أعمدة ومقالات

إدماج  التنمية في  مناهج حل النزاعات  القبلية في السودان

صراعات  قبيلتي النوبة والبني عامر بولاية البحر الأحمر " نموذجاً"

بقلم : محمد بدوي

مقدمة

بالرغم من تركيز الورقة  علي الصراع بين قبيلتي البني عامر و النوبة  بمدينة بورتسودان ، ولاية البحر الأحمر  ، شرقي السودان   بصورة رئيسية  لكن في تقديري أنها  يمكن أن تشكل أطر مفتاحية لمعالجة للصراعات القبلية في السودان  ، وذلك للخلفيات المشتركة في الاسباب و المحركات ، الي المحصلة المتمثلة في الهدر الإنساني حيث إتساع نطاق الضحايا ، توتر العيش المشترك مما قاد الي تراكم و تعدد اسباب الإقصاء الإجتماعي ، كل هذا مع إستمرار الدور السالب للدولة في  إستخدام القوة العسكرية أو الإجبار علي توقيع وثائق هدنة أو صلح ذات دوافع سياسية .

تستند الورقة علي  منهج  يمثل مؤائمة بين أطر  قانونية و تنموية و سياسية و القانون العرفي، و ذلك لما أشرت اليه عاليه من تعدد الاسباب ، لكن بالنظر الي ارتباطات  المسببات بالتنمية نجدها أكثر تاثيراً اذا نظرنا اليها في ابسط صورها المرتبطة  بتراجع  دور الدولة التاريخي في تقديم الخدمات بعيداً عن المركز السلطة  و سياسية فرق تسد لاحداث توازن في القوة  و شغل المجموعات المختلفة من التفكير في المشاركة السياسية و المطالبات التنموية  .

التنمية و الإستقرار السياسي

لابد من الإشارة إلى أن التنمية قد دخلت ضمن منظومات حقوق الإنسان ، أي أنها صارت تجد الحماية القانونية ، حيث  صدر إعلان الحق في التنمية في العام 1986 ليضع ذلك الالتزام علي عاتق الحكومات ، تعرف التنمية  وفقاً للإعلان أنها مسار اقتصادي وإجتماعي وثقافي وسياسي شامل يهدف إلى النهوض المطرد برفاهية كل الناس بالاعتماد على مشاركتهم الفعلية الحرة ، تطور المفهوم ليشمل الحديث عن مفهومين  هما التنمية البشرية و التي قفزت بها من إطار التنمية المعرفة بالنمو الاقتصادي إلى التنمية التي محورها الإنسان ، والثانى هو مفهوم التنمية المستدامة التى شكلت حلقة الربط المضافة إلى التنمية البشرية أو الانسانية لتصبح مستدامة بادخال الاجيال القادمة كمحور في المحيط ،  في العام 1990 صدر تعريف للتنمية البشرية من صندوق الامم المتحدة الانمائي في سياق أحد تقاريرها  والتي عرفت التنمية المستدامة بأنها توسيع خيارات الناس بزيادة القدرات البشرية وطرق العمل ، مجمل هذه التعريفات تدفع بمتطلبات أساسية من الحقوق التي يجب صيانتها لكي تتحقق التنمية البشرية ، وهي الديمقراطية والمشاركة المتساوية وحرية التعبير وسيادة حكم القانون ، هذه الخلفية تشكل تفسير أولي لعلاقة الديكتاتوريات و نهب الثروات في بعض البلدان ويمكن أن نأخذ السودان احد هذه الحالات و بشكل مختصر عند تتبع الخلفية التاريخية للتعامل مع الموارد خلال فترة ما بعد الاستقلال يمكن ان نشير إلي  غياب المشاركة السياسية ، و المشاركة المتساوية شكلت أحد اسباب عدم الاستقرار السياسي منذ 1955 ، و لعل تاثير ذلك جاء في تاخر استغلال الموارد النفطية التي بدات في 1983 و تم التراجع عنها لاسباب، اهمها امتداد رقعة الصراع بين الخرطوم و الحركة الشعبية لتحرير السودان انذاك  الي مناطق متاخمة لحقول النفط ، بالنظر الي1989 وما بعده فترة حكم الاسلاميين السودانيين فقد شهدت إستغلال ممنهج للموارد و  الموارد الجديدة مثل الارض بالتصرف فيها بالبيع سواء كانت لأغراض سكنية او زراعية عبر استحداث وحدة الاستثمار داخل وزارة الاراضي و التخطيط العمراني في العام 1993  و ذلك لتمويل تنفيذ البرنامج السياسي المرتبط بالاسلام السياسي و السيطرة علي السلطة  ، في 1996 دخل الكروم بالنيل الازرق دائرة الاستغلال ثم في  1997  دخل النفط الي دائرة الاستغلال ، في 2011  -2012 و بعد بداية اعلان الاجراءات الاقتصادية التقشفية اتسع نطاق التعدين الاهلي في  بالرغم المخاطر الصحية والبيئية الواسعة ،  و لاحقاً سيطر الاسلاميين وحلفاءهم علي التعدين بشكل واسع في كل انحاء السودان .

الراهن السياسي السوداني ” التغيير و تحديات الإستقرار ”

بعد التوقيع علي الوثيقة الدستورية بين المجلس العسكري الانتقالي بالسودان و قوي اعلان الحرية والتغيير في 17 أغسطس 2019 يكون قد بدأ العد التنازلي للفترة الانتقالية التي حددت بثلاث سنوات وثلاثة أشهر ، وتمثل هذه الفترة المرحلة التي يجدر بها تعبيد الطريق للاستقرار السياسي والتهيئة لممارسة التداول السلمي للسلطة بعد نهاية الفترة .

قبل الخوض في موضوع الورقة لابد من الاشارة بان تطل مرحلة الارادة المشتركة من قبل الأطراف الموقعة عليها لإنقاذها  بما يحقق مصلحة الوطن وما دعا إلى التذكير هي تجربة اتفاق السلام الشامل 2005 فبالرغم من ثنائية الأطراف إلا أن الوثيقة كانت تحمل الإيجابيات التي إذا قدر انفاذها لا حدثت اختراقا ايجابيا كبيرا في الواقع و لكن تراجع و غياب الارادة السياسية دفعت الي الاتكاء علي تطبيق النصوص دون روح .

و لعل الفرصة التانية  و بافتراض توافر الرغبة الحقيقية من الأطراف يمكن ان تشكل  الوثيقة  صمام أمان لاكمال التحول المدني الديمقراطي من جانب آخر فهي تشكل نقطة البداية للتحول والاستقرار للدولة السودانية التي في كاهلها إرث فشل تجارب الحكومات الوطنية المختلفة في ادارة الدولة  منذ 1956 ،  مع الاخذ في الاعتبار سجل ضخم ونوعي لفترة الـ 30 عاما ( 1989-2019 )  سيطرة الاسلام السياسي ، مما يدفعنا إلى القول إلى أن الحاجة إلى خطط استراتيجية تشكل خطة مركبة واحدة، بمعنى أن تتوائم جميعها في مختلف المجالات وتعمل بالتنسيق سواء عبر استصحاب المشاركات ، ابتداع أو استحداث مناهج تمكن من رؤية التداخل  بين القضايا المختلفة ، ذلك يقود الى ان الامر قد يتطلب استخدام أكثر من منهج في سياق التحليل و الحلول و التنفيذ سواء في مجال واحد أو في مجالات متعددة متكاملة، في آخر المطاف علىي سياق الأهداف الكلية ، و لا نود الخوض في مناهج التحليل  لكي لا ننجر بعيدا عن موضع الورقة لكن الواقع السوداني الراهن وقضاياه التي يتسع سجلها و تتعدد  وتتداخل اسبابها مع تشابه الناتج او الاثر يمكن القول بان إيلاء اهتمام بالمناهج التي تتصل بالمعرفة و ذلك لأنه بالنظر إلى  نطاق الأزمات التى اشتركت فيها فترتي ما قبل الاستقلال ما بعدها  سواء مدنية أو عسكرية  و في تبرير الاستعانة  بمناهج التحليل في  سياقات الصراعات القبلية و علاقتها بالموارد وبنية الانتاج .

من ناحية ثانية الحالة السودانية ظلت ازماتها تشير إلى  أن نطاق الأثر ممتدة ومتداخلة خلال فترتي الاستعمار وبعده ايضا  اضافة الى تأثره  بعوامل خارجية ساهمت في تعقيدها  و على سبيل المثال لا الحصر فإن ذلك المنهج المناسب  يساعد على تحليل الواقع في ارتباطه بممارسات التمييز في فترة ما قبل و بعد الاستقلال و إهمال وغياب احترام علاقة المواطنة الدستورية ومتطلباتها في فترة ما بعد الاستقلال مما رسخت إلى تفرعات التمييز أو أشكال العنصرية الحديثة ، عسكرة مجتمعات بعض الشعوب السودانية سواء في فترة الاستعمار أو بعده ، اهمال التنمية و التنمية المتوازنة ، العوامل الخارجية مثل الجفاف الذي ضرب قارة  أفريقيا في تواريخ مختلفة 1070 -1984 ، وصراعات دول الجوار وأثرها على السودان كمعبر مفتوح الحدود وعلاقة ذلك بقضايا اللجوء كل هذا الإرث يتداخل في مشهد الراهن بنتائجة المتخلفة الأمر الذي يقود الى تساؤل حول ماهية الحلول التي تتناسب و الازمات .

تراجع دور الدولة في الوفاء بحقوق المواطنة

للوصول الي اسباب حقيقة بين المجموعات لابد من استعراض للمجموعات المتصارعة و في حالتنا النوبة والبني عامر  من حيث تقصي اسباب الصراعات الراهنة لمعرفة جذورها و محركاتها، بالنظر الي المجموعتين من حيث علاقات الانتاج فقد انحصرت علاقاتهم في العمل ككلات/ عمال بميناء بورتسودان ، الرتب الصغيرة بالقوات النظامية ، العمل التجاري الصغير والمتوسط ، بالاضافة الي انهما يشتركان في الاقامة في مناطق بعيدة من وسط المدن التي تقل فيها الخدمات ،هذا يقود الي تقصي اسباب الصراعات الاخيرة من سبتمبر 2019 بين الطرفين وقبل ذلك الاجابة لماذا لم تظهر خلال ال30 عاما الماضية الاجابة ان القهر الواسع النطاق من سلطة الاسلاميين وسياسة فرق تسد حجبت هذه الصراعات من الظهور والتي وجدت في الفترة الانتقالية و مخاض الثورة اعادة اعتبار تاريخية لها سواء من ناحية الحق في التعبير او المشاركة الامر الذي يفسر ظهورها ، اذن بالنظر الي  الصراع الاول  في سبتمبر 2019 كان ظاهريا حول الحصول علي الخبز كصراع فردي بين طرفين من المجموعتين اتسع نتيجة للمناصرة القبلية التي اذكتها ذوبان فكرة الدولة في الاذهان نتيجة لسوء الادارة و الحكم من قبل الاسلاميين و تطابق فكرة الدولة والحزب نتيجة لسياسة التمكين ، الصراع التاني في يناير 2020 كان حول الحصول علي الماء من احد الباعة ايضا بدا بين طرفين من المجموعتين وتصاعد نتيجة للاسباب التي اشرنا اليها و انضم اليها الدور الحكومي الذي مثلته سلطة المركز التي زارها  نائب رئيس المجلس السيادي الفريق اول محمد حمدان دلقو حميدتي و لاحقا رئيس الوزراء حمدوك والقي بحزمة وعود لم تنفذ منها التعويضات المالية التي قدرت ب88 مليار جنية ، نزع السلاح غير المرخص ، اقامة مؤتمر للتعايش السلمي  ، و اضف الي ذلك تاخر نتائج لجنة التحقيق التي شكلت في الاحداث ، لياتي الصراع الثالث و الرابع في مايو ، سبتمبر 2020 نتيجة لبقاء الاسباب كما هي و عدم اتخاذ اي من الحلول بشكل جدي ، في تقديري ان مدخل السلطة المركزية شابه قصور فخلفية الطرفين والصراعات تتركز حول الحصول علي الخدمات خبز ، ماء شرب لمجموعات تقطن في ضواحي تفتقر لذلك ، اذن ادماج منهج التنمية يمثل احد المداخل الصحيحة التي يجدر استصحابها لحل الازمة بشكل استراتيجي ، لانه حتي لو تم نزع السلاح الناري سيبقي السلاح الابيض حاضرا ، لكن وضع خطة تنموية من توفير الخدمات و نعلم جميعا ان الامر يحتاج الي فترة زمنية و ميزانية لكن الشفافية والعلمية في تصميم الحلول واخطار الاطراف والعامة بها هو يمثل احد الخطوات الاولي للحل ، الامر الثاني تحقق التنمية يمكن ان يتم بشكل تفضيلي للولايات التي تحوز علي موارد فشرق السودان به الميناء الرئيسي للدولة و به من الثروات المعدنية مثل الذهب فتخصيص نسب للولاية قد يساعد او اعتماد اشكال استقطاب الدعم الاهلي لتصميم برامج شركات مساهمة تمتلك فيها الحكومة الاغلبية 51% و يطرح الامر لاكتتاب الجمهور قد يساهم في حل بعض ازمات الخدمات

الاطار العرفي و التاريخي في حل النزاعات و دور الدولة

يجدر التنبيه الي ان هنالك مناهج غير لجان التحقيق الرسمية في مناهج الحلول لكنها تبدا بالاستعانة بالدراسات و التخطيط والاشخاص المؤهلين للقيام بذلك من علماء و الكادر البشري الذي عمل في المنطقة من قضاة سابقين و ضباط اداريين و غيرهم ممن يمتلكون المعرفة بالعلاقات و تداخلها ، و هولاء يجب عدم اقصاءهم من المشاركة .

كما يجدر الابتعاد عن منهج المقاصة بتقييم الديات و غيرها وجعل احد الاطراف دائنا ومدنيا لانه امر يعمل علي ارهاق بنية الاطراف التي تعاني من اهمال دور الدولة تاريخيا لها في تقديم الخدمات  ، استصحاب المواطنة وما يعتريها من ازمات مرتبطة بالعنصرية  حيث ان الامر يجب ان تتم معالجته عبر رفع الوعي حول الاقصاء الاجتماعي بالاعتماد  والتركيز علي الادارات الاهلية و فئات المراة والشباب في   الحملات مع ايلاء مسالة الحق في المواطنة اهمية قصوي في المستندات الحكومية بالحذر في ايراد القبلية او ما يثير الامر ، كم يجدر أن يتم أكساب الأتفاقات التي تتم قوة قانونية عبر إعتمادها من السلطة القضائية كحكم ملزم للاطراف .

الاعراف او القوانيين العرفية  ظلت تحظي باحترام الشعوب و المجتمعات بشكل عام هذا و اذا نظرنا الي تكوين الدولة السودانية الراهنة فقد جاءت تشكل امتداد لسلطنات وممالك سابقة ظلت تحتكم لقوانين واعراف خاصة بها ، الامر الذي يجعل من الاهتمام بالقانون العرفي و تدوينه امر يساهم في حل النزاعات و ترسيخ القيم ، و هذا لا يتاتي الا بمراجعة التدخلات التي قامت بها سلطة الاسلاميين السودانيين من ادخال وظيفة الامير في سياق الادارة الاهلية كممثل سياسي للسلطة داخل القبائل ، مع الحوجة لاعادة مراجعة قوانين الحكم المحلي

إدماج التنمية في سياق الحلول للنزاعات

التنمية كعنصر ضمن سياق منهج التوصيات والحلول أو  التنفيذ مع تكامل النظر الى شمول الخطة الاستراتيجية في تداخلها وشمولها كما اشرت عاليه، تنبع أهميتها في:

  1. 1. تمثل البداية لخطوة عملية متقدمة لا تنفصل على الإطار النظري
  2. 2. المنهج الأفضل نتيجة تداخل وتشابه المسببات للقضايا المختلفة التي تشترك في أكثر من عنصر من الأسباب
  3. 3. ستقلل تكلفة التخطيط و المعالجة أو التعامل معها
  4. 4. تساهم في إدماج المستفيدين إلى فاعلين بدلا عن ضحايا
  5. 5. يمكن قياس أثرها سواء على رأس المال البشري أو المادي المرتبط بالموازنة العامة
  6. 6. تتسع و بعض قضايا المعالجة ذات النطاق الواسع مثل العدالة الانتقالية

 

مقترحات الحلول

1- الإستفادة من الموارد المتاحة بالإقليم والمساعدات الدولية في مشاريع التنمية عبر التخصيص التمييزي من الموازنة العامة

2- -رفع الوعي وبناء القدرات عبر دراسات تشمل وتستهدف وضع الحلول الشاملة لأزمة الإقليم

3- -الإهتمام بالقانون العرفي في الإقليم -الإهتمام بدور المجموعات العشائرية لتسهيل الحلول والتركيز على التنمية البشرية التى محورها الإنسان

4- التخطيط الإستراتيجي لحل النزاعات للمجموعات السكانية بالإقليم كأولوية في سياق الصراع المرتبط بأزمة الدولة السودانية بشكل عام ولاسيما المرتبطة بصراع الموارد والإقصاء الإجتماعي ونتاج الأزمات المتوارثة قبل وبعد إستقلال الدولة السودانية وتأثيرات المناطق المقفولة عبر مناهج تعالج الإقصاء الإجتماعي والصراعات حول الموارد وملكية الأرض

5- -الإهتمام بالتعليم التقني والمهني وما يرتبط بإعطاء الأولوية لرفع كفاءة سكان مناطق النزاع ولا سيما أن الفترة الإنتقالية وفقا للوثيقة الدستورية تجعل من عامل الزمن عاملا حاسما فيما يرتبط بالحلول

6- العمل على ادراة التنوع وتعزيز القيم والمصالح المشتركة بين المكون الرعوى والزراعى بالإقليم، بمعنى ان التطور اللازم مستقبلاً يبنى على المصالح المشتركة فى عملية التنمية المستدامة.

7- الإهتمام بالقانون العرفي و تدوينه .

8- مراجعة و إصلاح قوانين الحكم المحلي

9- إلغاء وظيفة الأمير داخل هياكل الإدارة الأهلية  لدورها السياسي السالب .

10- الإسراع بتشكيل و تكوين المفوضيات المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية ، حيث يمكن لمفوضية العدالة الإنتقالية أن تلعب دوراً مهما في الحلول

11- أعادة تاهيل قوات الشرطة لتقوم بدورها وفقا للتفويض المهني .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى