أعمدة ومقالات

إلى الانتقالية: الخروج من المأزق الاقتصادي بالدخول في الاشتراكية!!

عيسى إبراهيم

 “لقد نمَّت التكنولوجيا الثروة بصورة خيالية، ولكن لغياب القيمة، لم يكن هناك عدل في توزيع الثروة، وانما انحصرت في ايدي القلة، واصبح الفقر نصيب الكثرة، فذهل الغني، بالغنى، عن النسانيته، كما شغل الفقير، بالفقر، عن انسانيته، فانهزم الانسان، في هذه الحضارة المادية، الآلية الهائلة، المذهلة.. (الأستاذ محمود محمد طه، كتاب الديباجة1983 ص: 16)

“هذا ولا يظنن  أحد أن الاسلام لا يفرض قيام الاشتراكية بالقانون، وانما يتركها لضمائر الأفراد، فان مثل هذا الظن سيكون خاطئاً.. (الأستاذ محمود محمد طه في كتاب – الدستور الاسلامي؟ نعم..ولا)

قال رئيس وزراء الفترة الانتقالية د. حمدوك في لقائه الاذاعي يوم الجمعة الحادي والعشرين من أغسطس الماضي:”أكتر حاجة مزعجاني وتخليني ما بنوم.. معاناة أهلنا من الأزمة الاقتصادية.. وشغّالين على معالجتها”، وهل يصلح العطار ما أفسده الدهر يا حمدوك؟! إذ في الفترة البائدة من حكم “الكيزان” للبلاد رسملوا الحياة العامة وفي تصورهم المريض أن الاسلام رأسمالي، ثم تسارعوا في امتلاك الدنيا من أركانها الستة، ولقد قال المعصوم: “إني لا أخشى أن تشركوا من بعدي ولكني أخشى عليكم أن تنافسوها”، ولقد صدق سيد ولد آدم الرحمة المهداة الذي مثل الدنيا كلها بـ “ظل شجرة استظل بها الناس ثم غادروها”!!..

هل الاسلام رأسمالي أم اشتراكي؟:

في قراءة فاحصة للشريعة الاسلامية (التي هي المدخل على الدين وليست هي الدين)، يتضح أنها تكافلية؛ بمعنى أن المجتمع مسؤول عن أفراده ففي تشريعاتها تقول أن الذي يموت جوعاً أو من الفاقة، على المجموعة التي مات بقربها أن تدفع ديته، وفي حالة المجاعة لا تقوم الحدود لاختلال شروط تطبيق الحد بالمجاعة، وشروط حد السرقة – مثلاً – أن يسرق السارق بحد النصاب (وهو مبلغ من المال المتقوم ويتغير النصاب على مر الأزمان ليواكب المقدار المطلوب)، وأن يسرق بلا حاجة بمعنى أنه ليس محتاجاً فان كان محتاجاً لا يقام عليه الحد، وأن يسرق من الحرز (أن يكون المال المتقوم في مكان حفظه عرفاً (العربة في القرَّاش – مكان حفظها) فان لم تكن كذلك لا يقوم الحد)، كما لا يطبق الحد في سرقة المال العام لشبهة أن له حقاً فيه، ولا حد على الناهب (الذي يخطف في قارعة الطريق لشبهة حاجته الملحة)، كما أن الزكاة تؤخذ من راس المال حينما يحول عليه الحول لا على الأرباح، ولا حد على المؤتمن، هذه لمحة من روح الشريعة السمحاء في القرن السابع الميلادي أوان تطبيقها، فهل كانت رأسمالية، والقرآن يقول في شأن المال: “ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى  فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب” (سورة الحشر الآية 7)، دولة: بمعنى متداولاً بين الأغنياء فحسب إنما المرجو أن يكون المال مشاعاً بين الجميع غير محتكرٍ لفئة دون أخرى!!..

حديث الأشعريين:

قال الحبيب المصطفى (عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم): “كان الأشعريون إذا أملقوا افترشوا ثوبا ووضعوا عليه ما عندهم من زاد ثم اقتسموه بالسوية؛ أولئك قوم أنا منهم وهم مني”، والحديث يفصح عن مكنوناته!!..

الإشتراكية ليست هي الماركسية:

“الإشتراكية موش هي الماركسية .. لكن الماركسية مدرسة من مدارس الإشتراكية .. ودي تقال لمصلحة الأخوان الماركسيين أنفسهم ، لأنهم هم بعتقدوا ، و بكلموا الناس بأنك إذا أنت كنت عاوز تكون إشتراكي لازم تكون ماركسي .. الحقيقة التي نحن نريدها أن تكون واضحة هي أن الإشتراكية إنما هي مصير الإنسانية بكرة .. ما في ذلك أدنى ريب لكن الإشتراكية لا يمكن أن تتحقق إلا إذا إنهزمت الماركسية .. هنا أفتكر ممكن نقيف .. و بإيجاز نقول إنو من حسنات الماركسية ، الفكرة التطورية ، و من حسنات الماركسية الدراسة الإقتصادية”، (محمود محمد طه – الماركسية في الميزان – الطبعة الأولى – أكتوبر 73)..

الاشتراكية ما هي:

باختصار أرجو ألا يكون مخلاً: الاشتراكية هي ألا يكون الفرد أو الأفراد القلائل يملكون رأس المال المنتج (بمعنى ألا يستغلوا عرق الآخرين في مراكمة راس المال المتأتي من فائض القيمة)، والذي يملك رأس المال هو الشعب السوداني وليس الدولة، وأن يديره بواسطة تكويناته الموثوقة لديه لكفاية حاجة مجموعاته، وليس للافراد أن يملكوا غير المنزل والحديقة حوله والعربة أمامه (إن وجدتا)، وماذا بشأن الذين يملكون رأسمالِ قبل التطبيق الاشتراكي؟!، من الضرورة بمكان ألا تصادر أموال الرأسماليين أو تؤخذ منهم بغير وجه حق، فهم أصحاب مال يستغلونه في اكفاء حاجاتهم من غير أن يكون عاملاً في استغلال عرق الآخرين!!..

آية الزكاة الكبرى والاشتراكية:

أول ما نزل من قرآن الزكاة هي آية: “…ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو…، ولها تطبيقان؛ في حق الأمة وفي حق النبي، في حق الأمة كان المزارع إذا حصد في عامه عشرين جوالاً من ثمره احتفظ بما يكفيه في عامه، سبعة جوالات مثلاً وانفق الباقي، وان كان عامل يومية وكسب 70 جنيهاً مثلاً احتفظ بما يكفيه ليومه؛ 30 جنيهاً مثلاً، وانفق الباقي، أما نبي المرحمة فقد كان ينفق كل ما زاد عن حاجة لحظته الحاضرة، وكان يقول لعائشة: “أو ما امرتكي ألا تعلقي؛ لا تعلقي، فان خالق غدٍ يأتي برزق غدٍ كل غدٍ”؛ و(التعليق ادخار)، وحينما هم بامامة أصحابه في الصلاة أنزل يديه وهرول إلى غرفته ثم رجع، ووجد الدهشة في عيون أصحابه قال لهم: “إني تذكرت أن في بيت آل محمد درهماً فخشيت أن ألقى الله وأنا كانز”، حتى نزلت آية الزكاة ذات المقادير فنزلت إليها أمته واستمر هو في الزكاة الكبرى، والنبي بصنيعه هذا عاش الاشتراكية في قمتها..

التعاونيات المدخل على الاشتراكية:

الشعب السوداني هو شعب النفير والنجدة والتكافل والأجاويد وفي الأجاويد قلنا مراراً وتكراراً أن الأجاويد لا يهمهم من المخطئ ومن المصيب (وهي شعيرة سودانية ثقافية خالصة لا شبيه لها في جميع أنحاء العالم جاءت من التعايش بين الثقافات المتقاطعة والمتنافرة كما يقول المرحوم أبو سليم في سفره الفريد عن الشخصية السودانية؛ والأجاويد همهم الأساسي منع الصدام)، ونقول على الدولة أن تشرع فوراً في تأهيل مركزية التعاون ودعمها بالمال اللازم بسبيل من دَيْنٍ واجب السداد لتحتكر – في المرحلة الأولى – الاستيراد والتصدير حصراً، وتنهض بمهمة التوزيع لكل عضويتها؛ وعضويتها هي مجموع الشعب السوداني في جميع أصقاع السودان، فاذا كان تعداد سكان السودان أربعين مليوناً مثلاً تقشم الأسهم على عدد السكان نساءً ورحالاً وأطفالاً بواقع سهمِ لكل فرد من أفراد المجتمع، ويقوم القانون بتشريعاته لحماية هذه الأسهم من التلاعب بها أو نقل ملكيتها غير القابلة للنزع أو البيع أو الشراء، ويدخل المواليد تلقائياً في هذه الشراكة المحمية بالقانون!!..

قومية القوات العسكرية ضرورة ملحة:

لابد من العمل لتحويل القوات العسكرية السودانية – جيش وشرطة وأمن – لتكون قومية التكوين بعقيدة محددة هي حماية الوطن والمواطنين، وأن يمنع أدلجتها أو استقطابها، ومن الضروري أن تتفرغ لمهمتها الأساسية، ولا بد من دعمها بالذين شردوا من مجموعاتهم في الجيش والشرطة والأمن، ابَّان العهد البائد الذي سعى بكل سبيل لتغيير عقيدتها القتالية وأدلجتها لتخدم أغراضه الأيدلوجية لا غير!!..

ساووا السودانيين في الفقر إلى أن يتساووا في الغنى:

وذلك بأن يكون – في المرحلة – الفرق بين الحد الأدنى من الأجور والحد الأعلى ألا يتجاوز نسبة العشرة في المئة، وأن يعمل باستمرار لرفع الحد الأدنى نسبياً أكثر من الحد الأعلى استهدافاً للمساواة العادلة بين السودانيين!!..

تشجيع الانتاج وتحفيزه واستهداف القيمة المضافة:

نحن شعب زراعي رعوي في المقام الأول ولابد من تشجيع الانتاج في هذين المجالين اللذين يستقطبا أكثر من 80% من عدد السكان، وبحمد الله بدأ التعليم مبكرا في السودان ونملك أعداداً هائلة من المؤهلين في جميع المجالات الزراعية والحيوانية والحزم التقنية ووقاية النباتات والبيطرة وتحسين السلالات فلنعمل جميعاً على وضع الخطط والبرامج التي تخرجنا من حفرة التخلف التي قبعنا فيها بسبب من أنانية الانانيين وشراهة النفعيين، أيتها الانتقالية قولي: “كُبْ” وانهضي بشعبك العملاق المقدام الطيب المسالم الأجاويد، فرحلة المليون ميل تبدأ بخطوة واحدة!!..

eisay1947@gmail.com

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى