أعمدة ومقالات

الباقر العفيف يكتب: ما الذي أنعيه على سياسيينا!!؟(1)

مقدمة

نحن في فترة انتقالية أعقبت نظاما لا مثيل له في البشاعة في تاريخنا المكتوب على الإطلاق. نعم لا شبيه له حتى عهد التركية الذين غزوا بلادنا خصيصا بهدف استباحتها ونهب مواردها المادية والبشرية (الذهب والعبيد). ولما هزمهم المهدي وقضى عليهم، كانت أكبر الآفات التي تركوها وراءهم هي آفة العبودية التي أصبحت مخلفاتها واحدة من علل السياسة والاجتماع باقية معنا حتى اليوم.

وكذلك لا شبيه له في البشاعة حتى حكم “الخليفة عبد الله التعايشي” الذي كان تجسيدا لسيادة الجهل والأمية والغيبوبة الدينية والغربة التامة عن العصر الذي عاش فيه. وعندما قضت عليه جيوش كتشنر مع نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، كان قد أهلك الحرث والنسل بالمعنى الحرفي للعبارة. فقد نقص عدد سكان البلاد إلى ما يقارب النصف بفعل الحروب الداخلية والخارجية، وبفعل المجاعات المصاحبة لها. وخلَّف أيضا نسيجا اجتماعيا ممزقا شر ممزق.

وعندما فرش الخليفة فروته في أم دبيكرات ورقد رقدته الأخيرة مع غروب شمس القرن التاسع عشر، كنا نستقبل قرنا جديدا، وسيدا جديدا. فقمنا نتعثر، “عُرْجا ومَكاسِير”، نتلفت حولنا في ذهول نلملم قطع حياتنا المتناثرة في طول البلاد وعرضها.

وطن محطم

ترك الكيزان بلادنا حطاما بمعنى الكلمة. فهم جمعوا أسوأ ما في العهدين التركي والمهدوي، وزادوا عليهما بإضاعة ثلث مساحة البلاد وربع سكانها. استباحوا البلاد كما استباحها الترك وصادروا مقدراتها المادية والبشرية تماما كما فعل الترك. كانوا يصطادون الشباب من الشوارع كما اصطاد الترك الرقيق في الغابات في الربع الأول من القرن التاسع عشر. ومثلما أراد الباشا محمد علي أن يبني إمبراطوريته بجيش من العبيد كذلك فعل الكيزان. أرادوا أن يبنوا إمبراطوريتهم المتوهمة بجيش من الشباب المختطفين من الشوارع. يرحلونهم لمعسكرات التجنيد ويحولونهم لجيش (من العبيد) يغزون به العالم بدءا بمواطنينا في الجنوب. وتقف مجزرة العيلفون شاهدا شاخصا على هذه الخلاصة. فلو لم يكونوا ينظرون إليهم باعتبارهم (عبيدا آبقين) لما أطلقوا عليهم النار.

هدف الكيزان لافتراس ثروات البلاد ونهبها كغنيمة خالصة لهم وتهريبها خارج البلاد. وهدفوا لتدمير المجتمع وتمزيق نسيجه الاجتماعي وتخريب عقله الجمعي. فهم خلفوا لنا من العاهات ما سوف تستغرق معالجتها حيواتنا وحيوات الأجيال التي تجئ من بعدنا.

الناس في شنو والنخب في شنو !!

هذا هو حال شعبنا وهذا هو حال بلدنا. فهل نحن مؤهلون للتعامل معه بكفاءة ومعرفة وحزم؟ لا. ولا كرامة. البلد حالها في واد وسياسيونا ونخبنا في وادٍ آخر. فإما أنهم لا يدركون حجم الدمار وكم العاهات التي عليهم صرف الجهود لمعالجتها أو هم لا يبالون. فإن كانت الأولى فهي مصيبة وإن كانت الثانية فالمصيبة أكبر. وأنا أرجح الاثنتين معا.

وعلى سبيل الذكرى التي “تنفع المؤمنين” فقط، أقول إن الكيزان تركوا لنا:

  • بلدا فقد ثلث مساحته وربع عدد سكانه
  • بنية تحتية فقيرة ومنهارة ومتهالكة
  • بلد منهوبة وخزينة خاوية على عروشها
  • أجهزة أمنية مبنية على عقيدة معاداة الشعب. عبارة عن مستنقعات آسنة تجوس فيها الهوام والضباع ومصاصي الدماء. ويكفي القول إن فيها مختصون في الاغتصاب
  • جيشا مؤدلجا جل قياداته وضباطه العظام كيزان. وهذا ما جعله جيشا شائها وكسيحا. ويكفي أن قُتِل الشباب واغتُصبت الكنداكات أمام بواباته دون أن يحرك ساكنا
  • مليشيات عديدة تابعة للدولة، ومليشيات قبلية، وحركات مسلحة، وسلاح على قفا من يشيل منتشر في جميع أنحاء البلاد
  • إدارات أهلية فاسدة شرهة للمال الحرام، ظلت ألعوبة في يد السلطة تستعملها في إشعال الفتن القبلية والنزاعات والحروب
  • جهازا عدليا متعفنا تفوح منه رائحة الظلم النتنة ويفصل بينه وبين اسمه ما يفصل بين المشرقين
  • خدمة مدنية تعج بالفساد والغش والاحتيال والرشوة
  • مخلفات الحروب من نزوح ولجوء وجرائم ومظالم لا تعد ولا تحصى
  • شعبا مفقرا منهكا وتعيسا، ظل يكابد ويعاني ويتألم ويشقى ويحزن على مدى ثلاثين عاما

قمنا من حريق اعتصام القيادة، وحرائق الاعتصامات الأخرى “عرجا ومكاسير”، نتوكأ على بعضنا، ونتلفت حولنا، وبدأنا في عزم نستجمع أنفاسنا. وفي الثلاثين من يونيو العام الماضي وطأنا على جراحنا ونهضنا منتصبين على أرجلنا وقلنا كلمتنا. وقُضي أمر ربك في عهد الكيزان. بقينا نواجه قطع حياتنا المتناثرة في طول البلاد وعرضها والتي تستغرق معالجتها كل جهد قادة وكوادر أحزابنا حركاتنا وجميع كياناتنا الأخرى

الشيء الطبيعي، لو كانت أولويات أحزابنا ونخبنا صحيحة، أن تصبح هذه القضايا هما وطنيا ونفيرا مجتمعيا يعم البلاد من أقطارها. وأن تصبح محور اهتمام وتركيز الأحزاب السياسية، والمجتمع المدني بمعناه العريض الذي يضم المؤسسات الأهلية الطوعية، والتعاونية، والمنظمات غير الحكومية، والنقابات العمالية والمهنية، والمبادرات المجتمعية القاعدية ولجان المقاومة

كان من المفترض أن تُكَوَّن لهذه القضايا اللجان التخصصية التي تعكف على دراستها وفحصها ووضع الحلول لها والشروع الفوري في تنفيذ ما يوضع من حلول. ولكن أحزابنا تركت كل هذا وراء ظهرها وتفرغت لمعركتها الكبرى، معركة الحياة والموت، معركة الوظائف ومغانم السلطة الانتقالية، معركة الولاة، ورفد عمر القراي من وظيفته. ضعف الطالب والمطلوب

نواصل

 

 

تعليق واحد

  1. دكتور العفيف امسك في لجان مقاومتك شديد شديد واعلم ان كل المكونات السياسية ومعظم المدنية وجاهات وقشور وكل الرقي الانساني والمجتمعي والسياسي عندهم خواء لا ينبعث من معرفة او سمو اخلاقي وهم هم منذ مؤتمر الخريجين من العمالة للخارج الي ادوات للطائفية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق