أعمدة ومقالات

الضحية غير واجبة لا على الفقراء ولا على الأغنياء!!

عيسى إبراهيم

 الضحية سنة عادة.. وسنة العادة تتغير بتغير المجتمعات، وتخضع للملابسات المعينة.. كما ثبت أن النبى الكريم، قد ضحى عن أمته فأسقطها عنها، وكما أن كبار الخلفاء الراشدين، وعلماء الأصحاب، وأثرياءهم كانوا لايضحون.. فمن أين لنا الإصرار على الضحية مع كل ذلك؟! إنها دوافع العادة، والمباهاة، والتفاخر التى نتورط بها فى المشاكل، وإلإنحرافات، ثم نحن ننسب هذا الضياع للدين.. وأعجب من ذلك إننا نعتبره قربة، وذلك لجهلنا المطبق بروح الدين، بل لجهلنا بالنصوص، وبموقف كبار الأصحاب..فإن كنت أيها القارئ من المتدينين فاعلم أن النبى الكريم قد ضحى عن أمته فأسقط وجوبها عنهم، وأن سيدنا أبابكر، وهو من عرف بدقة الإتباع، وتحريه، والحرص عليه.. لو كانت الضحية مطلوبة من الأمة، كما نتوهم الآن، لكان هو أولى من عملها، ودعا لها.. وإن كنت ممن يقتدى به، فاتركها بعلم حتى لا يقتدى بك، مثل ما فعل سيدنا أبوبكر.. وإن كنت من الأغنياء فبدلا من أن تتقرب باعنات الآخرين، وإحراجهم أمام أسرهم، فتذكر أن من هو أولى منك بفهم الدين، وأحرص منك عليه، قد ترك الضحية، وهو موسر، ليعلن سقوطها، وليراعي ظروف، وخواطر الآخرين..

الضحية سنة عادة: سنة العادة هى ما كان يفعله الرسول، (صلى الله عليه وسلم)، اخذا بالعادة السائدة في ذلك المجتمع، والتي إنما تتعلق بمظاهر الحياة، كالمأكل، والملبس، والمركب، مما يمثل التطور التاريخى لذلك المجتمع، ولايتعلّق بجوهر العبادة، أو المعاملة، ولا يتعارض مع غرض من أغراض الدين، في ذلك الوقت.. ولقد كان أخذه، )صلى الله عليه وسلم(، بمثل هذه العادة إنما هو من تمام تنزل الرسالة إلى أرض الواقع المعاش حيث تقتضى الحكمة ألا تصادم الرسالة العرف، وإنما أن تعايشه وتهذبه، وتتسامى به. قال تعإلى لرسوله الكريم: “خذ العفو، وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين”، وذلك تدريجا للناس، ورحمة بهم، ودفعا للمشقة، والعنت، عنهم.. قال تعالي: “لقد جاءكم رسول من أنفسكم، عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم”.. ومن هذه الحكمة أن سنة العادة ليست سنة باقية، وإنما هي رهينة بالظروف التاريخية الموقوتة، فهي تتطور، وتتغير حسب ما يجد من تطور المجتمع البشري، والفرد البشري.. ومن سنة العادة كانت اللحية، والعمامة، والعصا، والضحية..

 الرسول الكريم يضحي عن أمته فيسقط عنها الضحية:
وفدى الرسول (صلى الله عليه وسلم) امته بأن ضحى عنها، فأسقط الضحية عن كافتها!! جاء فى تفسير إبن كثير، الجزء الرابع، صفحة 642 “عن على بن الحسين عن أبي رافع إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين، فاذا صلى وخطب الناس أتى بأحدهما وهو قائم فى مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية، ثم يقول: “اللهم هذا عن أمتى جميعا، من شهد لك بالتوحيد، وشهد لىي بالبلاغ” ثم يأتي بالآآخر فيذبحه بنفسه ثم يقول: “هذا عن محمد وآل محمد” فيطعمهما جميعا للمساكين، ويأكل هو وأهله منهما. رواه أحمد، وابن ماجة..” ثم يمضى ابن كثير فيقول، فى صفحة 646: “وقد تقدم إنه عليه السلام ضحى عن أمته فأسقط ذلك وجوبها عنهم” فالنبى الكريم بضحيته، عنه، وعن آل بيته، وعن أمته، إنما فعل سنة أبيه إبراهيم، ولكنه لم يستن الضحيه إبتداء.. فعل سنة إبراهيم فاختتمها، وفدى أمته عنها، وافتتح عهدا جديدا للتقرب إلى الله بالعلم، وفدى النفس بالفكر، لا بالحيوإن، وهو فى نفس الوقت، إنما جارى عادة سائدة، فهذبها، وتسامى بها، وفتح الطريق إلى ما هو خير منها ..

الصحابة لا يضحون!!

جاء فى تفسير ابن كثير الجزء الرابع صفحة 646 “وقال أبو سريحة “كنت جارا لأبي بكر وعمر وكانا لا يضحيان خشية أن يقتدي الناس بهما” وجاء فى “سبل السلام” الجزء الرابع صفحة 91: “وأفعال الصحابة دالة على عدم الإيجاب – إيجاب الضحية – فأخرج البيهقى عن أبى بكر وعمر رضي الله عنهما إنهما كانا لا يضحيإن خشية أن يُقتدى بهما”،  وأورد “بداية المجتهد ونهاية المقتصد” الجزء إلاول، صفحة 464: “قال عكرمة: بعثني ابن عباس بدرهمين أشتري بهما لحما، وقال: من لقيت فقل له هذه أضحية ابن عباس!! وروي عن بلال إنه ضحي بديك، وهكذا فإن “ضحية” ابن عباس باللحم، و”ضحية” بلال بالديك إنما هي إمعانا منهما في تأكيد سقوط الضحية.. وقد ذهب ابن عباس إلى أكثر من ذلك فيما يرويه “إلاعتصام”، صفحة 91: “وقال طاؤوس: ما رأيت بيتا أكثر لحما وخبزا وعلما من بيت ابن عباس، يذبح وينحر كل يوم، ثم لا يذبح يوم العيد.”.أما عبد الله ابن مسعود فلم يدع قط حجة لمحتج بوجوبها، لا على المعوزين، ولا على الموسرين!! فقد روى الشاطبي في “الاعتصام”، الجزء الثاني صفحة 91: “وقال ابن مسعود: إني لأترك أضحيتي، وإني لمن أيسركم، مخافة أن يظن الجيرإن أنها واجبة”..

ضعف أدلة وجوب الضحية:

وأدلة وجوب الضحية ضعيفة، في حد ذاتها.. فقد ذكر “سبل السلام”، الجزء الرابع، صفحة 91 حديث “من كان له سعة ولم يضح فلا يقربنّ مصلانا”، وحديث “على أهل كل بيت في كل عام أضحية” وآية “فصل لربك وانحر”، وقال: “والحديث الأول موقوف فلا حجة فيه والثاني ضعف بأبي رملة، قال الخطابي: إنه مجهول، والآية محتملة فقد فسر قوله – وانحر- بوضع الكف على النحر في الصلاة، أخرجه ابن أبي حاتم، وابن أبي شاهين في سننه، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس، وفيه روايات من الصحابة مثل ذلك، ولو سلم فهي دالة على أن النحر بعد الصلاة فهي تعيين لوقته لا لوجوبه” إنتهى .. وقد ذكر “تنوير المقباس” في تفسير ابن عباس هذا التفسير للآية أيضا..

أضرار الضحية الاقتصادية اليوم:
من حكم المشروعية المرحلية للضحية التوسعة على الأسر حينما لم يكن اللحم متاحا لسائرها، يوميا، وإنما كان طعاما موسميا نادرا، في ظروف شظف العيش التي كان يعيشها مجتمع الجزيرة العربية، غير ميسور إلا للموسرين، ولذلك فإن العامل “الاقتصادي” وراء حكم الضحية المرحلي قد انتفى اليوم حيث لم يعد اللحم غذاء موسميا نادرا، يضطر الناس إلى ادخاره كما كانوا يفعلون في الماضي، أكثر من ذلك فقد تحولت المنفعة الاقتصادية من الضحية في الماضي إلى ضرر اقتصادي اليوم!! ففي بلادنا، كما هو في سائر البلاد اليوم، ارتفعت أسعار الماشية، ارتفاعا مذهلا، تحت ظروف الغلاء (سعر الخروف اليوم يوليو 2020 – حسب صحيفة السوداني – في سوق المواشي يتراوح بين 12 ألف جنيه و16 ألف جنيه)، مما يجعل من العسير، إن لم نقل من المستحيل، على الأسرة السودإنية، المتوسطة الحال، ناهيك عن الفقيرة، أن تشتري كبشا للضحية!!، وبقراءة مغايرة اقتصادياً فان سعر الخروف السواكني في أسواق السعودية يتراوح بين 400 ريال و900 ريال، فكم يبلغ سعر وارده من السودان بالريال السعودي؟، فاذا افترضنا أن أسرة واحدة من كل ثمانية أسر سودانية ضحت (تعداد سكان السودان 40 مليون نسمة بعد انفصال الجنوب، وعدد الأسر السودانية باعتبار أن متوسط عدد الأسرة السودانية 5 أفراد لحصلنا على 8 ملايين أسرة في المتوسط)، معنى ذلك أننا أهدرنا مليون خروف كان من الممكن أن تدر على خزينة الانتقالية مبلغاً معتبرا بالريال السعودي مضروباً في سعر شراء خروف الصادر في السعودية!!، ولجنينا أرباحاً أكثر إذا اتجهنا للحصول على القيمة المضافة بتصدير اللحوم لا الخراف الحية!!….

الأضرار الإجتماعية للضحية اليوم
وفي الظروف المعيشية الصعبة التي يمر بها الناس، اليوم، تنجم عن الأضرار الاقتصادية للضحية أضرار اجتماعية لا حصر لها.. فبجانب اهتزاز الموقف الاجتماعي لغير المستطيعين الذين يضحون وهم مكبلون بالديون، ويواجهون اختلالا شديدا في ميزانيات أسرهم أو يعجزون عن الوفاء بالتزاماتهم المالية العامة، هناك الآثار الإجتماعية الضارة التى يجرها المستطيعون، بضحيتهم على بقية أفراد المجتمع.. فهم، إما أن يضطروا غير المستطيع ليضحى فيدخل فى الضيق المالى الشديد، إنقاذا لأسرته من الحرج، وإما إن يكلفه أشد العنت إذا قاوم الضغط الإجتماعى الثقيل فلم يضح، وعند ذلك، أيضا، تبرز أشد صور الطبقية حدة فى مجتمعنا، وتنجم عنها أسوأ الآثار النفسية الهدامة..

eisay1947@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق