أعمدة ومقالات

لأجل تشييع عسكري وشعبي رمزي لشهداء رمضان

وجدي كامل
الأخبار المهمة، الداوية المداوية نادراً ما صرنا نسمع بها وعنها. ولكن خبر أو نبأ العثور على مقبرة الضباط شهداء الثامن والعشرين من رمضان البواسل يمثل حدثاً ضخماً يجب ألا يمر  سهلاً على الجناة، أو عابراً على الوطن.
إعادة دفن الشهداء المغدورين يجب أن تتحول إلى مناسبة  تتداعى لها الدولة والناس بتحويلها لذكرى من الذكريات الوطنية الكبيرة.
كم من قتلى فقدنا أثناء سلطة الأمنوقراطيين الأوتوقراطيين؟
كم من أرواح أزهقت على مدار الخارطة السودانية القديمة والجديدة؟
إنه عددٌ هائل يفوق ربما ما فقدناه طيلة مراحل السودان الحديث منذ بداية الحكم الثنائي. النظام السياسي والأمني الذي فعل ذلك وضعه الشعب وبعد ثلاثين عاماً في خانة الأعداء الغرباء المستبدين الذين ليسوا من طينة الأرض أو المنتمين لترابها. فالقتل الكثيف كان وجهاً لحملة من الاختطافات التي مارسوها وأفقروا بسببها الغالبية من أبناء وبنات هذا الشعب ومواطنيه ومواطناته.
ترى أي أيديولوجيا دينية تلك التي سمحت لهم باقتراف ذلك الجرم؟
ترى أي أفكار شريرة أدارات رؤوسهم وقادتهم إلى ارتكاب أفدح الأخطاء؟
هل لم يقرأوا التاريخ؟ أم ظنوا أن التاريخ لن يكتب بأن ينسى كتابة ما فعلوه؟
قالوا لا لدنيا قد عملنا وكانت الدنيا هدفاً لجميع أعمالهم.
قالوا إنهم أتوا لنصرة الإسلام واستعادة الأمجاد المفقودة فدنسوا سمعته وأذاقوه الويلات وأخطأوا في حقه وحق المسلمين.
قال رأسهم ذات مخاطبةٍ بمسجد ذات جمعةٍ إنه سيذهب نظيفاً لمقابلة ربه، وسيرى بأي ذنوب سوف يذهب بعد أن صارت تتكشف خبايا فعلته والأفعال الدنيئة التي قام بها دون وازع، ودون ضمير يؤنبه.
ثلة من الأماجد الكرام من خيرة الضباط انتفضوا في وجه الخطأ وخرجوا لإزاحته من حياتنا والحيلولة دون استمرار أخطاره ومخاطره، وكانوا كأنما يقرأون المستقبل ويعلمون إلى أي منقلب سيقلبون وجودنا بما ارتكبوه من شر عظيم.
ثلاثون عاماً مرت كليْلٍ بهيم، طويل، مرهق، قصفت فيه وقصفوا بكل الهويات، والملامح الثقافية والاجتماعية الخاصة بأهل البلاد فافقروهم، وشرودهم، ودفعوا، ولفظوا بهم إلى مناحي الدنيا الكثيرة يبحثون عن معاش وأوطان بديلة، وحياة كريمة تقيهم مُر ما خبروه من عذاب داخل وطن تحول إلى سجن كبير وأرض طاردة.
اليوم يوم حزن، واليوم يوم نار ودموع على من فقدناهم.
لقد ظن القتلة أنه بدفنهم وبأماكن نائية غامضة سيتمكنون من التخلص من ذكراهم وذكرياتهم إلى الأبد، فما دروا أن الدنيا صندوقٌ عميقٌ ملىء بالمفاجآت، وأنها  مستديرة، و دوارة وسيأتي أبناء من قتلوهم وقد خزنت ملامح آبائهم أسرار الشجاعة المخبئة بجيناتهم والمنبتة بسكناتهم وحركاتهم وقد صاروا رجالاً يلقون بالقتلة الآن من أعالي الوهم والأوهام كي يستعيدوا بطولة ومجداً كانا مفقوديْن.
فلتسترح اليوم أرواح المغدورين، وليفخر ذووهم بهم أكثر، فقد أدرك الشعب أي انحطاط حكمه ومنحطين قتلوا أشجع أبنائه في سياقات تاريخية متعددة، ومناسبات حزينة متكررة.
اليوم علينا أن نستيقظ أشد مما كنا وننظر بكل الثقة إلى الأمام ونتجاوز أخطاءنا ونلتف حول الذي يوحدنا، لا الذي يفرقنا، ولنبدأ بالتخطيط لتشييع عسكري وشعبي يليق بجسارتهم وحجم تضحيتهم أولئك الشجعان.
إلى جنات الخلد جميع شهداء الثورة السودانية والسودان الديمقراطي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق