفاهيم المساواة، وأن المرأة قادرة على قيادة مؤسسات الدولة مثلما تقود التظاهرات وتقاوم الأجهزة القمعية، بجانب أدوار الرعاية والإنجاب والإنتاج. وأن اختلاف المهام في الفضاء العام والخاص ليس شأناً بيولوجياً، ولكنه بالضرورة يعتمد على تلقي التدريب المناسب وتطوير  المهارات الشخصية.

ومن منظور آخر، فإن تعيين النساء في المناصب القيادية في ظل نظام ذكوري قد لا يثمر عن أيِّ مكتسبات للحركة النسوية.

من الملاحظ أنّ اختيار النساء للمناصب العامة تتحكّم فيه المنظومات السياسية الذكورية بطبيعتها، التي تفتقر للسياسات والموجهات التي تدعم مُشاركة النساء في هذه المنظومات أو توفر لهن الحماية من العنف داخلها، وأبسط الأمثلة غياب سياسات عدم التمييز النوعي أو الحماية من العنف والاستغلال الجنسي داخل هذه المنظومات. تختار هذه المنظومات نساءً لمراكز صناعة القرار متماهيات مع هذه المنظومات الذكورية، لا يتسببن في الإزعاج بسبب عدم العدالة النوعية ولا يتبنّين مواقف مخالفة للتيار العام، ويبدو هذا الاختيار جلياً في تركيبة مجلس الوزراء ومجلس السيادة، الذي قلّما نسمع عن مواقف مبدئية لعضواته، وبل تماهت بعضهن مع الثناء للمكونات العسكرية مثل قوات الدعم السريع.

عندما تخفق امرأة في أداء مهامها العامة، فإن اللائمة تلقى على معشر النساء وتبدأ موجات السباب وخلاصات فشل مُشاركة النساء في السياسة في تسيد الخطاب بخلاف إخفاقات قرائنها من الرجال، حيث تعتبر إخفاقاتهم مجرد أخطاء شخصية.

في ظل منظومة اجتماعية تكيل بعدة مكاييل (النوع، الإثنية، الطبقة، الثقافة والدين)، ومنظومة سياسية ذكورية تختار من تتوافق مع أجندتها، يضحى تمثيل النساء في مراكز صناعة القرار مجرد واجهة لتطور الدولة وحفظاً لماء وجه القادة في المحافل الدولية والإقليمية، بأن السودان كغيره من دول الجوار يخطو نحو تحقيق العدالة النوعية.

ولي الوالي

لا يمكن للنساء المشاركة في الفضاء العام بحرية وفاعلية، ما لم تتم معاملة أن الشخص سياسي بالأساس. وفقاً لأحكام قانون الأحوال الشخصية للمسلمين للعام ١٩٩١ فإن القاضي أو الوالي وغيرهن من النساء يخضعن لسلطة الولي وهي سلطة ممنوحة للأقرباء من الذكور (أب، زوج، أخ، عم …الخ). الولي يمكنه حرمان ولاياه من النساء من الموارد والحريات، تحديد مسار حياتهن من دراسة، عمل، زواج أو طلاق. لذلك النساء في فضاء السياسة قلة مقارنة بأقرانهن من الرجال، وهذه القلة في الغالب تمتعت بامتيازات مساومة سلطة الولي مقابل عملهن في الفضاء العام، أو بذلن مجهودات مُضاعفة في إزالة المتاريس الاجتماعية ومن ضمنها سلطة الولي.

حتى هذه اللحظة يظل نقاش مفهوم ولاية الذكر على الأنثى غائباً عن دوائر السياسة، بما فيها المجموعات

النسوية، ويمكن أن يفسر ذلك بسببين: أولهما أن النساء في أروقة السياسة غير مُدركات لأهمية إلغاء الولاية، وأن الرجال صناع القرار لا يضيرهم الاستفادة من هذا التغول على الكرامة الإنسانية، وثانيهما أن تغيير مفهوم الولاية يتطلب صراعاً مباشراً مع المجموعات الدينية والتقليدية وهو ما تتجنّبه قوى التغيير.

وبدون إلغاء ولاية الرجال على النساء، يصبح تمثيل النساء في مراكز صنع القرار مجرد حق حصري على ذوات الامتيازات الاجتماعية اللائي أتيحت لهن فرص الدراسة والعمل وممارسة السياسة وفق ثمن مُحتمل من المقاومة والمساومة داخل الأسرة. وعليه، تصبح دوائر السياسة نادياً مغلقاً للمحظيين من الرجال وبعض المحظيات من النساء وتبعد أعداد كبيرة من النساء المؤهلات واللائي يمكن تأهيلهن من مراكز صناعة القرار، لأنهن حبيسات الفضاء الخاص بأمر الولي.

*نقلا عن صحيفة السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى