أعمدة ومقالات

الريفيات و الريفيون أوائل الخرطوم

خالد فضل

سعدت أيما سعادة بتبؤ ابنتنا النجيبة مواهب نور الدائم عوض بالمركز الأول مشترك في امتحانات مرحلة الأساس لهذا العام بولاية الخرطوم، و التهنئة مستحقة لتلك الصبية المميزة و لوالدتها رقية بت هجو، ثم و بمناسبة ظفر مواهب الموهوبة بالاولية في العاصمة فقد عدت بالذاكرة الي الوراء قليلاً، ففي أواخر تسعينات القرن الماضي كتب صديقنا د. زهير السراج مقالاً في جريدة الصباحية التي كانت تصدر آن ذاك و يرأس تحريرها أستاذنا د. عبد الطيف البوني-حيا الغمام كليهما-كتب د زهير مامفاده أن الريفيين قد هجموا على العاصمة هجمة همج واحدة فحولوا الخرطوم الي مرتع من مراتع بداوتهم و مارسوا فيها غريب طبائعهم و حق فيهم وصف (أهل العوض)! غضبت غضبة ريفية إقليمية مما اعتبرته تهجماً و تجنياً على اهلي – و هل انا الا من غزية – فحملت رداً قاسياً في مواجهة ذاك الهجوم الأمدرماني الضاري على مضارب طفولتنا و صبانا و مطالع شبابنا و موئل أهلنا و كبارنا، و عنونت ردي بـ(بل الحضر السادرة) و عندما قرأ د. البوني مقالتي و رأى الشرر يتطاير من حروفها ردني رداً رقيقاً و مهذباً كعادته دائماً، و هدأ من خاطري، و اقنعني بأن هذا الملف قد تم اغلاقه و د. زهير لن يعود إلى مثله أبداً، تمتمت و طنطنت و خرجت من مباني الصحيفة و في النفس شئ من حتى، ثم مر زمان و نسيت الموضوع.
جدارة مواهب و اترابها من بنيات و وليدات الأرياف القصية و حيازة المراتب الأكاديمية العلية من قلب الخرطوم اعادتني لتلك الكتابة، ثم إنها تفتح الأفق أكثر نحو الهم الأكبر و هو هم بناء وطن (كل أجزائه لنا وطن) نسعى لترفيه عيشه لا نبغى من ذلك ثمن، فصغيرتنا مواهب نجعت مع أفراد أسرتها هجرت القرية في نواحي الدندر لتلحق بابيها المعلم الوقور في مدارس الخرطوم، فيما بنات و اولاد أسرتها و عشيرتها الممتدة ما يزالون هناك يقبعون تحت لائحة (شختك بختك) صحيح عندهم مدرسة و لكنها بلا حوافذ لجهة البيئة التعليمية برمتها، و لن ادخل في تفصيل ما هو معلوم لدى عامة سكان القرى، هجت مواهب الي مظنة توفير بيئة تعليمية أفضل نسبياً، و أهو الطشاش في بلد العمي شوف كما يقال، فليست كل الخرطوم خرطوم، في الحقيقة هي مجموعة (خراتيم) لا يجمعها الي اسم الولاية، هذا واقع مجاورة التهميش للتمييز، و هل يفصل الديوم عن العمارات شارع ظلط كما في ذلك المقطع الشعري المأسور.
عوداً على بدء، و نحن نسعى لتأسيس وعي جديد بالوطن حتى تصير كل ارجائه لنا وطن؛ نأمل و نعمل ضمن آخرين/ات على بناء مشروع وطني للنهضة الشاملة و التنمية المتوازنة، نظل نقدم ما نستطيع من جهد لتأسيس منصة انطلاق راسخة لهذا المشروع الوطني الجديد بساقيه السياسي و التنموي، لذلك ننظر إلى تفوق مواهب بت الريف كتعبير واقعي عما تنطوي عليه أقاليم السودان من قدرات و مواهب و ما تذخر به بوادينا من تميز و إبداع يتجاوب مع سخاء الطبيعة و عطائها الثر، و لكن المفارقة تكمن دوماً في أن الذي نطلبه من حق نتركه ورانا ثم نلهث للحاق به في مكان آخر! الحق أن بناء الدولة الوطنية الحديثة بقيمها الديموقراطية و التنموية يعني أن حظوظ كاكا في الجبال و بعشوم في النيل الأزرق و حليمة في براري كردفان و هارون في دارفور و اوهاج في قرورة هي ذات حظوظ ميادة و سامي في الصافية و حي الراقي، هذا هو الأساس المتين للتنمية المتوازنة التي تجعل من عطاء و جهد الأستاذ نور الدائم يصب أولاً في مدرسة حويوا، و ان نبوغ مواهب يتفتق هناك فتتبوأ مركزها الأول في سنار، ثم الأول في امتحانات السودان، و المقدمة دوماً في كليتها الجامعة فيما بعد، بهكذا مشروع نجهز ناشئة السودانيين/آت من طلبة المدارس ليوم باكر الذي سيغرسون فيه علم السودان مرفرفاً هناك في صخرة على كوكب المريخ، و ليس ذلك على قدرات الإنسان و عقله بمستحيل، هذا هو الهدف الاسمى الذي تنتهي إليه آمالنا و رؤيتنا للتغيير، بالطبع من المهم ما تم من ازاحة الكابوس الذي كان يسد الطريق عبر ايدولوجيته الدوغمائية الصماء العاجز عن التعبير عن مكونات وطن لم يسعه فكر جماعة الإسلاميين الضحل. هذه هي الخطوة الأولى، فالطريق لم يزل طويل و وعر و يشق مطبات عسيرة، بيد أن همة الإنسان لو تعلقت بالثريا لنالها، هذا هو عنوان الغد لوطن يسمو بين الأوطان، و لشعب يقدل بحقه بين الشعوب. و قد لفت نظري حديث للمهندس عادل خلف الله في برنامج حواري على فضائية امدرمان قبل يومين عندما أشار إلى أن السودان من أوائل المنضمين لصندوق النقد الدولي و البنك الدولي منذ منتصف الخمسينات من القرن الماضي، بل ظل من أوائل الداعمين بالمال لعمليات تلك المؤسسات الدولية، ثم تراجع منذ نهاية السبعينات من ذات القرن و صار يذعن لبرامجهما و سياساتهما، في تقديري حدث كل ذلك بسبب غياب مشروع وطني للنهضة متفق حوله منذ الاستقلال؛ و الا لما عادت بلادنا القهقرى بعد أكثر من ستين عاماً على الاستقلال، فمحك التغيير الحقيقي ليس بالعودة كما كنا، هذا هدف متواضع، و لكن بالعبور إلى مصاف عالم المستقبل، و هو هدف غال و نبيل زادنا فيه أمثال (مواهب) أن احسنا إعدادهن/هم لذاك المستقبل، و ما أكثر المواهب التي تنطوي عليها أقاليم السودان، تلك الجموع البشرية التي هدها الفقر و الجوع و النزوح و القتل و الخراب فهربت تلوذ بالخرطوم في أوضاع بائسة أفضلها التنقل من جحر إيجار إلى جحر آخر (و واحدين بالايجار ما لاقيين جحر) كما في قول حميد.
التحية لمواهب مجدداً و مبروك النجاح الباهر فهي يقيناً من عدتنا للغد بعون الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى