أعمدة ومقالات

الخمور بين القانون والأخلاق (4)

النور حمد

إن من أرفع آيات الذكر الحكيم قوله تعالى: “وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ”.  ومنها أيضًا: “هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ”. الحكمة غير الكتاب، فالقرآن لا يستخدم لفظين مختلفين بمعنى واحد. وتعلُّم الحكمة أعلى من تعلُّم الكتاب. وقوله تعالى “ويعلمهم الكتاب والحكمة” يعني أن معرفة الكتاب هي الباب إلى رفرف الحكمة المنفسح. والفكر المدقق هو الذي يمنح القدرة على التفريق بين مظهر الحكم الشرعي، وجوهر المقصد الرباني.

فقه المقاصد، ابتداءً بالشاطبي ومرورًا بابن عاشور، وحتى علال الفاسي، يسير في وجهة إعمال الفكر في أمور التشريع. يرى هؤلاء أن علم الأصول وقواعده، وإن كان ضروريًا للفقيه، إلا أنه لا يغنيه عن معرفة مقاصد الشارع الحكيم. فالمقصود من كل حكم أن يجلب الأمن والطمأنينة والخير للناس، وأن يدفع عنهم الضرر. وعلى الرغم من أن فقه المقاصد قد مثل خطوةً متقدمة، مقارنًا بالفقه التقليدي، إلا أنه لا يفي تمامًا بمتطلبات تجديد الخطاب الديني لعصرنا الراهن. لكن، مع ذلك، يبقى منهجه أكثر حكمةً وفائدةً من الفقه التقليدي، المنغلق، المنشغل بالمظاهر، المنصرف عن المقاصد الجوهرية.

المنع والعقوبة ليسا أمرين مقصودين لذاتهما، وإنما هما وسيلة لحمل الناس، في مرحلة القصور، على الاستقامة، بالإكراه. أما مقصد الدين في الأصل فهو أن يقوِي الضمير والرادع الداخلي، فيبتعد الفرد طواعيةً عن الأفعال غير اللائقة مستعينًا بالصبر والصلاة. المطلوب هو معرفة الحق والتزامه انطلاقًا من الشعور بالمسؤولية، لا لمجرد الخوف من العقوبة. وما من شكٍّ، أن خوف العقوبة شيءٌ حسن، وهو عتبةٌ في سلم التَّرقِّي، لكنها في أوله. الأكمل من ذلك أن يكون الإنسان مسؤولاً، وأن تنطلق قيمه من داخله، لا من خارجه. فالإكراه في الماضي أولد النفاق. ولا تحدث الاستقامة الصادقة المتنامية دومًا، إلا إذا مُنح الفرد حرية الاختيار. وهذا ما من أجله قال النبي الكريم: ” لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وجاء بقومٍ يذنبون فيستغفرون، فيغفر لهم”.

يتعلم الناس عبر التأرجح بين الخطأ والصواب، فيرتفعون في مضمار التهذيب. مقصد الشرع الأعلى أن يبني في داخل الفرد ميزان القيم ويشعل في داخله أنوار المعرفة التي تقوي عزيمته لفعل الصواب، وتجعله يندم بشدة حين يخطئ. والناس ليسوا سواسية في هذا: “قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ”؟  وحديث: “لو لم تُذنبوا لذهب الله بكم”… إلخ، ليس دعوة إلى المعصية وإنما هو تبصير للناس بطبيعتهم الترابية، وحثهم لتحويلها إلى طبيعة نورانية. لقد عرف السادة المتصوفة نهج الحكمة هذا، فلم ينشغلوا بالمنع المباشر وبالتقريع وبالخطب المجلجلة الفارغة، كما يفعل الفقهاء. انشغل المتصوفة بالتربية فقبلوا الناس على علَّاتهم، وأخذوا يحثونهم على أداء الصلوات، وحضور الأذكار، والمحافظة على الأوراد، وأهم من ذلك، خدمة الناس، وقد انصلح سواد الناس بهذا النهج التربوي. جاء في قصيدة “الهبرو مَلُوا”، في وصف ما أنجزه المتصوفة: “كم وسخانين ليهم غسلوا”. وجاء فيها، أيضًا: “جابوا الهمبات حردان جملو”.

لقد كان للاستعمارين التركي/المصري، والبريطاني، تأثيرٌ سالبٌ على المزاج الديني المتوارث في السودان، خاصة في البيئات الإسلامية. فقد حارب الخديويون والبريطانيون التصوف ومكَّنا للفقه، الذي ظل عبر التاريخ الإسلامي ذراعًا للسلاطين، يسيطر به الحكام المستبدون على الناس. بسبب تمكين الفقه ابتعد كثيرون من سعة التصوف وأدبه وحكمته، وانجرُّوا إلى ضيق الفقه وشكلانيته المظهرية. في جوهر الدين، لا قيمة للقيد الخارجي إن لم يتحول إلى قيد داخلي ينبع من الذات. “لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنْكُمْ”؛ أي، لا تنال رضا اللهِ، القرابينُ ولا الشعائر التي تؤدونها، وإنما تناله ثمرتُها، وهي: “التقوى منكم”. لا حكمة في فرض قيودٍ لا يمكن تطبيقها عمليًا. الحكمة هي جعل الناس يقيدون أنفسهم بأنفسهم. وهناك وسائل كثيرة لتحقيق هذا الغرض، سبقتنا إليها أممٌ كثيرة. من هذه الوسائل الترشيد، عبر الخطاب الديني الحكيم، وعبر التعليم العام، وعبر الإعلام، إضافة إلى إنفاذ القانون الدستوري، الذي يعاقب على السكر في المجال العام.

تدور في وسائط التواصل الاجتماعي هذه الأيام مقاطع فيديو، يتحدث فيها عن ضرورة ألا تكون الدولة “دينية”، وإنما “مدنية”، كلٌّ من الشيخ يوسف القرضاوي، والداعية طارق سويدان، والرئيس المصري الراحل محمد مرسي، وبعض شيوخ الوهابية السعوديين، أحدهم سلمان العودة. ولقد سبق أن أوردت ما قاله الدكتور حسن الترابي، أنه لا يجوز اقتحام خلوات الناس، لأن هذا يقع في دائرة التجسس والتحسس، وهو أمرٌ منهيٌّ عنه شرعا. كما سبق أن أوردت حديث راشد الغنوشي الذي قال فيه: إن مهمة الدولة تنحصر في تحقيق الأمن وإقامة العدل وتقديم الخدمات، وليس من مهامها أن تراقب: صلَّى الناس أو لم يصلّوا، تحجَّبوا أو لم يتحجَّبوا، سكروا أو لم يسكروا. إلى جانب هذا الميل المتزايد إلى مفهوم الدولة المدنية، من جانب جماعات الإسلام السياسي، بدأت المملكة العربية السعودية تتراجع عن خطها الوهابي الحنبلي المتشدد، الذي انتهجته منذ أن كانت إمارةً صغيرةً في الدرعية، في القرن الثامن عشر، يتقاسم سلطتيها الدنيوية والدينية، الإمام محمد بن سعود، والشيخ محمد بن عبد الوهاب.

ما قام به نميري في سبتمبر 1983، لم يكن تحكيمًا للشريعة، وإنما مجرد نزوةٍ حاكمٍ مستبدٍ استنفد كل أوراق اللعب التي تبقيه في السلطة، فاتجه إلى استغلال الدين، وقد آزره في ذلك الشيخ حسن الترابي وقبيله. ولربما لا يعلم كثيرٌ من أبناء وبنات الأجيال الجديدة، أن قوانين سبتمبر 1983، والتي سُمِّيت زورًا وبهتانا، “قوانين الشريعة الإسلامية” لم تصدر من هيئة تشريعية، وإنما فُرضت بمراسيم جمهورية. ونميري الذي فرضها رجلٌ لم يُعرف عنه أي اهتمام بالإسلام، طيلة حياته، بل ولا حتى معرفة بأبسط قواعده. فإلغاء قوانين سبتمبر، هو العمل الدستوري في حقيقة الأمر، والذين يتباكون كذبًا على ضياع الشريعة، يعلمون أن الشريعة بالمفهوم الذي يعتنقونه، غير قابلة للتطبيق. الدليل، أنهم بقوا في الحكم لثلاثين سنة، وهي مدةٌ أطول من مدة البعثة المحمدية المشرفة، التي لم تتجاوز 23 عامًا، ومع ذلك، لم يطبقوا منها شيئا. بل، عملوا كل ما هو نقيضٌ لها. لقد ولَّى إلى غير رجعة، زمان الصراخ والعواء لفرض مظهرٍ كاذبٍ للدين، وجاء وقت جعل الدين قيمًا حقيقية تعاش. وطريق هذه النقلة البرادايمية، هو الاقناع والاقتناع، والتربية الخلقية.

من الخطأ الشنيع ألا نسترشد في تشريعاتنا بتجارب الغير، وأن نظن أننا محقون في كل شيء وغيرنا من أهل الملل الأخرى، مبطلون في كل شيء. فكل الدول، بغض النظر عن أديانها، حريصةٌ على أمن الناس، وعلى صحتهم البدنية والعقلية. يظن كثيرٌ منا أن الغربيين لا يسائلون من يسيئون التصرف بسبب الخمر، وهذا غير صحيح. الفرق بين الدول الإسلامية القليلة التي تتسم بالتشدد وبينهم، أن الغربيين علمتهم التجربة أن يهتموا بالجانب العملي في الإخلال بالأمن العام. فأصبحوا لا يطاردون مواطنيهم فيما وراء نطاق المجال العام. فإذا رأى الشرطي شخصًا يترنح في الشارع؛ فإنه يوقفه ويبعده عن المجال العام. وإذا شك في أن أحدًا يقود سيارته تحت تأثير الكحول، فإنه يوقفه في الحال ويعرضه لجهاز تحديد نسبة الكحول في الدم. فإذا تجاوزت الحد المسموح به، ينزله الشرطي من السيارة، ويأخذ منه مفتاحها. وسوف يتعرض لعقوبة قد تصل إلى السجن، وربما يجري سحب رخصة القيادة منه لمدة يحددها القاضي. أيضًا لا يُسمح لأي فرد عمره أقل من 21 عامًا بشراء مشروبات كحولية. وأي شخصٍ توجد في سيارته قارورة خمر مفتوحة يتعرض لعقوبة قاسية جدا. وتسير أكثر من 80% من الدول الإسلامية المعاصرة على هذا النهج، مع الفارق أن الدول الغربية لها قدرة أكبر على إحكام الرقابة على المجال العام، وعلى إنفاذ القانون.

أوردت صحيفة “وولستريت جورنال” في 17 يناير 2019 أن استهلاك المواد الكحولية، في الولايات المتحدة الأمريكية، يتراجع. وأوردت قناة بي بي سي في 15 فبراير 2011 أن استهلاك الكحول في بريطانيا استمر يتناقص، عامًا بعد عام، منذ 2002. هذا التراجع ليس بسبب المنع، وإنما بسبب التوعية والتحسن الطوعي في السلوك. فالمجتمعات هي التي تعلم أفرادها وتهذبهم وليس السلطات. أصبح الغربيون يستهجنون السكر بشدة، رغم أن المشروبات الكحولية متاحة. فالشخص الذي يشرب حتى يسكر في أي مناسبة اجتماعية، يُنظر إليه باحتقار، وقد يُعزل اجتماعيا. فالسلطة الاجتماعية، لها تأثير على تحسين سلوك الأفراد يتجاوز تأثير المنع القانوني. تغيير السلوك بسبب نظرة المجتمع يجري عن قناعة، وعن رغبة وحرص على رضا المجتمع، وقبوله.

لقد انشغلت كل الأمم بالآثار الضارة لاستهلاك الكحول، فجربت الولايات المتحدة في بدايات القرن العشرين، المنع الكامل للمشروبات الكحولية. في عام 1926 قدم أندرو فوروسيث شهادة أمام الكونغرس الأمريكي، ملخصها أنه راقب منطقة بعينها في مدينة بورتلاند بولاية أوريغون، قبل المنع مباشرة. فرأى أفرادًا في أسوأ صورة يمكن أن يرى بها المرء إنسانًا، بسبب إدمانهم الكحول. وبعد المنع رأى تحسنًا كبيرًا في أحوال الناس في تلك المنطقة. ثم عاد بعد عامين ليرى كيف استمر الحال، فوجد الناس على صورة أسوأ مما كانوا عليها قبل المنع، لأنهم انخرطوا في شرب الخمور غير القانونية، بالغة الرداءة. كما زاد المنع من انتشار الجريمة المنظمة، المرتبطة بالتجارة غير القانونية في الكحول، فتراجع الأمريكيون في عام 1933 عن المنع العام. أيضًا أكد المركز الأمريكي للوقاية والتحكم في الأمراض أن التدخين قد تراجع في عام 2016 بنسبة 14%، رغم أنه لا يوجد قيد مطلق على التدخين. كل ما في الأمر أن الأفراد ارتقوا في وعيهم، وأصبح المجتمع يضيق بالتدخين. فالوعي هو الذي يأتي بالنتائج، وليس المنع.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى