أعمدة ومقالات

قطاع التعاون في الدستور والقانون: لماذا

قصي همرور

ضمن التحضيرات للمؤتمر الاقتصادي، جاءت ضمن باقة توصيات من وزارة الصناعة والتجارة – والتي قدّمها مستشار الوزارة للتعاون وشؤون التعاونيات، محمد الفاتح العتيبي، ضمن ورقة أعدّها لذلك الشأن بعنوان “دور التعاونيات في التنمية المستدامة”، وقدّمت في 20 سبتمبر 2020 في إحدى اللقاءات التحضيرية للمؤتمر الاقتصادي – توصية عامة بأن يكون هنالك تضمين قانوني ودستوري للقطاع التعاوني، كقطاع متميّز عن القطاعين العام والخاص وبالتالي مستحق للمعاملة القانونية والاقتصادية وفق ذلك التميّز، ويكون ذلك التضمين في صورة مواد دستورية وقوانين واضحة في ذلك الشأن.

هذه التوصية مهمة، وإذا نَفذَت ستكون اختراقا واسع الأثر لصالح الحركة التعاونية خاصة والحركة العمّالية (السندكالية) إجمالا. وفي هذه المقالة الموجزة سنذكر بعض الأوجه الأساسية التي تجعل هذه التوصية مهمة.

اعتراف الدولة بالقطاع التعاوني قوة قانونية للقطاع أمام الدولة:

ذكرنا كثيرا أن الدولة العصرية، بهيكلها ومواردها وصلاحياتها في العصر الحديث، ظاهرة تاريخية غير مسبوقة بظواهر مماثلة في التاريخ البشري، فهي في تعقيدها ودخولها في شتى شؤون حياة الناس – حتى في مستويات الدول الديمقراطية والتي تحترم خصوصيات الناس وحرياتهم – غير مسبوقة. هذا معطى تاريخي، والحراك الاجتماعي الحصيف يتحرك وفق معطيات الواقع من أجل أن يغيّر الواقع. وفي ذلك فدراسات التنمية واضحة: لا توجد مجتمعات معاصرة حققت مستويات محترمة من التنمية الاقتصادية والبشرية في ظل دول ضعيفة. أي أن الدولة القوية شرط تنموي، وهو شرط متجاوز للمذهبية الاقتصادية، أي أن أي دولة مهما كانت مذهبيتها (راسمالية، اشتراكية، اقتصاد مختلط أو دولة تنموية، إلخ) فهي بحاجة لأن تكون قوية حتى تؤدي دورها. وقوة الدولة تكمن في هياكلها ومواردها وصلاحياتها (قوانينها الفاعلة).

وحيث أن القوانين مهمة، فإن أي قطاع اقتصادي يسعى لأن يكون فاعلا ومتوطّنا في المجتمع ينبغي له أن يستعمل القوانين لصالحه، والقوانين نفسها تكون بوابة لهياكل وموارد الدولة بصورة أوسع. لذلك لا شك في أن تضمين القطاع التعاوني في الدساتير والقوانين يعطي القطاع قوة في المجتمع وأمام الدولة، إذ بذلك يستطيع تنظيم نفسه باعتراف أكبر وبتحريك دواليب اقتصادية وقرارية يصعب تحريكها بدون الدعم القانوني.

وهذا الأمر مثبت بصورة كبيرة في الواقع العالمي، فالدول التي تزدهر فيها الحركة التعاونية الآن (بأعضائها ومؤسساتها وجمعياتها) هي أيضا دول فيها وجود قانوني للقطاع التعاوني، كما أن الدول التي ليس بها وجود قانوني للقطاع التعاوني تسعى حركاتها التعاونية لتحقيق ذلك الوجود. على سبيل المثال فأسبانيا التي بها أهم نماذج التعاونيات الصناعية في العالم ليست لديها قانون دولة للقطاع التعاوني فحسب بل إن كل إقليم تنشط فيه الحركة التعاونية بقوة لديه قانون إقليمي للتعاون كذلك (مثل إقليم الباسك الذي يحوي أكبر مجموعة تعاونيات صناعية في العالم). وفي أوروبا عموما، حيث تنشط أقدم وأقوى الحركات التعاونية، فإن ما يسمى بالاقتصاد الاجتماعي (ويشتمل على التعاون وبعض الأنشطة الاقتصادية الأخرى كريادات الاعمال الاجتماعية) لديه قوانينه الخاصة – التنظيمية والضريبية والمصرفية – بصورة تجعل التعاونيات والحركة التعاونية قادرة أكثر على الحركة وتنظيم نفسها وتدبير أمورها، وتوصيل رؤاها لصانعي القرار، وانقتاح الباب أمامها للتوسع (وهذه الأخيرة نقطة مهمة جدا سنعود لها لاحقا). بل إن التعاونيات بوضعها القانوني تصبح أحيانا قادرة حتى على تولي شأن من الشؤون التي تحسب للدولة، مثل ما حصل مع تعاونية “فونتيرا” في نيوزيلندا والتي ابتلعت المجلس القُطري لمنتجات الألبان في البلاد في 2001 بعد أن اتضح أنها الأكفأ لإدارته ضمن القطاع التعاوني والذي سيطر على إنتاج وصادرات منتجات الألبان هنالك. أما اليابان، فحتى في الأعوام الاخيرة لاحظ الباحثون أن غياب هيكل قانوني خاص بالتعاونيات له أثر سلبي على مجمل قطاع الاقتصاد الاجتماعي. أما جيراننا في افريقيا فحيث تكون هنالك قوانين واضحة للتعاون يكون هنالك حضور ملحوظ ومحوري للحركة التعاونية، والعكس يقابله العكس.

وفي ذلك فإن توصيات منظمة العمل الدولية بشأن تعزيز التعاونيات تؤكد دور سلطات الدولة، في شتى المجتمعات (خاصة النامية)، في دعم القطاع التعاوي وإنشاء الإطار المؤسسي الذي يسمح للتعاونيات بالازدهار؛ مثل التوصية رقم 127 (1991) والتوصية رقم 193 (2002).

القطاع التعاوني يختلف لأن علاقات رأس المال والإنتاج فيه مختلفة:

في كتابات سابقة، ذكرنا أن القطاع التعاوني يستحق التعامل المختلف من القطاعين العام والخاص لأن هياكله التنظيمية ومحركاته الاقتصادية تمتاز عن القطاعات الأخرى هذه. وقلنا، “لأجل نفس الأسباب، يمكن الحجاج بأن القطاع التعاوني يستحق أن يدار بقوانين وسياسات وبروتوكولات متميّزة بعض الشيء، في إطار الدولة وفي الإطار الدولي كذلك. وكلما كانت التعاونيات أكثر وأقوى تواجدا في المجتمع كلما كان القطاع التعاوني أكثر ظهورا، وكلما كان القطاع التعاوني أكثر ظهورا وفعالية اقتصادية، في ذلك المجتمع، كلما اقترب ذلك المجتمع من تحقيق شروط وصفة الاقتصاد التعاوني.”

وهنا نضيف، لتوكيد تميّز القطاع التعاوني عن العام والخاص، أن العلاقة بين رأس المال، من جهة، والإنتاج والاستهلاك من جهة أخرى، مختلفة بصورة أساسية في القطاع التعاوني عن القطاعين الآخرين؛ ففي القطاع التعاوني لا يأخذ رأس المال الصدارة والسلطة، كما يأخذها في القطاع الخاص، وإنما يأخذ الإنتاج أو الاستهلاك تلك الصدارة (ونحن فقط نختزل مساحات الحركة التعاونية الواسعة في “الإنتاج والاستهلاك”، فهذه نفسها تجسّدات متنوعة ومتداخلة)، وهذا الترتيب يغيّر شكل العلاقة بمقدار فلكي، خاصة بالنسبة للفئات المنتجة في البلاد. أيضا يتميز القطاع التعاوني عن القطاع العام في تدويره الطوعي، الأفقي، للموارد، وليس بصورة مركزية، وكذلك في عضويته الطوعية (في حين عضوية القطاع العام – المواطنة والوظيفة في الدولة – والالتزام بقوانينها ليس أمرا طوعيا بالضرورة). هذه الاختلافات وحدها تعطي القطاع التعاوني حق الحضور القانوني، والدستوري، كقطاع مستقل ومتفاعل مع بقية القطاعات. ومن نافلة القول إن مبادئ الحركة التعاونية كذلك تختلف.

النظام الضريبي الاستثنائي للقطاع التعاوني يبدأ بالاعتراف به كقطاع متميز:

ولكون القطاع التعاوني مختلفا عن القطاعين العام والخاص فإن النظام الضريبي الذي يتبع له ينبغي أن يكون كذلك مختلفا، وذلك لا يتأتى بدون التعامل القانوني/الدستوري مع القطاع التعاوني باستقلال.

 

وهنا لا بد من وقفة قصيرة مع الضرائب، فالضرائب من ضرورات أي نظام دولة عصرية، وحين يكون النظر العام لها كأعباء على المواطنين والمنظمات يكون هنالك عوزُ في تصوّر العلاقة بين الدولة ومواطنيها. الواقع هو أن مثول الدولة وموظفيها (من أعلاهم لأصغرهم) أمام المواطنين (جميعا) ينبع من الافتراض العام أن هؤلاء المواطنين هم دافعي أتعاب موظفي الدولة، وذلك عن طريق الضرائب. موظفو الدولة “أجراء” عند المواطنين بالمعنى الحرفي هكذا، لأنهم يتلقون أجورهم من دافعي الضرائب. ورغم أنه من الصحيح أن للدولة موارد أخرى غير الضرائب إلا أن العلاقة الديناميكية الاقتصادية الكبرى بين الدولة والقوى الإنتاجية هي علاقة الضرائب، فالدولة تزيد عائداتها عندما تزيد عائدات القطاعات الاقتصادية لأن الضرائب تزيد عائداتها على الدولة (وليس بالضرورة لأن الضرائب “تزيد” على القطاعات، فهنالك فرق)، وزيادة عائدات الدولة تنعكس على التنمية الاقتصادية ككل، عبر خدمات الدولة وبنيتها التحتية ومرافقها العامة ومنصرفاتها التي تخدم وتنعش الميادين التعليمية والاجتماعية والثقافية والبيئية، إلخ. (ذلك بطبيعة الحال مع افتراض الدول المسؤولة، لا دول الجباية.) ولذلك فهنالك علاقة عامة، عالميا، بين قلة أو غياب الضرائب في بعض الدول وبين مستويات تسلّط الدولة وغياب شفافية الحكم فيها.

 

من أجل ذلك فمعاملة التعاونيات وفق نظام ضريبي مختلف لا يعني بالضرورة “إعفاءها” من الضرائب، وبجرة قلم، إنما يعني أن هنالك تعاونيات تحظى بالإعفاء بينما هنالك تعاونيات تدفع ضرائب مقابل خدمات الدولة وذلك مما يجعل القطاع التعاوني صاحب حق في الدولة وفي مساءلتها لكونه “دافع ضرائب” كذلك. والضرائب في هذا المضمار سياسات تقديرية تحاول إصلاح ما يمكن إصلاحه في الموازين الاقتصادية مع ضمان ازدهار القطاعات التي ينبغي أن تزدهر بدون أعباء ضريبية تحد من نموّها. على سبيل المثال، حتى تنجح التعاونيات الاستهلاكية تحتاج لإعفاء أو تراخي ضريبي، وحتى تنجح التعاونيات الإنتاجية تحتاج لخدمات دولة تموّلها الضرائب ولكن وفق نظام ضريبي يعطيها القدرة على النمو الاقتصادي وزيادة العائدات.

طاقة التعاون الكامنة أكبر بكثير من الواقع الحالي، وأكبر بكثير من الاستهلاك:

في الوسط السوداني، هذه الأيام، يكاد الحديث عن التعاونيات يقتصر على خدمة “سلعتي” ومعها الشركة السودانية للسلع الاستهلاكية المحدودة، والتعاونيات الاستهلاكية وعلاقتها معها وتخفيض أسعار السلع الاستهلاكية، إلخ، حتى يكاد المتابع العام يظن أن أفق التعاونيات في السودان يقتصر على هؤلاء فحسب.

وما نريد تأكيده أن هذه القضايا أعلاه، على أهميتها للسودان في المرحلة، لا تشغل سوى حيّز من التعاون الاستهلاكي، والتعاون الاستهلاكي نفسه لا يشغل سوى حيّز من التعاون عموما؛ وقوة التعاون وسطوته وتمدده إنما تقبع في الإنتاج (خاصة الزراعي والصناعي ولواحقهما)؛ وقوة الاقتصاد السوداني التي نتطلّع لبنائها إنما هي في ذلك الإنتاج. كتبنا سابقا عن الحجم الاقتصادي والاجتماعي للحركة التعاونية في العالم، وكيف أنها تشمل شتى القطاعات الاقتصادية وتنعكس على شتى المزايا والخدمات الاجتماعية في المجتمعات الحديثة. السودان يمكنه أن يستثمر ويأخذ من كل ذلك، ليصبح فيه قطاع تعاوني كبير، واسع، منتج ومتنوّع، وذو حضور قانوني واقتصادي واجتماعي قوي، يعمل جنبا إلى مع القطاعات الأخرى ويلعب كل واحدٍ منهم دوره التكميلي في مشروع التنمية المستدامة.

إذا كان طموحنا كذلك فسنتّخذ نحوه التدابير الصحيحة منذ الآن، وأحدها الاعتراف القانوني/الدستوري بالقطاع التعاوني.

 

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى