أخبارتقارير وتحقيقات

30 مليار دولار رأس جبل الجليد في خسائر السودان من العقوبات الأمريكية

 التغيير، الخرطوم، محمد سعيد حلفاوي، تُشير تقديرات مستوردين ورجال أعمال أن السودان يتكبد سنويًا من (1.5إلى 2)مليار دولار جراء اعتماده على وسطاء في السوق الإماراتي لاستيراد الماكينات والأجهزة والمعدات لتجنب العقوبات الأميركية المفروضة على الخرطوم منذ 23 عامًا ما يعني ان السودان خسر في هذه السنوات قرابة الثلاثين مليار دولار كعمولات للوسطاء  فضلا عن الخسائر الأخرى، اي ان هذا المبلغ هو مجرد رأس جبل الجليد في فاتورة “القائمة السوداء” ، وعادة ما يظهر من جبل الجليد فوق الماء هو 1/9 من حجمه الحقيقي.

وكان الرئيس الأمريكي بيل كلنتون أصدر في 3 نوفمبر /تشرين الثاني 1997 قراراً تنفيذياً بفرض عقوبات مالية وتجارية على السودان، تم بموجبها تجميد الأصول المالية السودانية، ومنع تصدير التكنولوجيا الأميركية له، وألزمت الشركات الأمريكية، والمواطنين الأميركيين، بعدم الاستثمار والتعاون الاقتصادي مع السودان. وجاء في القرار إن “السودان يمثل مصدر تهديد لأمن الولايات المتحدة القومي ولسياستها الخارجية”، وصدر هذا القرار بعد ان صنفت وزارة الخارجية الأمريكية  السودان كدولة راعية للإرهاب في 12 اغسطس آب عام 1993 بسبب استضافة الخرطوم لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن الأمر الذي ادى الى إيقاف واشنطن لعمل سفارتها في الخرطوم عام 1996 م .

غادر السودان قائمة الإرهاب عقب مساع حثيثة للحكومة الانتقالية برئاسة عبد الله حمدوك مع الإدارة الأميركية حيث كتب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تويتر إنهاء بقاء الخرطوم في قائمة الإرهاب بمجرد سداد أموال التعويضات البالغة (335)مليون دولار لعائلات الضحايا الأمريكيين في تفجيرات إرهابية بكينيا وتنزانيا اتهم السودان بضلوعه فيها.

واتهمت الولايات المتحدة السودان في العام 2000 والعام 1993 بالتورط في تفجير المدمرة الأميركية “كول” في اليمن بجانب تفجير سفارتي الولايات المتحدة في دار السلام بدولة تنزانيا ونيروبي العاصمة الكينية حيث اتهمت الخرطوم في العام 1993 بإيواء جماعات جهادية متطرفة.

اليوم ودع السودانيون حقبة طويلة من العقوبات الأميركية التي كانت لديها نفوذ هائل حتى على الاتحاد الأوروبي حيث عزفت شركاته عن الدخول في استثمارات في السودان وبيع معدات وأجهزة وإنشاء توكيلات تجارية.

 

ويتوقع مدير إدارة التخطيط والدراسات والبحوث بوزارة البنى التحتية الاتحادية محمد كدام عبد القادر في حديث لـ(التغيير الإلكترونية) إنتعاش قطاع النقل الذي تضرر كثيرًا من العقوبات الأميركية بحرمانه من قطع الغيار للقطارات والطائرات والسفن أو حتى دخول شركات أوروبية وأمريكية لعقد صفقات جديدة مع الجانب السوداني منذ 27 عامًا.

ويكشف كدام عن تنافس محموم للشركات الأميركية والأوروبية للدخول في قطاع النقل لأنه واعد باستثمارات هائلة،  فالسودان بلد خام في قطاع النقل في نظر كدام ويمكنه الاعتماد على الاستثمارات في النقل لزيادة الناتج القومي مشيرًا إلى أن الخطوط الجوية ستعود أفضل مما كانت.

وأردف : “إذا استثمرنا في الخطوط الجوية والبحرية والسكك الحديدية يمكننا رفع الناتج القومي إلى 120مليار دولار خلال أعوام قليلة فقط”.

وتابع : “الناتج القومي للسودان في العام 1989 كان 16مليار دولار وفي العام 2019 بلغ 33 مليار دولار في حين أن الناتج القومي الأثيوبي في نفس العام كان 4.5مليار دولار وحاليًا 100 مليار دولار ومصر من 35 مليار دولار حاليًا 365 مليار دولار للناتج القومي هذا هو الفرق بين دولة تعاني من العقوبات الأميركية ودولة لاتخضع للعقوبات”.

وأردف : “خسرنا كثيرًا خلال 27 عامًا وعلينا استغلال الفرصة التي عثرنا عليها بالعودة إلى النظام العالمي الحديث”.

 

وتتجنب الشركات العملاقة الدخول في شراكات مع الخرطوم كما إن القانون نفسه كان يتطور من وقت إلى آخر جراء تزايد النفوذ الأمريكي حول العالم والمنطقة.

 

وحصنت الإدارة الأميركية قانون العقوبات في العام 2006 بإجراءات صارمة تُلاحق الشركات التي تدخل في شراكات مع السودان وفرض عقوبات على الأشخاص ما أدى إلى عزل الخرطوم تمامًا.

ويوضح أمين أمانة الاتفاقات الدولية بإتحاد أصحاب العمل السوداني أسامة الطيب في حديث لـ(التغيير الالكترونية) مدى تأثير العقوبات الاميركية على الاقتصاد السوداني بالدفع به نحو الهاوية بمراقبة حركة الأموال لأشخاص لهم صلة بالسودان والتحقيق معهم في تفاصيل صغيرة جدًا.

 

وأضاف : “المعاملات المصرفية سيئة جدًا بين السودان والعالم لمجرد ورود اسم السودان في المعاملات تخضع حركة الأموال إلى المراقبة والتحقيقات”.

 

ويشير الطيب إلى أن الاقتصاد خسر كثيرًا بفقدان التقنيات الأميركية والأوروبية مثل الجرارات والسيارات والماكينات ومعدات الطاقة الشمسية والاستكشافات النفطية التي تزيد الانتاج”.

 

وتابع : “السودانيون يستوردون معدات الكشف عن الذهب من استراليا لحرمانهم من المعدات الأميركية والكندية”.

 

وينص القانون الخاص بالعقوبات المفروضة على السودان على فرض غرامات مالية على الأشخاص والمنشآت لضمان مزيد من العزلة لهذا البلد الذي أطاح بنظام شمولي يسيطر عليه الإسلاميون  وتسبب في العقوبات بإيواء الجهاديين كما يقول مسؤولو السلطة الانتقالية.

 

ويرى الخبير في العلاقات الدولية عيسى حمودة في حديث لـ(لتغيير الالكترونية) أن السودان بإمكانه التقدم خطوات إلى الأمام بالاستفادة من الفرصة الراهنة لأنه حرم من تعاون دولي غير مسبوق.

ويوضح حمودة أن الولايات المتحدة الاميركية أوقفت تدريب خبراء الوبائيات من السودان في أتلانتا منذ فرض العقوبات وأوقفت إنشاء وتمويل مراكز الوبائيات في البلاد وحولتها إلى أثيوبيا التي استفادت منها بالتخلص من الأمراض المستوطنة إلى حد كبير.

وأضاف : “ارتفع الناتج القومي الإثيوبي العام الماضي إلى أكثر من 100 مليار دولار متفوقًا على السودان إلى جانب قروض مالية حصلت عليها أديس أبابا.

وضعت العقوبات الأميركية السودان مثل “دولة خرقاء” لايقترب منها أحد ولا تذهب هي إلى أحد مرفوضة خارجيًا وغير مرحب بها في الأروقة الدولية ولن يأتي إليها أحد وفق تفسيرات الدبلوماسيين.

 

ويقول أمين أمانة الاتفاقات الدولية بإتحاد أصحاب العمل السوداني أسامة الطيب : “إذا كنت في بريطانيا واتفقت مع مستثمر أجنبي من الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي للعمل في السودان لن تتردد السلطات بإيعاز من “الأف بي أي” من مداهمة مسكن المستثمر واقتياده والتحقيق معه حول تعاونه مع السودان .. لقد وضعتنا العقوبات في موقع مزر للغاية”.

ويؤكد الطيب أن السودان تعرض إلى تشديد العقوبات في العام 2006 بإنضمام شركات عملاقة إلى موجة المقاطعة واتجه المستوردون السودانيون إلى الإمارات العربية المتحدة وتحملوا تكلفة فرق السعر للمعدات والماكينات والسلع وإذا كان السودان يستورد سنويًا بـ11 مليار دولار فإنه يدفع ما بين 1.5إلى 2مليار دولار فرق السعر جراء العقوبات الأميركية.

ويبين أسامة الطيب أن شركات الشحن أوقفت التعامل مع المستثمرين السودانيين بمافيها شركة “دي اتش ال” نتيجة المقاطعة الأميركية وعندما يطلب المستثمر شحن البضائع من الموانئ تسأل شركات الشحن العملاقة هل أنت من السودان ؟ويرفضون التعامل إذا كانت الإجابة بنعم.

وجرى ترحيب واسع في قطاع الاستيراد والصادرات ومصانع الحديد والسكر وتوكيلات السيارات والمعدات بمغادرة السودان لقائمة الدول الراعية للإرهاب والتي فرضت على الخرطوم مقاطعة أميركية أغلقت عشرات الشركات والتوكيلات واضطرت المصانع العملاقة إلى التعاقد مع شركات وسيطة او آسيوية متوسطة الجودة للحصول على قطع الغيار.

وتسمح الإجراءات الأميركية بشطب السودان من قائمة الإرهاب للمصارف السودانية استخدام التقنية الأميركية والأوروبية في تعاملاتها مع الجمهور.

و سيكون هذا الأمر سهلًا لتسريع تعامل بنك واحد مع نصف مليون عميل بحسب أسامة الطيب.

 

ويضيف الطيب : “استورد السودان في العام 2012 معدات وسلع من الإمارات بقيمة 2 مليار دولار الفوائد التي يضعها الوسطاء تتجاوز 20 إلى 30% أي أن المستوردين السودانيين دفعوا نحو مليار دولار نتيجة العقوبات الأميركية واستغلال الوسطاء لها”.

وتثير أرقام مرتفعة للتضخم في السودان من عدم استفادة الخرطوم من إلغاء العقوبات المفروضة عليها إلى جانب السلطة الانتقالية التي يتقاسمها المدنيون مع العسكريين حيث خسر الجنيه السوداني أكثر من ما كان عليه قبل عام جراء شح العملات الصعبة.

 

 لكن أمين امانة الاتفاقات الدولية باتحاد أصحاب العمل أسامة الطيب يتوقع تحسن الاقتصاد بالاعتماد على التكنولوجيا الأميركية في الاستكشافات النفطية ورفع الإنتاج واستيراد أجهزة أميركية وكندية للتعدين.

 

بينما ينصح الخبير في العلاقات الدولية عيسى حمودة الحكومة الانتقالية بالترويج الإعلامي للاستثمارات والمناطق التي تزخر بالموارد وتبادل زيارات بين الوفود الإعلامية الأميركية والسودانية وتفعيل الدبلوماسية التجارية متوقعًا انفاذ الخرطوم لعدد من الخطط في هذا الصدد. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى