أعمدة ومقالات

في أمر الصراع بتجمع المهنيين وتكسر الأصنام

اماني ابوسليم
الإنسان قليل الوعي والإرادة، يصنع أصنامه بنفسه ، يترك أصل القضية والرسالة ويتمسك برمز الذكرى والصنم، ويبعد كل يوم عن قضيته وقيمه ورسالته في الخير والتقدم.
وكنا كذلك حين كنا نتشبث دون وعي بذكرى ورموز الاستقلال وأكتوبر وأبريل، ظلت بعض الصور والرموز تذكرنا بتلك الأحداث التي انتصرت للحرية والانفكاك من الظلم والظلام، فكانت أصنامنا التي مجّدناها.
الإنقاذ (اصطلاحاً) من حيث أرادت شراً، تحول الى خير، حين باعدت بين الجيل الذي تربى في عهدها وبين تواصله مع رموز وذكرى وشخصيات ذلك التاريخ، كأثر التباعُد لإيقاف العدوى، فجاء جيل كبر كموسى في بيت فرعون، فوضع نهاية للجبروت بوعي أصيل وقد صحّ جسده من عدوى التأليه والتقديس لرموز ظنت أنها ستعبد كما عبدت الأصنام.
وحين ينقلب الرمز على القضية أو الرسالة وقيمها، ويتحول إلى صنم يعبد، فإما أن القضية نفسها ضعيفة وهشة ولا ترقى لقيم عليا تورث الأرض لأصحابها، أو أن أصحابها لم يصلوا لدرجة من الإيمان ترقى لمكانة تلك القيم، فيبدلونها بعبادة الأصنام.
وأعتقد أن ثورة ديسمبر تفوق أكتوبر وابريل وحتى حدث الاستقلال، لأن أصحابها أكثر وعياً وارتباطاً بالوعي العالمي للحقوق والحريات والوعي الفطري بالعدل، ولأنهم أيضاً صحيحو البنية من العدوى التاريخية لتمجيد شخصيات او أجسام أخذت مكانتها الرمزية لأنها فقط عاصرت أو كانت جزءاً من الأحداث المهمة وقد تكون بلا فعل أو وعي ساهم في التقدم بهذه الأمة.
هناك من يظن أنه قد أصبح رمزاً ارتبط بالثورة، وسيظل صنماً يقدس ويعبد، ولن يناله التقييم الموضوعي لعمله وكم أضافته لتطور البلاد، واهماً أنه يكفي قد شارك او ارتبط بالثورة إبان اشتعالها حتى انتصارها.
تجمع المهنيين، وآخرون، شخصيات وأجسام، يظنون أن رمزيتهم ستحولهم ليصبحوا اصناماً تعبد، ولا يمسهم التقييم الموضوعي، المستند على العمل والالتزام بقيم وشعارات الثورة.
المتصارعون على غنيمة رمزية تجمع المهنيين، يبنون صراعهم على حسابات خاطئة، فالجيل المنقطع عن عدوى تقديس الرموز لن يقدس أحداً إلا بقدر دوره في الحاضر وما ينبئ عن الآتي، و لن ينصر أحداً لأنه يمثل ذكرى جميلة من ذكريات أحداث الثورة. معركة الباسوورد (كلمة السر) التي خاضها اعضاء التجمع معركة مثيرة للسخرية، كانوا، كل أطراف الصراع، كمن سرق صندوق كنزه ونام مطمئناً أن المفتاح بجيبه، لم يعوا أنّ الصندوق نفسه قد جافاهم ورحل يبحث عن حامل جديد له، ستظهره الإيام.
كثيرون يتعاملون مع الثورة كما تعامل اليهود مع مفهوم التابوت والألواح. قدسوه في بعده المادي، واستأثروا بامتلاكه واخفوه عن العامة، حفاظاً على كنز صوّروا لأنفسهم أنه من الياقوت والزمرد والذهب، وأقاموا عليه حراساُ وكهنة ومفتاح وباسوورد. وهو حال من لا يقدر إلا المادة ولا ينتظر إلا الكسب المادي.
تابوت الثورة وألواحها في قيمها وشعاراتها وليس في أي جسم او شخص ساهم أو شارك او عاصر أحداثها. أي جسم أو شخص ظن أنه قد تحول في أذهان الناس إلى ياقوت وزمرد، فهو واهمٌ، فالتابوت وحده سيسقط عن حمله من لم يؤمن بالقيم التي يحويها، وسيظل يسقط عن حمله كل حين نفراً، ويذهب وحده لمن يستطيعون توصيل وتفعيل رسالته على الأرض، فلا خوف على الثورة او الثوار. كثيرون ممن يؤلهون انفسهم من بداية هذه الثورة انكشفوا، كما انكشف المتصارعون على صنم تجمع المهنيين، وكثيرون أيضاً ستكشفهم الأيام القادمة.
لاخوف على الثورة أو الثوار من تساقط الرموز، فما هي إلا أصنام تتكسر بفعل الثبات على الإيمان بالقضية والرسالة، فالثورة وقضيتها أقوى وأوضح من الاختصار او الاختزال في رمز او صنم، واصحابها في درجة من الوعي والإيمان ترقى لنصر الثورة وقضيتها وتثبيتها في الأرض.
السؤال: من الصنم القادم الذي ستكسره الثورة وتمضي في طريقها للأمام، غير آبهة بغير رسالتها وقضيتها العادلة ومستحقة التحقيق.
نقلا عن “السياسي”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق