تقارير وتحقيقات

هل فشلت الحكومة الانتقالية في إيقاف تدهور العملة ؟

الخرطوم: محمد سعيد حلفاوي

في سبتمبر 2019 عندما تسلمت الحكومة الانتقالية مهامها كان سعر الصرف للجنيه مقابل الدولار الأمريكي يتأرجح بين (66) جنيها إلى (67) جنيها سرعان ما بدأ الدولار الأمريكي في الصعود مكتسحًا العملة الوطنية وتخطي حاجز المائة في مطلع العام 2020 ثم حقق صعود مجددًا الساعات الماضية دون توقف ووصل عتبة الـ(250) جنيه لواحد دولار في السوق السوداء الذي يتحكم في هذه التجارة بسبب شح النقد الأجنبي لدى البنك المركزي.

بالعودة قليلًا إلى الوراء وعند تنفيذ موازنة 2020 اعترضت اللجنة الاقتصادية لقوى التغيير على تنفيذ برامج اقتصادية والتي تركزت على رفع أسعار الوقود والسلع الأساسية لسد العجز في الموازنة وتحت الضغوط رضخت الحكومة الانتقالية أرجأت الموازنة قبل أن تنفذها لاحقًا في فبراير دون مشاورة قوى التغيير بزيادة أسعار الوقود لكن جاء التنفيذ بعد أن دفع الاقتصاد ثمنًا فادحًا وهو على أعتاب الإغلاق الكلي في مارس الماضي والذي أدى إلى فقدان الموازنة 42% من الإيرادات من الضريبية ولجأت الحكومة إلى طباعة أموال لمقابلة الأجور التي نفذت زيادات عليها في مايو بنسبة 500% وكأن الحكومة أغلقت باب الطوارئ للخروج من الأزمة.

وتتسع الهوة في عجز الميزان التجاري بواقع 4 مليار دولار فالسودان يحتاج سنويًا إلى 9 مليار دولار للاستيراد بينما يشكل العجز 4 مليار دولار عن الحصيلة المطلوبة لتغطية طلبات المستوردين من النقد الأجنبي وحينما يلجأ المستورد  إلى السوق السوداء يشتري الدولارات بشكل مضاعف مايشكل ضغطًا على الجنيه السوداني الذي تآكل قيمته تمامًا مما كان عليه قبل أعوام.

ويقول عماد (ن) وهو تاجر فضل إخفاء اسمه الكامل تجنبًا لملاحقة المباحث الفيدرالية لتجار العملة :”هل تريد شراء دولارات أو بيعها نحن حاليًا نشتري بأي سعر حتى لو كان مرتفعًا عن الرقم المعلن في السوق الموازي نحن على استعداد للشراء لأن الجنيه خسر قيمته تمامًا ما لم تطرأ مستجدات حكومية إذا أشتريت الدولار حتى بسعر مضاعف عن المعلن حاليًا فأنا لن أخسر لكنني لن أبيع في ذات الوقت نحن حاليًا نشتري فقط”.

ماهي الخطة الحكومية المطلوبة لإنقاذ ما تبقى من قيمة الجنيه السوداني في ظل صعود ونهم غير مسبوق لشراء الدولار في السوق الموازي؟ وهي عملية قد تعيد سحب الودائع المالية للمواطنين من البنوك لشراء الدولارات للاحتفاظ بأموال والخوف من فقدان قيمتها.

وتخشى قوى الثورة أن تؤدي الأزمة الاقتصادية الناتجة عن انخفاض الجنيه الذي يفقد قيمته بسرعة إلى اضطرابات شعبية وهو وذات السيناريو الذي أطاح بنظام المخلوع والمتهم أيضًا بلعب دور في شراء الدولار “بأي ثمن ” لرغبته في الإطاحة بحكومة حمدوك وربما إعادة القوى الشمولية إلى الحكم بديلًا للحكم الانتقالي الذي يتقاسم فيه العسكريون السلطة الانتقالية مع المدنيين وهي تجربة تبدو أنها تتعرض إلى اختبارات قوية حول مدى نجاح القوى المدنية في تحسين الاقتصاد والمعيشة.

وينوه الاقتصادي معتصم الأقرع إلى أن “خبراء الاقتصاد حذروا عشرات المرات أن إيقاف نزيف الجنيه يستدعي أن تكف الحكومة فورًا عن طباعة العملة بلا حساب وهذا يستدعي خفض عجز الموازنة بترشيد الصرف وزيادة الإيرادات هذا هو الحل الوحيد ونرجو أن لا يكون قد فات الأوان”.

على مايبدو أن الحكومة لجأت إلى طباعة النقود خلال الفترة السابقة لتغطية الأجور الباهظة وهذا القول يسنده تصريح عضو اللجنة الاقتصادية لقوى التغيير عادل خلف في مقابلة مع النيل الأزرق مساء الاثنين أن الحكومة طبعت المال لشراء الذهب خلال الفترة السابقة ورغم أنه عدها اعتبر الطباعة غير مؤثرة  على التضخم بسبب شراء الذهب لكن الاعتذار الذي نقلته وزيرة المالية هبة أحمد علي إلى الجيش والقوات النظامية أمس الثلاثاء بوكالة السودان للأنباء على هامش برنامج سلعتي تؤكد أن الحكومة عالجت عجز الأجور بطباعة النقود في ظل شح التمويل الدولي والمساعدات الاقتصادية وتعطل الإنتاج وتردي الخدمة المدنية التي قد تساعد في ضبط حصائل الصادر حتى استعانت الحكومة في أبريل الماضي باللجنة العليا للطوارئ الاقتصادية والتي يترأسها الفريق أول محمد حمدان دقلو وينوب عنه رئيس الوزراء عبد الله حمدوك لضمان تنفيذ القرارات الحكومية وملاحقة حصائل الذهب سيما الذهب.

هل يشكل الذهب مخرجًا للحكومة الانتقالية ؟ يجيب الاقتصادي معتصم الأقرع :”نعم لو نجحت الحكومة في زيادة دخلها من الذهب فالوضع يتحسن ليس بسبب الذهب ولكن لأن عجز الموازنة سيتناقص”.

إذن في نظر المحلليين الاقتصاديين الذين ينتقدون الحكومة فإن أزمة العملة الوطنية مرتبطة بالعجز الذي يحدث في الموازنة حيث زادت الحكومة فيها طباعة النقود من 53 مليار جنيه إلى 200 مليار جنيه في الموازنة المعدلة ويطلق عليها اصطلاحًا الاستدانة من النظام المصرفي.

كما أن طريقة إدارة الحكومة للاقتصاد لاتحظى بثقة المجتمع الدولي خاصة عقب اعتراف حمدوك بأن ولاية وزارة المالية على المال لاتشكل سوى (20)% في خطاب ألقاه في أغسطس الماضي بمناسبة مرور عام على تشكيل الحكومة.

ويحذر اقتصاديون من أنه دون إدخال جميع المؤسسات إلى ولاية المال العام فإن الاقتصاد لن يحرز تقدمًا بالتالي لن يمول المجتمع الدولي أي مشاريع تطرحها الحكومة وهذا ما أظهره مؤتمر برلين الذي جاء دون التوقعات فلم يدفع المؤتمرون سوى (1.8) مليار دولار وهي مبالغ تغطي استيراد ثلاثة شهور من السلع الأساسية للبلاد.

ويبدو أن هناك عوامل عديدة تتحالف معًا في وجه الجنيه السوداني بدءً من انهيار الموازنة وتسجيلها عجزًا كبيرًا مرورًا بشح المجتمع الدولي تجاه الحكومة الانتقالية إلى جانب عامل آخر ربما يشعر المجتمع الدولي تجاهه بالقلق وهو عدم ولاية وزارة المالية على المال وتركز الأموال الطائلة لدى جهات نافذة.

وطرحت “التغيير الإلكترونية” هذه الأسئلة آدم حريكة المستشار الاقتصادي في مكتب رئيس الوزراء لكنه رفض الاجابة عليها طالبًا اللجوء إلى وزارة المالية.

ولاترى اللجنة الاقتصادية لقوى التغيير في الموازنة المعدلة والتي أجيزت بين مجلسي السيادة الوزراء في أغسطس الماضي مخرجًا من الأزمة الاقتصادية وإعادة الحياة إلى الجنيه السوداني.

ويقول عضو اللجنة الاقتصادية محمد الهادي لـ”التغيير الإلكترونية” على الحكومة أن تلجأ إلى المواطن لسد العجز في الموازنة بزيادة أسعار الوقود والكهرباء هناك بدائل سلمتها قوى التغيير لمجلس الوزراء إذا نفذت يمكن أن تعالج الأزمة الاقتصادية منها توسيع الضرائب أفقيًا وخفض الانفاق الحكومي باغلاق المؤسسات التي انشأها النظام السابق إلى جانب إحياء نقاشات حول شركات المنظومة الدفاعية والأمنية لأنها معفاة من الضرائب والرسوم بالتالي لاتجد منافسة في سوق الصادر”.

بالنسبة للعديد من الخبراء الاقتصاديين واللجنة الاقتصادية لقوى التغيير يبدو أن المدخل الأول لعلاج الجنيه السوداني الإرادة السياسية بإعادة التفاوض مع العسكريين حول الشركات لكن قبل ذلك اختيار مفاوضين مدنيين من طراز مختلف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى