تقارير وتحقيقات

“حارس الآلهة” يشكو الإهمال ويروي أساطير

كان معبد (آمون) ومعبد (أغسطس) أول ما رأت عينا عبد الرحيم من الدنيا، ومنذ ميلاده في ستينيات القرن الماضي وحتى الآن لم يفارق الرجل المدينة الملكية ومعابدها وآثارها ومدافنها القريبة والبعيدة.

ويعمل عبد الرحيم الهادي حارسا تابعا لجامعة الخرطوم في منطقة الآثار بالبجراوية، وتحديدا للمدينة الملكية، التي يتناوب في حراستها

مع أخيه معاوية.

وورث الأخوة المهنة من جدهم لأمهم الذي يقول عبد الرحيم إنه كان حارسا لمنطقة الآثار منذ العام (1903) حتى العام (1940)، ثم ورث الجد مهنته لابنه، الذي استلم حراسة الآثار من ذلك الوقت حتى العام 1996.

ويقول عبد الرحيم إن والده أيضا عمل حارسا منذ العام (1960) وحتى العام 1996 كحارس تابع لجامعة الخرطوم.

عبد الرحيم الذي ولد في أحضان المدينة الملكية، عاش فيها مع اسرته لسنوات طويلة قبل أن تنتقل الأسرة إلى احدى القرى القريبة. وبات عبد الرحيم يحضر للمدينة الملكية منذ الصباح ويغادرها المساء.

واكتشف عبد الرحيم تهديد فيضان النيل للحمام الملكي، وقام بمعاونة أخيه بردم المياه وعمل تروس لحمايته، ثم استعان الأخوان بأهالي القرى القريبة التي تضررت أيضا من الفيضان، قبل أن يحضر المسؤولون لتفقدها.

(لم يحضر أي شخص لتفقد المدينة الملكية حتى مرور 3 أيام من تهديد الفيضان لها)، هكذا علق عبد الرحيم بحسرة على ما اعتبره عدم اهتمام وتقدير للآثار. وقال إن أول الواصلين على الإطلاق كانت وزيرة التعليم العالي والبحث العلمي، انتصار صغيرون، ثم تلتها هيئة الآثار وجامعة شندي وجامعات أخرى.

قال عبد الرحيم إنهم أحضروا جوالات وعملوا على صناعة تروس تقي الآثار من المياه، وساعدوا حتى القرى القريبة.

وقال عبد الرحيم إن وزير الثقافة والإعلام والسياحة، فيصل محمد صالح حضر بعد هؤلاء، مؤكدا عدم اهتمام حكومة ولاية نهر النيل التي لم يحضر منها أي مسؤول لتفقد المدينة الملكية على الرغم من توالي ارتفاع مناسيب مياه النيل وبقاء التهديد.

أشار عبد الرحيم إلى أن الحمام الملكي، هو أكثر الآثار التي تعرضت للتهديد، والذي يتكون من غرفة للساونا كانت تعمل عبر اشعال خشب الطلح والصندل من غرفة أخرى وتصل لغرفة الساونا عبر انابيب مصنوعة من الفخار. ويشمل الحمام الملكي حمام آخر يشبه حمام السباحة.

وتخضع المدينة الملكية حاليا لعملية ترميم يقوم بها عالم آثار الماني على حد قول عبد الرحيم وهي مغلقة ولا يسمح فيها بالزيارات حتى نهاية أعمال الصيانة التي لم يعلن عن موعد انتهائها.

وتضم المدينة الملكية معبد الإله آمون ومعبد أغسطس للملكة اماني شخيت ومسبح خاص بالقرابين ومنطقة تتويج الملوك.

وأعرب عبد الرحيم عن حزنه للاختلاف الكبير بين المنطقة الآن وفي طفولته، قال إن الكثير من الجدران كانت موجودة وكان هناك مدخلا على شكل قوس يريك مدخل المدينة إلا أن الكثير من المعالم اختفت وتغيرت بفعل عوامل التعرية والمناخ.

واتهم عبد الرحيم كل الحكومات بإهمال الآثار وعدم الاهتمام بها.

وحول تهديد النيل أكد عبد الرحيم على أنها المرة الأولى التي يشهد فيها اقتراب النيل لهذا الحد من المدينة الملكية، لأنه يبعد مسافة كيلو ونصف منها. لكنه سمع من جده وابيه حدوث فيضانات قبل الاستقلال وتحديدا في العام 1946 وصلت فيها المياه إلى داخل حمام السباحة الملكي.

وحكى له جده أن أحد المسؤولين الانجليز يدعى (قرستان) أمر العمال بنقل المياه من الحمام الملكي يدويا.

وحول معرفته بتفاصيل حكايات الآثار، أفاد عبد الرحيم إنه ينضم للطلاب واساتذتهم الذين يحضرون لمنطقة البجراوية ويستمع في تلك الجولات إلى معلومات تاريخية يقوم بحفظها.

وقال إنه كان يستمع أيضا للكثير من القصص من جده ووالده. وأضاف: “هناك اساطير حول لعنات الفراعنة وظهور الأشباح انا شخصيا لم أر أي شيء منها”. ومضى يواصل الحكي :”لكن حكى لي أحد اصدقائي انه كان يعزف ربابة في أمسية داخل المدينة الملكية، وظهرت له سيدة ورقصت على انغام الربابة”.

وأشار عبد الرحيم إلى مسبح القرابين بيديه، وقال إنها ارتبطت بأسطورة ذبح إحدى الجميلات كتوسل من الملوك للآلهة في سنوات الجفاف حتى يفيض النيل.

ومنطقة الآثار بالبجراوية مصنفة ضمن التراث العالمي لليونسكو. وأكد عبد الرحيم في ختام حديثه على اهتمام واحتفاء جميع أهل القرى المجاورة بهذه الآثار ووعيهم بها، مؤكدا على حديثه بأنهم تركوا منازلهم التي غمرتها مياه الفيضانات ليحموا “الحمام الملكي” من غضبة النيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى