أعمدة ومقالات

خالد فضل يكتب: حزن خاص في مقام العام

خالد فضل

ورحل أبي الحاج فضل طه ادريس عن دنيانا صبيحة السبت 18 يوليو 2020 ، رحل معلمي الاول فى هذه الحياة وقد جاوزت فيها من السنوات نصف القرن بخمس أخريات،وأجزم بكل ثقة بان نصف القرن الذي امضيته من عمري قد انفقته تلميذا في مدرسة الوالد العظيم،إذ فى كل ملمح من ملامح حياته العامرة ثمة دروس وخبرات يصعب وجودها لولا وجوده.

منذ سن الخامسة ،وبداية الذاكرة المستمرة بالنسبة للطفل، ظللت اتلقى عن والدى دروس الحياة ،على الصعيد الاسري،حيث غريزة الأبوة الصادقة،بعدالة متناهية الدقة فى توزيع الاهتمام،والرعاية ،والمودة والعطف بيننا ،ونحن عصبة،سبعة اشقاء وخمس شقيقات ،رضعنا من ثدي  واحد،ودرجنا في كنف اب رحيم،فتعلمت لمستقبل أبوتى لابنائي كيف يكون الحب بقسطاس  لا يميل ،اتمثل ذلك وأحاول ،دون ان ابلغ شأوه بالطبع ،اقتفاء آثاره البينة الواضحة والتى ترجمتها ولله الحمد،اسرة ممتدة بالاخاء والمحبة وكامل المودة والوفاق ،كان عميد اسرته بعد الرحيل المر لشقيقه الكبير عمنا المرحوم الحاج محمد طه،وركيزة لعشيرته ومنارة لقريته وأهله،لذا كانت مئات التعازي من مختلف الاجيال ،وعلى امتداد الصلات مابين رحم وتعايش وصداقة وزمالة تبدأ بالعبارة المؤثرة (ابونا فضل )،فايقنت ان امتداد الابوة ليس بحساب البيولوجي فحسب، بل اكثر من ذلك بعمق المعنوي،وهذا من دروس الحياة المهمه بالنسبة لى؛ ان تكون كما كان ابوك ابا للجميع ،وما اظننى على حمل هذه الامانة بقادر،فمن اين لى قدراته الهائلة! الصبر على المكاره ،وتحمل الاذى،واحتمال الناس مع اختلاف الاخلاق والمشارب ،أنى لي بذاك الحلم المتسق والسكوت الذي (من دهب)! واعمال العقل قبل العاطفة ووزن الحديث بميزان المنطق المستقيم والحجة البينة ،لقد تتلمذت على يديه ولكنى لن ابلغ شأنه مهما ادعيت ،فهو عملاق في كل شي،ادبه وذوقه ،هندامه الانيق البنطال الاسود والقميص الابيض وحزام الوسط في سن الشباب ،لفة العمامة وجدعة الشال وهو كهل وشيخ مشيته الواثقة ابتسامته العذبة التى تضئ الكون ،رشاقة الجسد واستقامة القوام الذي لم ينحن بفعل السنوات وتراكم الاوجاع حتى تقطيبة وجهه النادرة كتعبير حميم عن الغضب ،هكذا كان ابى قدوتى ومثالى في الحياة ،منذ طفولتى الباكرة اتلقى على يديه كل يوم درس جديد،واذ كانت تربيته اساسها الرفق وديدنها الديمقراطية وحرية الاختيار، وقد كانت تلك قلائد احسان استعدلت خطونا المتعثر في مدارج الحياة؛ولله المنة لم ينحرف منا احد في طريق سوء او درب رذيلة ،فتلك من عطايا الله اجراها على يديه جزاء قلبه الطيب وسريرته النقية.

على الصعيد المهنى ،وقد عمل في مضمار الطبابة على اول سلالمها ،فراشا فممرضا فمساعدا طبيا حتى اخر(الاسكيل)في المعاش وفي كل منها كان مثالا للاتقان وحب المهنة والتفانى في خدمة المرضى،كم سهر الليالي مرافقا لمريض يتاوه على اسرة المشافي،عالج ذاك وداوى الطفل الغرير فعادت الى وجهه نضارة الطفولة،طبب الحامل والنفساء فانقشعت عن جسدها حرارة الحمى واوجاع الجسد المنهك،لم تغمض عينه عن مواعيد الحقن او مسارب المحلول في جسد منهك لمريض،فجرا ينهض للعمل ،منتصف النهار وآناء الليالى الطوال حتى وهو في المعاش والعمر يمضي به الى الثمانينات والجسد لم يعد كما كان فلم يبخل على مرضاه بروشتة دواء او تشخيص حالة او نصح باللجوء الى الطبيب،لهذا كانت تعازي زملاء المهنه قولهم(حاج فضل استاذنا تدربنا على يديه) فهو بحق شخصية عامة عموم قرى الجزيرة التى خدم اهلها ،عموم اهلنا في جنوب السودان القديم الذي امضى فيه نحو عامين جاب خلالها غاباته وانزلق الى وديانهم مقتفيا آثار المرض الفتاك في حملة التطعيم الشهيره اواخر الخمسينات ومطالع الستينات من القرن الماضي فقد كان حينها ممرضا انتدب للعمل ضمن فريق هيئة الصحة العالمية الذي انجز تلك المهمه النبيلة،وهى من مفاخرنا به اذ ان مجاله هو خدمة الانسان كيفما كان وهذا درس بليغ في الوعى بقيمة البشر نسعى جهدنا ان يصبح من سماتنا الشخصية ونأمل ان نكون على ذات الدرب سائرون .

في العمل العام كان له سهم وافر اينما حل نفع في ترحاله بين قري الجزيرة، كان قائدا لهمة الجماعة في عمل الخير وتأسيس الخدمات ،هنا توصيل انابيب المياه للبيوت،هناك تشييد فصول المدرسه بالعون الذاتى،وبينهما تجديد المسجد وتنضيد روضة الاطفال وتفعيل الجمعية التعاونية ،ولجنة الكهرباء ومجلس الآباء في نزاهة يد وطهر جانب ،ومن بين ثنايا خدمته العامة تعلمنا(ابجد )العمل العام فهل ترانا نبلغ شأنه وان تطاولنا في الادعاء!

سيرة طويلة مليئة بالفضائل من خاص الأسرة الى عام المجتمع لن تحيط بها سطور،انما شذرات من هنا وهناك،رحم الله الوالد حاج فضل رحمة تفوق ماقدم عددا فما عند الله دون شك ما لا يحد من المكارم والرحمات وانزل على قبره غمام فضله وظلله بوافر عطفه والهمنا الصبر على فراقه ولا حول ولا قوة الا بالله.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق