أعمدة ومقالات

د. الباقر العفيف يكتب:ما الذي أنعيه على سياسيينا (٢)

مقدمة

في المقال الأول من هذه السلسلة أبنت حجم التحديات التي تواجهنا كشعب يحاول الخروج م براثن الكيزان. والتي كان من المفترض أن تطرد النوم من أجفان سياسيينا الذين تصدوا لقيادتنا. ونحن لا نحمل هؤلاء السياسيين المسؤولية وحدهم ونجلس متفرجين، وإنما نحملها معهم. بيد إنا نذكرهم جسامة مسؤولية القيادة. فما دام تصدوا لها فعليهم أن يأخذوها بحقها. وحقها أن يتصرفوا بحكمة وشجاعة وتجرد ونكران ذات ونزاهة ووضوح وصدق. وإلا فلا. فالرائد لا يُكِذب أهلَه. فيما يلي من مقالات أتناول القوى السياسية المؤثرة بالنقد والتحليل. بدءا من كيانهم الجامع والذي يتعرض لهزات كفيلة بأن تؤدي لتصدعه وربما انهياره. ومن بعد ذلك نقبل على الأحزاب والقوى المكونة له.

 

قوى إعلان الحرية والتغيير

قوى إعلان الحرية والتغيير هو أكبر تحالف لقوى سياسية ومجتمعية يحدث في تاريخ السودان. فهو تقريبا يضم كل قوى المجتمع السوداني ما عدا الكيزان ومن لف لفهم، ودار في مدارهم، وتَسَقَّط فتاتهم من أحزاب وكيانات وشخصيات كل ما يجمع بينها هو أنها من فصيلة اللافقاريات.

فلو أحسنت قياداتنا السياسية إدارة هذا التجمع بصورة علمية وواقعية وأخلاقية لكان قمينا بأن يكون فيه خلاص البلد. ولكان بالضرورة اهتم بالقضايا الاستراتيجية مثل السلام، والأمن والاقتصاد، ولكوَّن لها اللجان التخصصية الي تعمل كمستودعات تفكير أو (think tank) تجترح لها الحلول. وكان أيضا قمينا بأن يهتم بالمعضلات التي خلفها النظام كقنابل مؤقتة، مثل وضعية الدعم السريع ومستقبله، ووضعية الميلشيات القبلية الأخرى التي كانت ترعاها الحكومة، ومليشيات وجيوش الحركات المسلحة، ووضعية الجيش والبوليس والأجهزة الأمنية وإمبراطوراتها المالية الضخمة.

وعلى سبيل المثال نجد من الأشياء التي قَيَّدت يد الحكومة الانتقالية العيوب التي شابت الوثيقة الدستورية. والمثال الصارخ لهذه العيوب هو إبعاد المدنيين من أمر إصلاح الجيش والأجهزة الأمنية. ونحن نعرف أن هناك سببان لذلك الإبعاد. الأول هو شعور العسكريين بالتفوق على المدنيين وشعورهم بأنهم خُلقوا للحُكم والأمر والنهي. وهم إلى جانب تدريبهم المختل، طال بقاؤهم في دست الحكم، مما يصعِّب من عملية فطامهم عنه. وقد تمتع ضباطهم الكبار بمزايا اقتصادية هائلة، يرون في الثورة مهددا حقيقيا لها. كما ارتكب بعضُهم جرائم كبيرة، لا يحميهم من وصول يد العدالة إليهم إلا تشبثهم بالسلطة. ولما فقدوا السلطة السياسية وجدوا أن أمانهم الشخصي لا يتحقق إلا بالاستقلال التام عن الحكومة المدنية وعدم الائتمار بأوامرها.

كيف يحكم حمدوك بدون السيطرة على أجهزة إنفاذ القانون

ونحن نعلم أيضا أنه يستحيل على أي حكومة في الدنيا أن تحكم بفعالية دون أن تكون لها السيطرة التامة على الأجهزة الأمنية، وهي أجهزة إنفاذ القانون. يوجه الناس سهام نقدهم لبطء الحكومة وضعفها ويغفلون أنها بدون أسنان. مع العلم بأن أهم تعريفات الحكومة هي أنها الجهة التي “تملك القوة القسرية coercive power بشكل حصري” أي أنها الجهة التي تفرض النظام ولو بالقوة الجبرية. وتستطيع أن تحرك قوة مسلحة لتنفذ القانون وتفرض إرادتها وهيبتها.

هذه واحدة من القضايا الاستراتيجية التي تحتاج للجنة مختصة تهتم بالتفكير في الطرق الكفيلة بإصلاح هذا الخلل. والوصول للأسباب الموضوعية التي دفعت العسكريين للتمسك بإبعاد المدنيين من السيطرة على الأجهزة الأمنية. ثم الشروع في حوار وطني مخلص، ونقاش عقلاني هادئ ولكنه صريح، مع العسكر، يهدف لإقناعهم بضرورة إجراء ذلك الإصلاح. على أن يشمل النقاش مخاطبة مخاوف العسكريين وكيفية المزاوجة بين تطمينهم على مستقبلهم من ناحية وتحقيق العدالة للشهداء وأسرهم في ذات الوقت.

ولكن قوى إعلان الحرية والتغيير في مشغلة عن هذا الأمر الخطير بحروبها الداخلية، وتعاركها على المغانم، وسعي بعض أعضائها “لتشليعها” كما شُلِّعَت جبهة الهيئات، وتقويض حكومتها كما قوضت حكومة أكتوبر ١٩٦٤.

في الحلقات القادمة نتناول مواقف المكونات السياسية المختلفة للتحالف.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى