أعمدة ومقالات

ما يثير القلق حقّا

خالد فضل

 أول ما صدع به الثوّار في مواكبهم الهادرة أوان انطلاقها في منتصف ديسمبر 2018م ( حرية) ,  فسلام وعدالة , لقد كان الوعي حاضرا في كل هتافات الشباب طيلة سنوات الغمّة الإسلاموية التي جثمت على الصدور لثلاثين عاما ,  ومن منّا لا يذكر ذاك التوقيع الجميل بالكفوف المتلاحقة في كلّ مناسبة سياسية أو ذات ارتباط سياسي مثل دفن الموتى من رموز العمل المعارض , وفي الحفلات والفعاليات الاجتماعية والنقابية , عندها تنطلق صفقات الشباب لتدوزن الهتاف النبيل ( حرية ), هذا يؤكد عمق الإرتباط بين  كل توقع لمشروع ناجح للتغيير بمفردة أساسية لن يستقيم بدونها بناء , حرية .

    خلال اسبوع واحد , وقعت حوادث انتهاكات جسيمة لحرية الصحافة والصحافين /ات , وكما هو معروف فإنّ حرية الصحافة ليست شأنا خاصا بالصحفيين , بل هي من صميم حرية المجتمع لأنّ الصحافة هي في الواقع خدمة للمجتمع وحقه في أن يعرف ويناقش ويقرر في شؤونه كلها , وما يؤديه الصحفيون /ات إنّما هو ترجمة لهذا الحق , فإن وقع اعتداء عليهم /ن أثناء تأدية مهنتهم أو بسبب أدائهم لدورهم فهو اعتداء سافر على أهم حق من حقوق المجتمع , يجب أن يتنبه الجميع لخطورة التمادي في الإعتداءات على الصحفيين /ات , وعدم الرضوخ لمثل هذه الممارسات المتعمدة لوأد صوت الصحافة والإعلام ربما تمهيدا للانقضاض على الثورة نفسها .

 شهد الإسبوع المنصرم ثلاث حالات اعتداء على الصحفيين /ات , ففي يوم 21اكتوبر 2020م تمّ التعدي على الصحفيين والإعلاميين الذين كانوا يغطون المواكب  الشعبية التي انطلقت في معظم أرجاء العاصمة الخرطوم , تمّ منع الإعلاميين من تأدية مهمتهم في التقل والتوثيق للمواكب , بل جرت محاولة للإعتداء على مراسل قناة الحدث السعودية الزميل سعدالدين حسن , وقد اصدرت وزارة الثقافة والإعلام بيانا اعتذرت فيه عمّا حدث وأكدت متابعتها للوقائع مع الجهات الأمنية التي ارتكب منسوبوها تلك الانتهاكات , ولم يجف حبر بيان الوزارة حتى حملت الأخبار نبأ الإعتداء على الزميل محمد جادين , بالقرب من القصر الجمهوري وتعرضه للضرب والنهب بوساطة أفراد يرتدون الزي الرسمي للجيش  على متن  سيارة دفع رباعي , ثمّ واقعة الإساءة والتهجم وطرد الزميلة ناهد سعيد أثناء تغطيتها لمؤتمر صحفي لجماعة نظارات البجا والعموديات المستقلة بدار حزب الأمة , ومنع الزميلة المذكورة من تغطية الفعالية .

  إنّ تواتر هذه الممارسات من جهات ذات طبيعة يفترض أنّها نظامية , ومن جماعات _ يفترض كذلك_ أنّها مكون سياسي /اجتماعي , تدل على سيادة عقلية الإقصاء وسيطرة مفاهيم التربص والديكتاتورية رغم نجاح الثورة في إزاحة أعتى رموز القهر والقمع والديكتاتورية , ولكن من الواضح أننا بصدد المشي على طريق طويل وشائك لبلوغ  أهداف الثورة العظمى وعلى رأسها ( الحرية) .ودعت شبكة الصحفيين السودانيين كل القانونيين والصحفيين والمعنيين لتشكيل جبهة ضد العبث والترصد المستمر بحرية الصحافة والنقد وسيادة قوانين العهد البائد التي تتجاهل حماية الصحفيين خاصة أثناء تأدية عملهم .

 نعم لابد من التصدي يحزم لمثل هذه الممارسات , ولأنّ النار من مستصغر  الشرر فإنّ حادثة هنا وأخرى هناك وثالثة ورابعة ,,إلخ , تشكل في الواقع منهجا مضطردا للضغط على الصحفيين/ات ومن ثمّ اجهاض أي دور مرتجى يمكن أن يلعبه الإعلام الحر في المساهمة في عملية التغيير والبناء الوطني المنشود , وهنا لابد من تنبيه الزملاء /ات الصحفيين /ات إلى ضرورة توحيد جهودهم , ولملمة أطرافهم , والتوقف مليّا لتدبر حال مهنتهم والزود عنها وعن حقوقهم التي هي حق للمجتمع , وهذا يتطلب منهم التوجه فورا نحو تماسك جبهتهم وتأسيس نقابتهم التي تدافع عنهم وعن مهنتهم , لقد آن الأوان للوسط الصحفي أن يعمل على دعم اللجنة التمهيدية لعودة نقابة الصحفيين ؛ حتى تتمكن من انجاز مهمتها المحددة في وضع النظام الأساسي للنقابة , والسجل الصحفي , وعقد الإنتخابات الحرة والديمقراطية لاختيار مجلس النقابة ونقيب الصحفيين , هذه المهام المحددة ينبغي ألا تكون محل خلاف , فاللجنة التمهيدية ليست هي النقابة بل هي الطريق لتأسيس النقابة , ولعل  الانتهاكات المتكلررة التي يتعرض لها الصحفيون/ات تمثّل دافعا اضافيا من أجل الإسراع في انجاز مهام الانتقال والوصول إلى عتبة النقابة التي تشكل نواة الجبهة الصلدة ضد محاولات تركيع الصحافة وجعلها تابع ذليل لقوى البطش والاستبداد كما كان عليه الحال أيام العهد البائد الله لا عادا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى